أثار القرار الذي اتخذه محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والمتعلق بإعفاء عدد من المسؤولين الإقليميين للوزارة، نقاشا واسعا داخل الأوساط التربوية والإدارية. كما فتح باب التأويلات حول خلفياته الحقيقية، وحدود ارتباطه بمنطق تقييم الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة. إعفاءات غير معزولة عن السياق ووفق معطيات حصل عليها موقع "لكم"، لا يمكن قراءة هذه الإعفاءات بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه منظومة التربية والتكوين في المغرب؛ خاصة في ظل تنزيل خارطة الطريق 2022-2026، التي تراهن على إحداث تحول نوعي في المدرسة العمومية، وتحسين مؤشرات التعلمات، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز حكامة التدبير التربوي والإداري. إذ إن الوزارة، التي تواجه انتظارات مجتمعية متزايدة، باتت مطالبة بإظهار قدر أكبر من الصرامة في تتبع أداء مسؤوليها الجهويين والإقليميين، باعتبارهم حلقة أساسية في تفعيل السياسات العمومية التربوية على أرض الواقع. تقييم الأداء... من الشكلي إلى العملي وتفيد معطيات حصل عليها الموقع ذاته، أن قرارات الإعفاء – وآخرها إعفاء المدير الإقليمي لميدلت التابعة للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة درعة تافيلالت يوم الخميس 15 يناير الجاري، وقبلها إعفاء مديري مديريتي الناظور واشتوكة أيت باها الأسبوع الماضي، وإعفاء مديري عين الشق وسيدي قاسم قبل يومين – قد استندت إلى تقارير تقييمية داخلية، رصدت اختلالات في تدبير عدد من المديريات الإقليمية، سواء على مستوى تنفيذ البرامج، أو تدبير الموارد البشرية، أو مواكبة الإصلاحات البيداغوجية، فضلاً عن ضعف التفاعل مع التوجيهات المركزية في بعض الحالات. ويفهم من هذا التوجه أن الوزارة تسعى إلى الانتقال من تقييم شكلي للأداء، كان غالبا ما يُحكم بمنطق الاستمرارية والترضيات، إلى تقييم عملي قائم على النتائج والمؤشرات، وربط المسؤولية بمدى تحقيق الأهداف المسطرة. بين منطق الإصلاح ومخاوف التأويل ورغم وجاهة هذا التوجه من حيث المبدأ، فإن هذه الإعفاءات لم تسلم من انتقادات وتساؤلات، خاصة في أوساط نقابية وتربوية، تساءلت عن معايير التقييم المعتمدة، ومدى شفافيتها، وما إذا كانت تشمل جميع المسؤولين دون استثناء، أم أنها تُطبَّق بشكل انتقائي. كما أثيرت مخاوف من أن تتحول قرارات الإعفاء إلى أدوات لتصفية حسابات إدارية، أو لإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل الوزارة، في حال غياب تواصل رسمي واضح يُفصِّح للرأي العام وللمعنيين أسباب الإعفاء وسياقه المهني. رسالة سياسية وإدارية في مقابل ذلك، يرى متابعون أن الوزير محمد سعد برادة يبعث من خلال هذه الخطوة برسالة سياسية وإدارية، مفادها أن مرحلة "التدبير الروتيني" قد ولَّت، وأن زمن المسؤولية دون مساءلة لم يعد مقبولا، خاصة في قطاع حيوي يُعد ركيزة أساسية للتنمية البشرية. كما تعكس هذه القرارات رغبة في ضخ دماء جديدة في هياكل التدبير الإقليمي، قادرة على مواكبة وتيرة الإصلاح، والتفاعل الإيجابي مع تحديات المدرسة العمومية، بدل الاكتفاء بتدبير يومي يفتقر إلى الرؤية والنجاعة. امتحان المصداقية وتبقى إعفاءات مسؤولي وزارة التربية الوطنية اختبارا حقيقيا لمصداقية خطاب الإصلاح، ومدى جدية اعتماد تقييم الأداء كآلية دائمة لا ظرفية. فإمَّا أن تشكل هذه الخطوة بداية لمسار مؤسساتي واضح المعالم، تُحدد فيه المعايير، وتضمن فيه الشفافية وتكافؤ الفرص، أو أن تظل مجرد قرارات معزولة، سرعان ما تفقد أثرها في غياب الاستمرارية. وفي كل الحالات، فإن الرهان الأكبر يظل هو: هل ستنعكس هذه الإعفاءات إيجابا على أداء المنظومة التربوية وجودة التعلمات داخل الأقسام؟ أم ستظل حبيسة النقاش الإداري دونما أثر ملموس في واقع المدرسة العمومية؟