تمرين مشترك في الإغاثة والإنقاذ بين القوات المسلحة الملكية والحرس الوطني الأمريكي    محاولة خائبة لاقتراب الجيش الجزائري من الحدود المغربية..    بوريطة في مؤتمر دولي: المغرب يلتزم بالنهوض بالديمقراطية وتعزيز صمودها..    الجزائر تقطع علاقاتها الجوية مع المغرب.. والرد يأتي من نيجيريا..    الملك محمد السادس يتوج بجائزة جون جوريس للسلام لسنة 2021    سيدي إفني: التجمعي رشيد تيسكمين يظفر برئاسة جماعة سيدي عبدالله أوبلعيد    هذه الأغذية تسبب انتفاخ البطن    إطلاق النسخة السابعة لنيل "جائزة التنافسية بين الجامعة والمقاولة    تداول لائحة جديدة بأسماء جديدة للوزراء الجدد في حكومة أخنوش.(+اللائحة الكاملة)    عاجل.. أول قرار من لابورتا تجاه كومان بعد تعادل برشلونة مع قادش    أبرزهم العرجون وحركاس.. قائمة الرجاء لمواجهة ش. السوالم تعرف غياب عشرة لاعبين مقابل عودة الناهيري    بالفيديو.. فتاة تنجو بأعجوبة من حادث دهس قطار سريع    هروب ثلاثة لاعبين من منتخب الطائرة تحت 21 سنة والجامعة توضح    كرة الصالات.. منتخب أكرم المغاربة بسعادة استثنائية    لهذه الأسباب.. لن يتضرر المغرب من قطع أنبوب الغاز الجزائري..    الأمم المتحدة تعلق على قرار الجزائر إغلاق الحدود الجوية ضد المغرب    تنامي المعارضة في تونس ضد توجه الرئيس سعيد لفرض حكم فردي مطلق    توقيف شاب في عقده الثاني متلبسا بمحاولة إدخال كمية من الكوكايين للمغرب    تتويج "أورنج" بجائزة أسرع شبكة أنترنيت للخط الثابت بالمغرب -فيديو    المغرب يستعد لتسلم "4 ملايين جرعة إضافية" من لقاح سينوفارم في هذا التاريخ    مديرية الثقافة بالجديدة تدشن دخولها الثقافي من المكتبات العمومية    منتخب المغرب َللقاعة يصطدم بالبرازيل    توقعات مديرية الأرصاد لطقس يوم غد الجمعة    "وجوه مسفرة".. مسير قرآني تكريما لحفظة القرآن في غزة (+صور وفيديو)    البرازيل يفوز على اليابان ويواجه المغرب في ربع نهائي كأس العالم للفوتسال    حضور مكثف للمغرب في فعاليات الدورة 37 من مهرجان الاسكندرية لدول البحر المتوسط    حكيمي: "سعيد بتسجيل هدفين ومساعدة باريس سان جيرمان على تحقيق الفوز"    فرح الفاسي تفجرها في وجه نجوم "ألو ماي ستار"    لشكر بكلميم لتقديم العزاء في وفاة القيادي الاتحادي السابق عبد الوهاب بلفقيه    توزيع جوازات التلقيح ضد كورونا على التلاميذ بفاس    نبيل بنعبد الله يواجه حركة تصحيح داخل حزب التقدم والاشتراكية تطالب باستقالته    د.الودغيري يكتب عن مطلب اعتماد الانجليزية لغة علم: أمّتي أفيقي وكفى استِجداءً    فرنسا: حل الأزمة مع واشنطن يستغرق وقتا ويتطلب أفعالا    وجدة.. نحو توطين صناعة قطع غيار السيارات باستثمار قدره 394 مليون درهم    لأي شيء يصلح حزب الاتحاد الدستوري؟..    دراسة: المغرب أحد أكثر البلدان جذبا للاستثمارات في إفريقيا    طنجة .. اتفاقية للنهوض بثقافة حقوق الانسان داخل الوسط الجامعي    الجيشان المغربي والأمريكي يختتمان تمرينا عسكريا لمواجهة الكوارث    تنسيقية "أساتذة التعاقد" بسلا تحمّل الدولة مسؤولية "هدر الزمن المدرسي"    في الذكرى الثانية لرحيله..    حماية المستهلك تطالب بتدخل الدولة بعد ارتفاع أسعار الخبز    أزمة الشرعية في ليبيا وازدواجية المؤسسات لا يمكن حلهما إلا بتمرين ديمقراطي يشارك فيه الليبيون جميعا    أزيد من 278 ألف مسافر عبرو من مطار فاس سايس في فترة الصيف    رسميا.. المغرب التطواني يتعاقد مع عبد اللطيف جريندو    المغرب يفرض رسوما على واردات أعمدة الإنارة بسبب تضرر الإنتاج الوطني.    اتباع نظام غذائي غني بمنتجات الألبان قد يقلل من احتمال الإصابة بأمراض القلب    أنباء عن قيام شنقريحة بتصفية الجنرال عبد الحميد لغريس في السجن يوم إعلان وفاة بوتفليقة    تكريم ماكرون للحركيين أغاظ حكام الجزائر    فيديو.. سقوط ماجدة الرومي على مسرح جرش بالأردن بعد تعرضها لإغماء مفاجئ    بريد المغرب يصدر طابعا بريديا احتفالا بمعرض "ديلا كروا"    جرعة ثالثة من اللقاح المضاد لفيروس كورونا في انتظار المغاربة    عالم بالأزهر يفتي بعدم جواز التبرع للزمالك    حماس: لم نتلق أي رد بخصوص صفقة تبادل الأسرى    أمريكا توافق على منح جرعة ثالثة للأشخاص فوق 65 سنة    بريتني سبيرز تطلب إنهاء الوصاية المفروضة عليها لكي تتمكن من الزواج    الدُّرُّ الْمَنْثُورُ مِنَ الْمَأْثُور    قصيدة "لَكُمْ كلُّ التَّضامنِ يَا (سَعيدُ)"    "خصيو السلطة"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



علم التوحيد وعلم الكلام: تكامل أم تشامل؟
نشر في لكم يوم 19 - 06 - 2021


أولا: أصولية وخصوصية مصطلح التوحيد.
من أهم خصوصيات الأمة الإسلامية أنها أمة التوحيد، والذي قد يأخذ طابعا شموليا في كل مرافق وجودها وتصوراتها وعلى أساسه تنبني قمتها وقاعدتها حيث لا قمة ولا قاعدة وإنما الناس سواسية كأسنان المشط.
ولقد كان أول نداء نادى به الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمره الله تعالى بالدعوة إليه هو توحيد الله قبل توحيد العباد، فكانت دعوته وهو مازال في مكة كلها مرتكزة على قوله "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله..." الحديث[1].
فكانت هذه الكلمة هي أصل التوحيد، والتعبير الذي لا يقبل التأويل والنسخ والتعديل بل هو كلام محكم كل الإحكام جامع لكل ما يقتضيه التوحيد من معان ومضامين مانع لكل شوب أو تداخل في المفاهيم، وإنما هي كلمة تحمل قوة ما بعدها من قوة في النفي ودقة ما بعدها من دقة في الاستثناء ووضوحا ما بعده من وضوح في الإثبات، حيث لا ثابت إلا ما أثبتته هذه الكلمة ولا ذات تختص بصفة الألوهية إلا ذات الله سبحانه وتعالى.
إذن كانت هذه الكلمة التوحيدية القول الفصل في تحديد مستحق الألوهية وحولها تكونت العلوم والمعارف العقائدية بشتى أنواعها وشعبها وتأسست على إثرها مذاهب ومدارس عقلية وروحية وسلوكية، كل مذهب قد اغترف منها بحسب استعداده وطاقاته الفكرية والروحية وبحسب بعد نظره وعمق غوصه على استخلاص المعاني.
وهكذا أخذت المذاهب سواء كانت مذاهب فردية أو جماعية ذات طابع مدرسي تفرز أفكارا وتفسيرات لمعاني الكلمة ومستلزماتها، منها ذات الطابع التقريري المحض والتعبير الذوقي المنبعث عن الإيمان المبدئي بالعقيدة المعبر عنها، ومنها ذات الطابع الاستدلالي والأسلوب البرهاني ذي الطبيعة البحثية، يأخذ مرة صورة المعرفة من أجل المعرفة ومرة أخرى صورة جدلية هدفها الإقناع واتخاذ موقف الدحض والدفاع.
وأمام هذا التنوع المعرفي واتجاهاته المنهجية وأمام هذا التركيز الأساسي على مدلول الكلمة ومضامينها، أخذ يتكون ما سيصطلح عليه بعلم التوحيد بصفته – أي المصطلح – يعتبر جامعا لكل المذاهب الفكرية المتفرغة للكلمة ومستلزماتها وبصفته النعت الأساسي لعقيدة المسلمين ورأس علومهم، بحيث أن المصطلحات الأخرى التي سمي بها علم التوحيد لا تعطيه الخصوصية الدقيقة والضامنة كما يعطيه له مصطلح التوحيد. وذلك كعلم الكلام وعلم العقائد والنظر والاستدلال والفقه الأكبر وأصول الدين... إلخ.
فمصطلح علم التوحيد لا يوجد حوله خلاف من حيث مدلوله أو سبب تسميته لأنه من أساسيات الدين الإسلامي: ولأن أصل الأصول في الإسلام هو الإقرار بالألوهية لله الواحد الأحد الفرد الصمد بدون تشبيه ولا تمثيل في ذاته وصفاته وأفعاله. ومن أجل هذا المعتقد سمي العلم الذي يبحث في هذه العقيدة تقريرا واستدلالا بعلم التوحيد تسمية له بأهم أجزائه وهو إثبات الوحدانية لله تعالى في وجوده وذاته وصفاته وأفعاله.
وعلم التوحيد بهذا المصطلح أشمل من كل المصطلحات التي قيلت كمرادفات له، وذلك لأنه يجمع بين النظر والعرفان والسلوك وذوق الوجدان كما أنه يجمع بين الدفاع والإقناع وبين العقل والسماع.
ثانيا:حدود الترادف الاصطلاحي بين علم التوحيد وعلم الكلام
ولربما يكون قد جانب الصواب كثير من العلماء والبحاث حينما يستعملون مرادفات لعلم التوحيد تحمل وإياه على قدم المساواة نفس المعنى الشمولي والدلالات التي يقتضيها هذا المصطلح.
فنجد النشار مثلا يقول "علم الكلام أو علم التوحيد أو علم أصول الدين، علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، وهذا العلم فيما أعتقد هو النتاج الخالص للمسلمين"[2] وبنفس الأسلوب يتحدث أبو ريدة فيقول "كان النظر في الدين بأحكامه وعقائده يسمى فقها ثم خصت الاعتقادات باسم الفقه الأكبر وخصت العمليات باسم الفقه وسميت مباحث الاعتقاديات باسم علم التوحيد أو الصفات تسمية للبحث بأشرف أجزائه، أو علم الكلام، لأن أشهر مسألة قام حولها الخلاف هي مسألة كلام الله، أو لأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات"[3].وكثير هم البحاث الذين وضعوا علم الكلام مرادفا لعلم التوحيد دون الإشارة إلى تميز أحد المصطلحين عن الآخر بوجه من الوجوه، لكن حينما نعود إلى تعريفات المتقدمين من العلماء فإننا نجد لديهم دقة في تحديد المصطلح وخصوصياته أكثر مما عليه المعاصرون، بل إن بعض هؤلاء المتأخرين أضافوا إلى تعريفاتهم ما لم يقله المتقدمون، وذلك كما نجده عند النشار في النص السابق، بحيث قد أضاف إلى تعريف ابن خلدون مصطلحات أريد بها توسيع دائرة التعريف والتبيين لكن العكس هو الذي حصل بحيث أفقد المصطلح الذي قصده ابن خلدون خصوصيته ودقته، ومضمن النص الخلدوني كالتالي: "علم الكلام علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد التوحيد، فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لنا عن التوحيد على أقرب الطرق والمآخذ ثم نرجح إلى تحقيق علمه وفيما ينظر ويشير إلى حدوثه في الملة وما دعا إلى وضعه"[4]
وحينما عرض ابن خلدون للتوحيد بعد تعريف علم الكلام وخصوصياته، أخذ مسلكا عقائديا ومعرفيا، خال من كل رائحة للجدل أو المناظرة، أو الحجاج، وإنما هو عرض معمق مقصود لذاته ومبرهن عليه بأدلة عقلية واستنتاجات علمية تعتمد على واقع النفس الإنسانية وقدراتها الإدراكية ومستوى حدود في الاستدلال والبرهنة، وذلك من حيث تحديد مفهوم التوفيق والتوقيف، ثم بين بعد ذلك كيف تطور النظر في التوحيد من علم مقصود لذاته إلى علم ظرفي ومرحلي فرضته الوقائع والأحوال التي طرأت على منهج النظر والاستدلال كما يقول "إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد أكثر مثارها من الآي المتشابهة، فدعا إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل، فحدث بذلك علم الكلام...
فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه من تلك العقائد"[5].
ورأي ابن خلدون هذا ليس إلا ملخصا لرأي سابقيه من المتخصصين في علم الكلام أو المؤرخين له والمعارضين لبعض قضاياه كابن تيمية مثلا، الذي يرفض بشدة اعتبار علم الكلام كمرادف لأصول الدين بل إنه حمل على المتكلمين حملة شعواء فيها نوع من المبالغة والإسراف في النقد كما سنرى في حينه.
وفي رأيي أن كلا طرفي قصد الأمور مستبعد في هذه المسألة، فلا الذين رأوا علم الكلام كمرادف تام لعلم التوحيد قد أصابوا الهدف ولا الذين حاولوا إقصاء علم الكلام عن تمثيله لعلم التوحيد كانوا موضوعيين وعلميين.
لكن بين هذين الاتجاهين في تحديد علم التوحيد من حيث احتواؤه لمصطلح علم الكلام أو عدمه كمرادف تام أو مخالف تام نجد موقفا وسطا موضوعيا يحدد وظيفة علم الكلام ودوره داخل دائرة علم التوحيد بمفهومه الواسع. وقد مثل هذا الموقف بصورة واضحة أبو حامد الغزالي في قوله: "فإذن علم الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة، وإنما حدث ذلك بحدوث البدعة، فليعلم المتكلم حده من الدين وأن موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج، فإذا تجرد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج"[6]
وهذا الاعتبار الذي خصصه الغزالي لعلم الكلام ودور المتكلمين حذا ببعض المعاصرين إلى القول بأن "علماء الكلام أشبه بوزراء الداخلية في العصر الحاضر، مهمتهم المحافظة على الأمن العقلي الداخلي والمحافظة على النظام الداخلي للحضارة الناشئة"[7]
فالغزالي كان أدرى بواقع مصطلح علم الكلام وأبعاده، ولهذا فإنه بعدما أدرك خصوصيته وعدم مجاراته لشمولية علم التوحيد وغاياته ألف كتابا سماه "إلجام العوام عن علم الكلام" ولو كان الغزالي يفسر علم الكلام بعلم التوحيد كمرادف تام وكامل الأركان لما تجرأ على طرحه هذا والمتمثل في حظر علم الكلام على فئة عريضة من المسلمين، ولو فرضنا أن علم الكلام مرادف لعلم التوحيد فهذا يعني أن الغزالي يمنع علم التوحيد على العامة من المسلمين، وهذا ما لم يقصده، وإنما مقصوده شيء آخر وهو محاولته صرف العامة عن الدخول في مجادلات وشبهات ليس بمقدورهم فهم رموزها وإشاراتها، كما أنه ليس مطلوبا شرعا وجوب التدقيق فيها بصورة تفصيلية، وإن كان مطلوبا معرفة أصول التوحيد بصورة جملية لتثبيت العقيدة والاستقرار على أصولها.
كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب
[1] رواه مسلم من حديث جابر في كتاب الإيمان.
[2] علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام دار المعارف ج 1 ص 54.
[3] حسام الألوسي: دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي، ص 52.
[4] ابن خلدون: المقدمة، مطبعة محمد عاطف ص 342.
[5] نفس المصدر، ص 348.
[6] الغزالي: إحياء علوم الدين. مكتبة محمد علي صبيح أولاده ج 1 ص 23.
[7] حسن حنفي: التراث والتجديد دار التنوير للطباعة والنشر ط 1 ص 132.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.