توفي يوم السبت 14 مارس الجاري، المفكر والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس بعد مسار فكري لأكثر من سبعة عقود حافل بالكتابة والمساجلات الفكرية حول العدالة والديمقراطية والأخلاق. ويعتبر هابرماس واحدا من أكثر الفلاسفة تأثيرا في الفكر المعاصر، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، إذ جمعت أعماله بين الفلسفة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والقانونية، واهتمت كتاباته بتحليل طبيعة المجتمع الحديث ودور التواصل والخطاب العام في تشكيله. الفيلسوف الألماني، يورغن هابرماس، الذي بدأ تدريس الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة فرانكفورت في الستينيات، دعم بصوت عال ثورة الطلبة في جامعات ألمانيا الغربية في ذلك الوقت، وكان عضوًا بارزًا في «مدرسة فرانكفورت»، وهي مجموعة فكرية انتقدت الرأسمالية والفاشية والشيوعية والماركسية الأرثوذكسية من منظور «اليسار الجديد» المتميز عن الماركسية التقليدية، حيث شكل، هو وماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، أبرز الدعاة لمدرسة فرانكفورت التي اشتهرت المدرسة بالنظرية النقدية التي تؤكد أن المجتمع الرأسمالي، بدلاً من تعزيز التحرر البشري، يحول المواطنين النشطين إلى مستهلكين سلبيين. كما انتقد هابرماس ما اعتبره تسليعًا لوسائل الإعلام والترفيه، بحجة أن الثقافة ذات الإنتاج الضخم تدمر النقاش العام النقدي. كرّس الفيلسوف سنواته الأخيرة للترويج لمشروع أوروبا فدرالية، حيث انتقد في الفترة 1989-1990، الاستيعاب السريع لألمانيا الشرقية في الغرب، ودافع عن أوروبا الموحدة حتى لا تنجر القارة العجوز مجددا الى التنافسات القومية. كما ربط ، طوال حياته، بين الفلسفة والسياسة، والفكر والممارسة. وقد أكسبته أعماله العديد من التكريمات في أنحاء العالم. وفي عمله الأكثر تأثيرا، «نظرية العمل التواصلي»، الذي نُشر عام 1981، جادل بأن المجتمعات البشرية لم تكن مدعومة بالقوة السياسية أو الاقتصادية ولكن بالقدرة على الحوار العقلاني، إذ اشتهر بنظريته «الفعل التواصلي»، التي جعلت من اللغة والحوار المفتوح حجر الزاوية لبناء مجتمعات حرة، مؤكدا أن شرعية الأنظمة السياسية لا تنبع من القوة، بل من «الفضاء العام» الذي يتبادل فيه المواطنون الحجج العقلانية بكل حرية. وسعى هابرماس عبر عقود من الكتابة والمحاججة إلى تقويم مسار الحداثة، محذرا من «استعمار النظام للحياة»، وداعيا على الدوام إلى العودة لجوهر الإنسان بوصفه كائنا لغويا وتواصليا. ولأكثر من نصف قرن، دافع عن مُثُل الأنوار ضد سخرية ما بعد الحداثة، ودعا إلى التواصل العقلاني كوسيلة لخلاص المجتمع الديمقراطي، حيث عرف بشكل خاص بتقديم مفهوم «المجال العام» في أوائل الستينيات، وهو مساحة للخطاب العام خارج عن سيطرة الدولة، وبالتالي فهو ضروري لديمقراطية صحية.. ولأكثر من 60 عامًا، ساعد هابرماس في تشكيل الخطاب السياسي في ألمانيا، خاصة خلال عصور ما بعد الحرب وما بعد إعادة التوحيد. اشتهرت محاضرات وكتب هابرماس بالكثافة، إذ اعتبر» أرسطو أو هيجل العصر الحديث»، حيث لم تكن أي منطقة للثقافة أو العلوم غريبة بالنسبة إليه. كان مجادلًا موهوبا ومفوها في المناقشات السياسية الألمانية الكبرى في فترة ما بعد الحرب وما بعد إعادة التوحيد. إلا أن هذا المسار الطويل من الدفاع عن قيم الحوار والحداثة والتواصل والديمقراطية، لم يغفر للراحل موقفه من الحرب في غزة وأحداث 7 أكتوبر، حين انبرى للدفاع عن الأطروحة الصهيونية وسرديتها، موقعا على سقوط أخلاقي لا يمكن قبوله واستساغته، من فيلسوف طالما نظّر ل»خطاب السلوك الأخلاقي» وفلسفة التعايش ، وهو الموقف الذي شكل صدمة للمثقفين حين وقع بيان «مبادئ التضامن: موقف»، بمعية كلاوس غونتر وراينر فورست ونيكول ديتلهوف، تضامنا مع» إسرائيل واليهود واليهوديات في ألمانيا»، معلنا وقوفه الى جانب السردية الاسرائيلية مبررا الحرب على غزة، والهمجية الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وهو ما وضع صاحب «العقل التواصلي»، في مأزق أخلاقي مغرق في المركزية الغربية. ترك هابرماس إرثا فكريا غنيا يضم عشرات الكتب والدراسات المؤثرة، من بينها «منطق العلوم الاجتماعية» (1967)، و»نحو مجتمع عقلاني» (1967)، و»التواصل وتطور المجتمع» (1976)، و»الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي» (1983)، إضافة إلى كتابه المتأخر «تاريخ الفلسفة» (2019). وقد حصل على العديد من الجوائز والتكريمات الدولية تقديرًا لإسهاماته في الفلسفة والنظرية الاجتماعية.