كونفدراليو طاطا يعتصمون احتجاجا على تنامي طرد حراس الأمن الخاص بالمؤسسات التعليمية    المغرب وأذربيجان يوقعان اتفاقية تعاون في مجالي العلوم والتعليم العالي    تنسيقية مناهضة الفساد بمراكش تطالب بفتح تحقيق شامل في برنامج "مراكش الحاضرة المتجددة" وتعلن برنامجا احتجاجيا تصعيديا    فيدرالية اليسار الديمقراطي يدعو إلى انفراج سياسي شامل ويحذر من اختلالات تدبير الفيضانات    بركة: الواردات المائية بحوض سبو فاقت المعدلات الاعتيادية ب163 في المائة    الناظور: استنزاف المخزون السمكي يدق ناقوس الخطر    الذهب ينخفض مع استمرار ضعف التداول في الأسواق الآسيوية    روبيو يُعيد إحياء "صدام الحضارات"    برعاية ترامب.. مجلس السلام يعقد اجتماعه الافتتاحي الخميس المقبل بواشنطن        كلينتون تنتقد التستر على ملفات إبستين    الرئيس ترامب يحث كييف على التوصل إلى اتفاق سلام مع موسكو "سريعا"    بميزانية تفوق 200 مليار دولار..الصين تطلق خطة شاملة لتطوير صناعة الشاي    حريق سكني في إسبانيا ينتهي بمأساة        مداخيل الكازينوهات ورسوم المشروبات ورسم الإقامة تعزز موارد ميزانية جماعة أكادير    مدرسة تضم 15 تلميذاً وثلاثة أساتذة تثير جدلاً حول حكامة التخطيط التربوي في تيزنيت    مصاب بمرض نادر.. استقبال الطفل نزار بطل الصمود اليومي بسفارة المغرب بباريس    أجواء باردة ومستقرة في توقعات اليوم الثلاثاء بالمغرب    كيوسك الثلاثاء | الحكومة تطلق خطة شاملة لتأهيل مجازر اللحوم الحمراء بالمغرب        القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    المندوبية السامية للتخطيط تتوقع ارتفاع عدد سكان المغرب إلى 40.5 مليون نسمة وبلوغ نسبة الشيخوخة 19.5% بحلول 2040    مهنيون يتوقعون تراجع أسعار السمك    إنذار رسمي لعضو بمجلس مقاطعة بني مكادة بسبب تدخلات إدارية خارج الإطار القانوني    المغرب التطواني يتوج بلقب بطولة الخريف بعد انتهاء مرحلة الذهاب    تفعيل الرقم 5757 لتلقي شكايات المستهلكين خلال شهر رمضان    وفاة أسطورة "العراب" و"أبوكاليبس ناو" روبرت دوفال عن 95 عاما    من العيون... المغرب والبحرين يؤسسان لمرحلة استراتيجية جديدة    حوض سبو: واردات مائية تفوق المعدل ب163% ونسبة ملء السدود تتجاوز 90%    الأهلي يحاول الإفلات من العقوبات    الملك محمد السادس يأمر بفتح 157 مسجدا في وجه المصلين مع مطلع شهر رمضان المعظم        من العيون: البحرين تدعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد للنزاع    بورصة الدار البيضاء تُغلق على ارتفاع    الوداد ينهي مرحلة المجموعات بانتصار ويواصل السعي نحو لقبه الأول في كأس الكاف    الشباب في قلب القرار السياسي: أي دور في بناء الثقة الديمقراطية؟    ذكريات فى مصر المحروسة وفى مغرب الأنوار مع الراحل عبد الهادي بلخياط    الخزف الفني قيمة حضارية وروحية في المتخيل المغربي    «أمي…نحيب الصامتين» لعلي مفتاح إلى كل المنتحبات في صمت الناقد محمد إدارغة    برمجة رمضانية تجمع بين الروحانية والمعرفة على القناة الثقافية    بين رحمة الميت وكرامة الحي مساطر أقسى من الفاجعة    الركراكي يقترب من الرحيل عن المنتخب المغربي قبل التوقف الدولي    توقيع اتفاقية شراكة بين كلية الاداب بالجديدة ومؤسسة شعيب الصديقي الدكالي ومختبر المغرب و البلدان المتوسطية للنهوض بتاريخ دكالة    زياش يتحصل على أعلى تنقيط في مواجهة عزام التنزاني    انتهاء المرحلة الأولى من Desert Trophy Panda... عبور ناجح من الناظور إلى أنوال في أجواء حماسية        ميكيل أرتيتا يؤكد قلقه من كثرة الإصابات في صفوف آرسنال    دواء تجريبي جديد يعزز فرص نجاة مريضات سرطان المبيض    مختبر السرد والأشكال الثقافية ببني ملال يحتفي بالإصدار الجديد لعز الدين نزهي    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    حجية السنة النبوية    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    تحذيرات خبراء : "أطعمة تقتل الإنسان ببطء وتوجد في نظامنا الغذائي"    هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    ظلمات ومثالب الحداثة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ألبير كامو : عاشق أم دونجوان؟
نشر في لكم يوم 03 - 05 - 2021

لعبت المرأة بزخم حضورها الفكري، الجسدي، المادي، الروحي، الايروسي، المعنوي، العاطفي، النفسي، دورا كبيرا في صياغة النموذج الذي جسَّده كامو : الإنسان، الفيلسوف، الروائي،المسرحي، المناضل التحرري،الذي ناهض بشفافية كبيرة عبثية وسيزيفية الوجود؛ بنفس الحدة التي واجه بها المنظومات السياسية التوتاليتارية، مثلما عكستها بامتياز، خلال سياقه التاريخي، أنظمة أوروبا الشرقية البيروقراطية المتوارية خلف واجهة عدالة الشيوعية.
بدءا،من دائرة أول امرأة اكتشفها في حياته وهي أمّه عاملة التنظيف،التي أحبها بالمطلق حد الجنون،المنحنية باستمرار على دلوها لتلميع أراضي الغرف،وقد قصم الفقر والعوز ظهرها،مرتدية باستمرار بذلة رمادية أو سوداء،صماء وأمِّية، بجانب صعوبات على مستوى الكلام.أوصاف حزينة تضمنتها مسودته "الرجل الأول"غير المكتملة فصولها،التي عثر عليها حين وفاته،انتهاء بنسق علاقته الغرامية الخالدة، قلبا وعقلا،مع الفنانة المسرحية والسينمائية ماريا كازارس،مرورا بصداقات نسائية عدة،لم تكن حقيقة عابرة،على الأقل تلك التي كشفت عنها حكايات وسير تناثرت هنا وهناك، كما الشأن مع "كاثرين سيليرز"، "سيمون هي Hé"، "كريستيان غاليندو"، "باتريسيا بليك"، "ميMi "،دون إغفال أو مجرد سهو غير مقصود،لذكرى انتظام لقاءاته خلال فترة معينة مع سيمون دي بوفوار حول مائدة عشاء في مطعم "ليب" سان جيرمان، وإن لم يرتق الأمر إلى مستوى شغف غرامي بالمفهوم الذي عاشه كامو مع باقي النساء،بسبب رفض صاحب كتاب"الإنسان المتمرد"(1951) الانسياق وراء النزوع الدونجواني لصديقة سارتر.
مغامرات عاطفية مكتملة الشروط،وجدانيا وذهنيا،نسجت باستمرار منطلقاتها وارتداداتها؛ ذهابا وإيابا، حول دائرة زواجه الرسمي من فرانسين فور،أمِّ طفلتيه كاترين وجين.عازفة بيانو رائعة يصعب مجاراتها بخصوص موسيقى باخ،ومختصة في الرياضيات.امرأة فاتنة، متحفظة جدا وقليلا ماتكشف عن سلوك ماجن، تزوجها كامو سنة 1940 .
أقول،يظل تأويل موضوع الحب عند كامو متعددا يصعب جعله ممتثلا لخلاصات قراءة واحدة،مادامت تتسامى مناحيه عن هواجس الدونجوانية عند حدود مقتضياتها المضطربة ذات الحس الشهواني المبتذل.أيضا،في ذات الوقت،هنا تكمن المفارقة المدهشة،استمر كامو شخصا حرا،ضمن سياق مختلف ذلك،كأنه امتثل على طريقته لمقولة القديس أوغسطين :"فلتعشق ثم اصنع ماتشاء".
لايخفي كامو عشقه للنساء وماتمثله المرأة من انفتاح صوب وجهة العالم والحياة،فيتطلع نحو العثور معها عن صداقة عميقة جوهرية وأساسية.يجعله حضورها قادرا على استيعاب ذاته وخفايا لغزه الخاص،هكذا يرتبط شغفه اللانهائي بالحب بسعادة تجعله حرا منتشيا بالحب والحنان.
شكَّل لديه الحب،حلقة مفصلية بناءة إلى جانب العبث والتمرد،بهدف استتباب معاني المقاومة قصد تحديه الحياة والموت ثم الزمان. كان باستمرار،قريبا جدا من الموت،مهددا بنهاية باكرة قبل الأوان،جراء متاعبه الصحية الناجمة عن إصابته بداء السل،إضافة إلى تعب مضمار معاركه الفكرية.
إنه شخص قلق ومعذب،لايهنأ له بال،تقض مضجعه هواجس متباينة المشاريع، يكابد لاطمأنينة دائمة على حد تعبير فردناندو بيسوا.عزلته الذهنية،بعد أن تخلى عنه رفاقه القدامى مثل سارتر، بوفوار، ميرلوبونتي.إرهاقه الجسدي والنفسي،يستشفهما القارئ تماما من عباراته المصحوبة بشعور السلبية :"أحس هذا الصباح كما لو أني أجوف"،"الحقيقة أنا مجرد شخص أبله،فقد لاحظت بأني فقط بصدد مخاطبة نفسي"،"أنا فارغ وأجوف"،"أنا قارب مترهل يسحبه موج،مبتعدا عن شاطئ رملي قبيح"،"أعاني حالة كآبة يميزها إحباط كلي وحزن كئيب"...
هكذا،بلورت المرأة،أفقا كي يحيا الحياة وفق ممكنات المقاومة والتمرد،لذلك كتب كامو سنة 1950 :"مايفعله كل واحد منا على مستوى عمله وحياته،لايقوم به وحده.بل وحده حضور يشعره بالصحبة".وهي الصحبة التي عثر عليها في الانكباب على الكتابة والشغف بالمسرح، ثم معاشرة نساء مميزات وذكيات شكلت له سندا وجوديا،يتحدى معهن ومن خلالهن الحياة والموت والزمان،مع وفائه الشفاف لهن مثلما فعلن بدورهن نحوه على طريقتهن،لاسيما حيال زوجته فرانسين،التي أحبها حبا عميقا، بحيث تحمل مسؤوليته كزوج و أبٍ ؛رغم كونه منح ذاته حق أن يعيش علاقات عاطفية كثيرة خارج إطار الزواج.
في خضم ذلك،تظل أهم علاقة طبعت حياة كامو على جميع المستويات،تلك التي جمعته بالفنانة المسرحية والسينمائية ماريا كازارس المنحدرة من أصول اسبانية،ابنة آخر رئيس حكومة الجمهورية الاسبانية؛نفيت أسرتها إلى فرنسا سنة.1936غرام استثنائي، متوقد،ملتهبة أبعاده،صار بالإمكان إدراجه تاريخيا منذ إزالة اللثام عنه بفضل وثيقة الرسائل، إلى جانب أشهر الصداقات الغرامية التي حافظت على هيبة فرادتها النوعية في تاريخ الإنسانية،وقد دونت مراسيم للحب،ووضعت أبجديات لإتقان فن العشق والارتقاء به نحو مدارج السمو والكمال والإبداع.
إذن، إقرار من هذا القبيل،أضحى ثابتا بكيفية جلية للعموم على نحو واضح منذ سنة 2017،عندما وافقت كاترين كامو(ابنة كامو)،كي تصدر دار النشر غاليمار مجلدا ضخما تضمن بتفصيل مختلف المراسلات العاشقة المتبادلة بين كامو وعشيقته كازارس لمدة خمس عشرة سنة؛طيلة الفترة الممتدة بين(1944 -1959).عمل هائل، أزاح السرية والخصوصية عن زهاء ثمانمائة وخمس وستين رسالة غرامية،ضمها كتاب سميك قارب ألفا وثلاثمائة صفحة.تنبغي الإشارة في هذا المقام،بان وديعة الرسائل مكتملة توصلت بها كاترين كامو من طرف كازارس قبل وفاتها سنة 1996،عن طريق الشاعر روني شار.
التقى كامو وكازارس لأول مرة في باريس يوم 6يونيو 1944،عند ميشيل ليريس بمناسبة تنظيم الأخير للقاء فني بهدف مناقشة مسرحية لبيكاسو.لقاء،حدث عشية إنزال قوات الحلفاء على شاطئ نورماندي.يبلغ عمر كازارس آنذاك واحدا وعشرين سنة،بينما قارب كامو عقده الثالث،متزوجا مثلما سبق ذكره من فرانسين فورFaure،وأبا لطفلتين توأم،غير أنه يعيش وحيدا في باريس لأن زوجته لم تغادر وهران.أيضا أنهى آنذاك نشاطه الصحفي في جريدة "نضال" كي يتحول صوب مغامرة جديدة اسمها "نضال حر"صحبة باسكال بيا. صار حينها كاتبا مشهورا،بعد إصداراته المتمثلة في عمليه : "الوجه والقفا"(1937)، الغريب(1942) ،ثم عضوا ضمن لجنة القراءة في غاليمار.
بدورها،ابتدأت كازارس خلال تلك الحقبة مسار مسرحيا بدا منذئذ واعدا.وقد تمكنا فعلا، من خلال سرد هذه الرسائل،استعادة جل المغامرات المسرحية لكازارس وعلاقاتها مع كبار الممثلين ومدراء الفرق المسرحية.اعتبرت حقا،واحدة من أكبر ممثلات التراجيدية في فرنسا إبان القرن العشرين.قدمت أدوارا مهمة تحت إشراف مخرجين،من قيمة "جان فيلار"، "جان كوكتو"،"جورج لافيلي"،"باتريس شيرو".وجسدت فوق خشبة المسرح المفاهيم العميقة التي انطوت عليها مسرحيات كامو وجان جنيه.
احتاج ألبير كامو وجوديا لماريا كازارس،فجاء صدفة لقاؤهما الثاني عند إحدى نقط عبور شارع سان جيرمان الباريسي، بعد قطيعة دامت ثلاث سنوات،نظرا لطبيعة الظروف الأسروية لكامو. هكذا أمدته كازارس الصلبة، الشجاعة، الودودة،بالطمأنينة،فهي بمثابة "قوة شمسية" تدرك كيفية العثور على الكلمات المناسبة ،شجعته كي"يمضي في سبيله"حتى النهاية مثلما قالت له،حينما أرغمه السياق أساسا على خوض معارك ضارية ضد سارتر وفرانسيس جونسون،إضافة إلى ظروف مرض زوجته ومعاناته اليومية بدوره من نوبات اختناق نتيجة مضاعفات داء السل.
يستحيل قراءة الرسالة الأخيرة التي بعث بها كامو إلى حبه الكبير يوم 30دجنبر 1959،دون الإحساس بانقباض ينمّ عن الشؤم.نعم وردت جملة"الرسالة الأخيرة"بكيفية منذرة :"إلى اللقاء، جميلتي.أنا سعيد جدا لفكرة لقائك بحيث أبتسم وأنا أكتب إليك ذلك. أقبِّلك وأحضنك غاية يوم الثلاثاء، حيث أبدأ ثانية".
غير، أن كامو لن يعود أبدا إلى باريس، لأنه توفي مباشرة جراء حادثة سير مميتة بعد أن اصطدمت بقوة السيارة – نوع فاسيل فيغا- التي يقودها صديقه ميشيل غاليمار بشجرة جنوب بلدة "فونتينبلو".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.