قدّم الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، أمام البرلمان عرضًا مليئًا بالأرقام التي تعكس، حسب الحكومة، تحسّن الوضعية المالية والاقتصادية للمملكة، أرقامٌ تتحدث عن احتياطات قياسية من العملة الصعبة، وارتفاع المداخيل الجبائية، وتراجع نسبي في المديونية، ما يوحي بأن المالية العمومية تسير في الاتجاه الصحيح. غير أن القراءة السياسية-الاجتماعية لهذا العرض تطرح سؤالًا مركزيًا: لمن يُنتج هذا التحسن؟ ومن يدفع كلفته؟ لقجع أعلن أن احتياطات المغرب من العملة الصعبة تجاوزت 440 مليار درهم، أي ما يغطي أكثر من خمسة أشهر ونصف من الواردات، واعتبر ذلك مؤشرًا على متانة الاقتصاد الوطني. كما كشف عن ارتفاع المداخيل الجبائية بنسبة 14,7 في المئة، وتراجع نسبة الدين العمومي بحوالي نصف نقطة، مع هدف خفضه إلى 64 في المئة من الناتج الداخلي الخام في أفق 2028. وهي معطيات لا يمكن إنكار أهميتها من زاوية تدبير التوازنات الماكرو-اقتصادية. غير أن هذه الأرقام، مهما بدت مطمئنة في قبة البرلمان، لا تجد طريقها إلى حياة فئات واسعة من المغاربة. فبموازاة هذا "التحسن" المالي، تتفاقم الأوضاع الاجتماعية: غلاء متواصل في الأسعار، تدهور القدرة الشرائية، هشاشة في سوق الشغل، وتراجع ملموس في جودة الخدمات العمومية. ما يجعل الفجوة تتسع بين خطاب الدولة المالي وواقع المجتمع اليومي. الإشكال لا يكمن فقط في ضعف انعكاس هذه المؤشرات على الوضع الاجتماعي، بل في الخيارات السياسية التي تقف وراءها. فجزء مهم من هذا التحسن تحقق عبر تقليص الدعم، وضبط النفقات الاجتماعية، والاعتماد المكثف على الجباية، دون حماية كافية للفئات الهشة. وهو ما يعني عمليًا أن الاستقرار المالي تم تحقيقه، إلى حد كبير، على حساب العدالة الاجتماعية. وفي صلب هذا النقاش، يبرز النظام الضريبي كأحد أعطاب النموذج الاقتصادي المغربي. فالوزير تحدث بفخر عن ارتفاع المداخيل الجبائية، لكنه لم يتوقف عند طبيعة هذه الجباية ومن يتحمل عبئها الحقيقي. ذلك أن النظام الضريبي ما يزال قائمًا على الضرائب غير المباشرة التي تمس جميع المواطنين دون تمييز، وتثقل كاهل الأجراء والطبقات الشعبية والوسطى، مقابل مساهمة محدودة للثروات الكبرى وقطاعات الريع. لا يمكن الحديث عن نمو حقيقي دون إصلاح ضريبي يجعل من الضريبة أداة لإعادة توزيع الثروة، لا مجرد وسيلة لسد عجز الميزانية. فالنمو الذي يُقاس فقط بارتفاع الاحتياطات أو المداخيل، دون تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، يظل نموًا مشوهًا، يراكم الاحتقان بدل أن يخلق الاستقرار. إن عرض فوزي لقجع يعكس استمرار هيمنة المقاربة التقنية-المالية على السياسات العمومية، حيث يُختزل النجاح في أرقام ترضي المؤسسات المالية الدولية، بينما يُهمّش السؤال الاجتماعي باعتباره كلفة ثانوية. والحال أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالأرقام وحدها، بل بالعدالة الاجتماعية، وبسياسات عمومية تضع الإنسان في قلب الاختيارات الاقتصادية. وعليه، فإن التحدي اليوم ليس في تسجيل مؤشرات مالية إيجابية، بل في تحويل هذه المؤشرات إلى مكاسب اجتماعية ملموسة: شغل كريم، خدمات عمومية لائقة، ونظام ضريبي عادل. دون ذلك، ستظل الأرقام التي تُصفَّق لها داخل البرلمان، بعيدة عن معيش المغاربة خارج أسواره.