تتجه الأنظار في المغرب إلى محطات الوقود التي بدأت بالفعل في تطبيق زيادات ملحوظة على أسعار المحروقات، في وقت تشهد فيه الأسواق الدولية موجة ارتفاع جديدة في أسعار النفط نتيجة تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. فمع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، ومع استمرار تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط في العالم، عاد شبح صدمة طاقية عالمية ليخيم على الأسواق ويغذي توقعات بمزيد من الارتفاع في الأسعار خلال الأيام المقبلة. وتشير المعطيات المتداولة في منصات الأسواق الدولية إلى أن سعر خام برنت وصل إلى نحو 100 دولار للبرميل، في حين بلغ سعر طن الغازوال حوالي 1112 دولارا للطن، أي ما يعادل قرابة 9.5 دراهم للتر قبل احتساب تكاليف النقل والتأمين والضرائب وهوامش التوزيع. ويأتي هذا الارتفاع في سياق تتزايد فيه المخاوف من تعطل فعلي للإمدادات العالمية، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تجارة النفط في العالم. ورغم محاولات التهدئة التي صدرت عن عدد من العواصم الكبرى، سواء عبر الحديث عن إمكانية وقف التصعيد العسكري أو عبر اللجوء إلى السحب من المخزونات الاستراتيجية، فإن الأسواق لا تزال شديدة الحساسية لأي تطور قد يمس تدفق النفط في المنطقة. في هذا السياق، حذر الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، من أن استمرار الحرب واتساع نطاقها الجغرافي قد يؤدي إلى اضطرابات أعمق في سوق الطاقة العالمية. وأوضح أن كلما طال أمد الصراع واتسعت رقعته ليشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط مثل دول الخليج أو لبنان أو العراق، ارتفع مستوى القلق لدى الدول المستوردة للطاقة، ما يدفعها إلى التسابق نحو تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية وتأمين احتياجاتها الأساسية. ويرى اليماني أن هذا السلوك الجماعي للدول يؤدي بدوره إلى زيادة الضغط على العرض العالمي، إذ إن سعي عدد كبير من الدول في الوقت نفسه إلى تخزين كميات إضافية من النفط ومشتقاته يخلق طلبا إضافيا في السوق، وهو ما يسرع وتيرة ارتفاع الأسعار ويقرب الأسواق من مرحلة الندرة أو الانقطاع في بعض المناطق. ويضيف أن هذه التطورات قد لا تقتصر آثارها على المجال الاقتصادي فقط، بل قد تمتد إلى توترات اجتماعية وسياسية في عدد من البلدان، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين أسعار الطاقة وكلفة المعيشة وأسعار السلع الأساسية. وبخصوص الوضع في المغرب، اعتبر اليماني أن استمرار الارتفاع في الأسعار الدولية سيترجم حتما إلى زيادات متتالية في أسعار الوقود داخل السوق الوطنية، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل والإنتاج. فالنقل الطرقي يمثل الحلقة الأساسية في سلاسل التوزيع، وأي ارتفاع في سعر الغازوال ينعكس تدريجيا على أسعار الخضر والفواكه والحبوب والسلع الاستهلاكية، نظرا لاعتمادها شبه الكلي على الشاحنات والنقل البري. وفي ضوء هذه التطورات، دعا اليماني الحكومة إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الاستثنائية للتخفيف من أثر الارتفاعات المرتقبة. وفي مقدمة هذه الإجراءات، بحسب تصريحه، إلغاء تحرير أسعار المحروقات ولو بشكل مؤقت والعودة إلى آلية تنظيمية للأسعار تضمن التوازن بين مصالح الفاعلين الاقتصاديين في القطاع وحماية القدرة الشرائية للمستهلكين من التآكل المتواصل. كما شدد على ضرورة معالجة وضعية المخزون الوطني من المنتجات النفطية، مع تحديد واضح للمسؤوليات بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين في قطاع البترول والغاز، إضافة إلى تفعيل آليات التحوط المالي أو التأمين ضد تقلبات الأسعار الدولية، وهي آليات تعتمدها العديد من الدول لتقليص المخاطر المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة. واقترح كذلك العودة إلى دعم أسعار المحروقات عبر صندوق المقاصة أو التخلي الكلي أو الجزئي عن الضرائب المفروضة على الوقود، والتي تتجاوز أربعة دراهم للتر بالنسبة للغازوال وأكثر من خمسة دراهم للتر بالنسبة للبنزين، معتبرا أن هذه الإجراءات يمكن أن توفر هامشا للتخفيف من أثر الارتفاعات على المستهلكين وعلى القطاعات الاقتصادية الأكثر حساسية لتقلبات أسعار الطاقة. كما أعاد اليماني طرح ملف المصفاة المغربية للبترول، داعيا إلى إعادة إحياء نشاطها تدريجيا، ولو من خلال فتح المجال أمام استخدامها في مرحلة أولى كمركز للتخزين قبل استئناف عمليات التكرير لاحقا. وأشار في هذا السياق إلى إمكانية اعتماد صيغ مختلفة لمعالجة وضعية الشركة، من بينها تفويت أصول شركة سامير عبر آلية مقاصة الدين لفائدة الدولة المغربية، وهو ما من شأنه، بحسب تقديره، أن يعزز القدرة الوطنية على التخزين والتكرير ويقوي هامش الأمان الطاقي للمملكة. وتعيد هذه التطورات طرح سؤال جوهري حول قدرة الاقتصاد المغربي على التكيف مع صدمات الطاقة في سياق دولي شديد التقلب، خصوصا في ظل اعتماد يفوق 90 في المائة على واردات المنتجات البترولية. فبين الارتفاع المتسارع للأسعار العالمية، وضغوط الميزان التجاري، وتأثير الطاقة على كلفة النقل والإنتاج والأسعار الاستهلاكية، تبدو قضية الأمن الطاقي أكثر إلحاحا في النقاش الاقتصادي الوطني.