يُجسِّد اختطاف رئيس الدولة الفنزويلي قطيعةَ ترامب. مزيجٌ من القوة الغاشمة والترهيب، في أنقى تقاليد مقاولِي العنف. سبقت الصورةُ الكلمات. لم تتسرّب، بل نشرها دونالد ترامب بنفسه على شبكته «تروث سوشال». يظهر نيكولاس مادورو ببدلة رياضية رمادية من «نايكي»، مُقيَّد اليدين، معصوب العينين. بلا ديكور ولا علم. لقطةٌ عارية في وحشيتها، تستحضر أسوأ ما في ثقافة «الPrep Walk»، ذلك الاستعراض الشرطي الأميركي الذي يشبه طقس الإذلال. وقبل حتى مؤتمر الرئيس الصحافي، كان الجوهر قد قيل. وحين ظهر دونالد ترامب أخيراً أمام الكاميرات، كان الأصعب قد أُنجز. لم يكن الصدم في الإعلان — فالعالم كان قد فهم — بل في اللامبالاة المُعلَنة التي رُويت بها العملية. وقدّم الجنرال ذو الأربع نجوم دان كاين لاحقاً التفاصيل العسكرية للضربات على كاراكاس واعتقال الرئيس الفنزويلي: مئة وخمسون طائرة، عشرون قاعدة جرى تعبئتها، عملية غير مسبوقة من حيث الحجم، متقنة، وقبل كل شيء ناجحة. لم يُطنب ترامب ولم يُفصّل خططه اللاحقة. لم يكن بحاجة إلى الإقناع. كان الفعل يتكلم عنه، مُجسِّداً المقولة القاطعة والدائمة الصلاحية لثوسيديدس: «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحمّلون ما يجب عليهم تحمّله». تصف هذه العبارة القديمة عالمنا المُجرَّد من أوهامه الأخلاقية، حيث لم تعد القوة بحاجة إلى التستّر أو التبرير. صحيح أن «حوار الميليين» لم يكفّ يوماً عن مطاردة العلاقات الدولية، لكن نادراً ما تجلّى بهذا القدر من العري. ترامب يفعل ويتحمّل العواقب. وأميركته لا تسعى كثيراً إلى الظهور مهندسةً لنظام دولي، بقدر ما تُقدّم نفسها بوصفها «العائلة الكبيرة» التي تهيمن على الشارع. ويوقّع الانقلاب بالقوة في فنزويلا أيضاً على إرادة الهيمنة المطلقة على «نصف الكرة الغربي»، فضاءٌ تعتبره واشنطن مجدداً ملكاً لها. وقد صاغت الاستراتيجية الوطنية للأمن لعام 2025 ذلك صراحة. وفي صميمها تقوم عقيدة «دونرو» (مونرو منزوع التحفّظات التاريخية) على فكرة بسيطة: القارّة الأميركية من شمالها إلى جنوبها ليست مجالاً قابلاً للتنازع، بل نطاقُ سيطرة للإمبريالية الأميركية. يمتاز ترامب بأنه يطبّق ما يعلن، ويعلن ما يطبّق. كان قد قال لمادورو، في تبادل خاص: «عليك أن تستسلم». تردّد رئيس الدولة الفنزويلي ثم رفض. والباقي جرى كما كان متوقّعاً. حيث كان أسلافه يُغلّفون استخدام القوة بلغة معيارية، يدّعي ترامب اتساقاً آلياً لا ينبغي أن يُربكنا. لفهم هذه المنهجية، تبلغ الأطر الكلاسيكية للواقعية سريعاً حدودها. والأجدى استحضار عالم الاجتماع تشارلز تيلي وتحليله للدول بوصفها مُنتِجاتٍ للعنف المنظَّم. فقد حدّد تيلي أربع وظائف مركزية: شنّ الحرب، إقصاء الخصوم الداخليين، توفير الحماية، واستخراج الموارد اللازمة. «دون» ترامب، على طريقته، يتبنّاها جميعاً من دون محاولة إخفائها خلف خطاب القيم. الحماية في صميم المنظومة: تُمنَح، وتُذكَّر، وأحياناً تُسحَب. وهي تفترض الاعتراف والامتنان. وإذا ظلّ المشهد مع فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي رمزياً، فلأنه يستعير «جلسات الجلوس» من أفلام المافيا الأميركية: «أنت الآن لا تملك الأوراق. معنا تبدأ بامتلاك أوراق». كان كل شيء واضحاً: التراتبية، التبعية، علاقة الراعي بالزبون، والشرط الضمني: الحماية ليست مجانية أبداً. واتفاق المعادن الأوكرانية الذي فُرض وقَبِله الرئيس الأوكراني يندرج ضمن منطق الاستخراج، المتوافق تماماً مع إطار تيلي، كما يُذكّر ب«البيتسو» الصقلي. وفي قلب الدبلوماسية الترامبية عام 2025، أدّت الرسوم الجمركية دوراً مماثلاً. فعاليتها لا تكمن في مستواها، بل في عدم استقرارها. يمكن أن تُفرض، وتختفي، وتعود. وقد أظهر ذلك بجلاء المشهد مع الرئيس الكولومبي: مقاومة، تصعيد لفظي، ثم استسلام سريع. وبقيت العقوبات «في الاحتياط»، جاهزة لإعادة التفعيل. إن اعتقال مادورو يدخل في باب العقاب النموذجي. ففي أنظمة الهيمنة غير الرسمية، لا يمكن أن يمرّ التحدّي العلني بلا ردّ. يجب تصحيحه علناً للحفاظ على المصداقية. وبإعلان أن الولاياتالمتحدة ستتولّى «إدارة» فنزويلا لفترة غير محدّدة،مع استغلال احتياطاتها النفطية الهائلة، كانت العملية تستهدف كاراكاس، لكنها تخاطب في الوقت نفسه بوغوتا، ومكسيكو، وهافانا، وربما أبعد من ذلك. في هذا المشهد، تراقب القوى الأخرى ، الصين وروسيا وأوروبا والقوى الصاعدة الكبرى، من دون جرأة حقيقية على استخلاص العِبَر. وأوروبا، على وجه الخصوص، تقبل باللاتكافؤ لافتقارها إلى أدوات تقليصه. وكما في اقتصاديات الإتاوة، يحرص «الواقي» دورياً على تذكير «الزبون» بتبعيته، عبر خلق التهديدات أو تضخيمها لتبرير ضرورته الذاتية. وبهذا المقياس يمكن إعادة قراءة تردّدات البيت الأبيض الاستراتيجية بشأن دعمه لأوكرانيا في حربها الدفاعية ضد فلاديمير بوتين. قد يكون من المغري رؤية السياسة الخارجية للقوة الأولى في العالم بوصفها وحشية ظرفية، مرتبطة بطباع رجلٍ مرتابٍ ومعزول، أو مجرّد عودة إلى دبلوماسية الزوارق الحربية أو «العصا الغليظة». غير أن ذلك يُفوّت اتساقها وأصالتها التاريخية. إن نموذج «المافيا» ، بالمعنى التحليلي لا الأخلاقي، يقدّم قراءةً أكثر صلابة: حماية، واستخراج، واستعراض قوة، وعقاب؛ منظومة لا تستقرّ إلا ما دامت هذه التراتبية العارية مقبولة. وعلى الهامش، تُخطئ الدول الأبعد التي تظنّ أنها تستطيع الانتفاع بالحماية من دون تحمّل كلفتها. ففي هذا النوع من النظام، لا وجود لراكبٍ متخفٍّ ولا لمكسبٍ مجاني. قد تُؤجَّل الديون، ونادراً ما تُلغى. لا يعدنا ترامب بالاستقرار؛ على طريقة «العرّاب» يقدّم إطاراً من قابلية التنبّؤ قائمٍ على الهيمنة. ويبقى لكلّ طرف أن يقرّر: هل يقبل قواعد اللعبة أم يفضّل اختبار حدودها.