" تزدهر الأمم أو تنحط بنفس قدر ازدهار أو انحطاط صحافتها " جوزيف بوليتزر قبل كل شيئ، وجب الاعتذار لسيمور هيرش عن هذه المقارنة المغرقة في الإجحاف والموجبة للتبرم والغثيان بمعناه النفسي والفيزيقي مثلما جسَّده أنطوان روكينتان بطل رواية جان بول سارتر. فلا قاسمَ مشتركا بين الاسمين سوى الانتساب لمهنة أعلى الأول من شأنها وجعل منها سلطة رابعة بمعناها الحقيقي، فيما حطَّت الثانية وربيباتها من قدرها ونزلت بها إلى الدَّرك الأسفل بلَغو قبيحٍ، وعُري فكري، وكلام فاحش، وصارت حاملة للواء صحافة التشهير. وسيمور هيرش لمن لا يعرفه، صحفي استقصائي أمريكي حائز على جائزة بوليتزر عام 1970، اشتهر بعد كشفه عام 1969 عن مجزرة "ماي لاي" التي ارتكبها الجيش الأمريكي في فيتنام، وهو من أماط اللثام أيضا عن فضيحة أبو غريب في العراق، وأسرار الترسانة النووية الإسرائيلية. ولطالما سببت تحقيقات هيرش الحرج للمؤسسة العسكرية وللبيت الأبيض كلما كشف عن انزلاق أو شطط في استعمال السلطة حتى أن هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس نيكسون، كان يمقته ويروج عنه إشاعة مفادها بأنه جاسوس شيوعي !!. ولم يتردد سيمور هيرش في وصف حرب إدارة الرئيس بوش عقب هجمات سبتمبر بالحرب الصليبية على المسلمين. وعلى مدى تجربته الصحفية الطويلة لم يتعرض مؤلف كتاب "ثمن القوة: كيسنجر في البيت الأبيض في عهد نيكسون " للتضييق أو الاعتقال، ولم تلاحقه اتهامات بزعم الخيانة والتفريط في المصالح العليا للولايات المتحدة ، أو تعرض للتشهير و التنمر . ومثلُه بوب وودورد وكارل برنستين، الصحافيان بجريدة "واشنطن بوست"، اللذان كشفا فضيحة ووترغيت التي أطاحت الرئيس نيكسون. على أن مناسبة هذا القول، هو خطاب التخوين والتشهير الذي بات منذ ما يزيد عن عقد من الزمن سمة لصيقة بجزء من الصحافة في المغرب، وسلاحا يشهر في وجه من عنَّ له الخروج عن الإجماع ( الإجماع هو عدو الديموقراطية !!). ولعل مبعث القلق في كل هذا هو تسيُّد الصحافة الفضائحية، القريبة من الأجهزة الأمنية أو التابعة لها، للمشهد حتى بات لها أتباع ومريدون، وصارت الطريق الأقصر للشهرة والجاه، وظاهرة شاذة تبعث على النفور والاشمئزاز. وهكذا ظهرت وسائل إعلام احترفت التشهير بالمدافعين عن حقوق الإنسان وبالصحافيين ، انتهى المطاف بفريق منهم في السجون، وفي المنافي القسرية أو الطوعية ، فيما لاذ فريق ثانٍ بالصمت واكتفى بالانزواء دفعا للأذى والبليَّة. وما كان لهذا النوع من "الصحافة" أن يبصر النور ويتمدَّد لولا أنه وجد، داخل دوائر القرار السياسي والأمني، رعاةً وحماةً يغدقون عليه بسخاء من المال العام، ويوفرون له الغطاء والحماية، ويزيِّنون له التغول والتنمر على الأصوات المعارضة والشخصيات المستقلة، ويشجعونه على النهش في أعراض الناس ، بعيدا عن المساءلة والمحاسبة بما جعله فوق القانون. يقول الروائي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيث إن "الصحافة مرآة المجتمع، لكنها قد تكون أيضا أداة للتلاعب به ". وهذا بالضبط، الدور الذي يُراد لهذه الكائنات المسخة من الصحافة أن تضطلع به في السياق المغربي بقرار فوقي. وبهذا المعنى، غدت صحافة التشهير أداة للتنميط، وإصدار الأحكام الجاهزة، ومعولا لردم القيم والأخلاق، وإشاعة الفاحشة والسَّفه، والتطبيع مع الانحطاط والرذيلة في مجتمع محافظ، وإن كان لا يدير ظهره للحداثة. يقود هذا كله حتما، إلى الحديث عن المجلس الوطني للصحافة ودوره المفترض في التنظيم الذاتي للمهنة . وبعيدا عن ما رافق القانون الجديد للمجلس من جدل ولغط في أروقة البرلمان، ووسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام، بل وحتى بين عموم الناس، فإن النقاش لم يأخذ مداه، واقتصر في كثير من جوانبه على تفصيلات ذات صبغة تقنية في معظم الحالات، وسمح، في أحسن الأحوال، لبعض الوجوه بترميم بكارتها السياسية ومحاولة الظهور بمظهر حارس المعبد. والحال أن المجلس تقاعس، على نحو مشبوه خلال فترة ولايته، عن واحدة من أبرز المهام الموكولة إليه. فعلى الرغم من أن التشهير مجرَّم قانونا، وبمقتضى ميثاق أخلاق المهنة المتعارف عليها دوليا، فإن المجلس – وقد صار منبعا لا ينضب للريع والنفع- اكتفى بوصف تجاوزات صحافة التشهير بالخروقات بما يجعل منه شريكا في تفريخ صحافة التشهير وتوفير الوعاء القانوني لها لضمان وجودها واستمراريتها. وإذ رأى الجسم الصحفي العليل أن اعتماد مشروع القانون من دون مراعاة التعديلات التي تقدمت بها المعارضة ضرب من العسف والتفرد بالرأي، فإن القانون في نسخته الجديدة يجعل الصحافة تحت سلطة المال، ويضرب في العمق مبدأ التوازن في التمثيلية ويقوض استقلالية المجلس، وسيسمح بتغول أصحاب المال من الناشرين، ويطلق يدهم لتعيث فسادا من دون حسيب أو رقيب. وسيترتب عن ذلك تاليا، تكريس وصاية الدولة على الإعلام، وفتح المجال أمام أنماط جديدة من صحافة التشهير خصوصا في مواقع التواصل الاجتماعي. وبما أن هذا الجنس الجديد من "الصحافة" ( ليس بمعناه الإيروطيقي !!) ينهل معجمه من قاموس العطن ويمتح من معين القذارة والإسفاف، فلا ضير أن يُردَّ عليه بما يتسق مع مفاهيمه، ولا يتجاوز قدراته الإدراكية على ما فيها من ضحالة وابتذال. أستحضر في هذا المقام قولا مأثورا لطالما ردده مؤلف كتاب " أوردة أمريكا اللاتينية المفتوحة"، الروائي والمؤرخ الأوروغواياني إدواردو غاليانو، في نقده الجارح لأطروحات الأنظمة الاستبدادية: " يتبوَّلون علينا ويريدون أن نصدق أن السَّماء تمطر" !!