يعتبر الثامن من مارس من كل سنة مناسبةً عالمية للاحتفاء بالمرأة، واستحضار مسار طويل من النضال الإنساني من أجل الكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص. ويعكس الشعار الأممي لسنة 2026 " العطاء من أجل الكسب". أو "Give to Gain" نبض الحوار العالمي حول المساواة بين الجنسين ، بحيث يدعو إلى دعم النساء والفتيات بشكل فعّال لتسريع تحقيق المساواة بين الجنسين. وهو نهج استراتيجي يركز على التعاون والتوجيه وتبادل المعرفة، بهدف خلق ثقافات شاملة يعود فيها تقدم الجميع بالنفع على الجميع. فحين نستثمر في تمكين النساء، فإننا نبني مجتمعات أقوى، واقتصادات أكثر استدامة، ومستقبلاً أكثر عدلا. غير أن هذه المناسبة لا ينبغي أن تختزل في شعارات سنوية وفي طقوس احتفالية عابرة أو خطابات رمزية، بقدر ما يفترض أن تكون لحظة للتأمل الجماعي في ما تحقق من مكتسبات، وفي ما لا يزال مطروحا من تحديات أمام تمكين النساء من أداء أدوارهن كاملة داخل المجتمع. فمسألة النهوض بأوضاع المرأة لم تعد قضية فئوية تخص النساء وحدهن، بل أصبحت سؤالاً مركزياً يرتبط بجودة الديمقراطية وبمستقبل التنمية في أي مجتمع. والمغرب شهد خلال العقود الأخيرة تحولات مهمة في مجال حقوق المرأة، سواء على مستوى الإطار الدستوري أو التشريعي أو المؤسساتي. فقد جاء دستور 2011 ليكرّس مبدأ المساواة بين النساء والرجال ويؤكد التزام الدولة بمحاربة كل أشكال التمييز، كما عرفت بعض القوانين إصلاحات مهمة، وفي مقدمتها مدونة الأسرة ومجموعة من النصوص ذات الصلة بحماية النساء وتعزيز مشاركتهن في الحياة العامة. كما أطلقت الدولة برامج وسياسات عمومية تستهدف تحسين أوضاع النساء وتعزيز حضورهن في مجالات التعليم والشغل والعمل السياسي. غير أن التجربة تُبيّن بوضوح أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على سنّ القوانين أو الإعلان عن المبادئ، بل يتجاوز ذلك إلى تغيير العقليات وتفعيل السياسات العمومية على نحو يضمن الأثر الفعلي لهذه المقتضيات في حياة النساء اليومية. فالفجوة بين النص والممارسة لا تزال قائمة في أكثر من مجال، سواء تعلق الأمر بولوج النساء إلى سوق الشغل، أو بمشاركتهن في مراكز القرار، أو بتمكينهن اقتصاديا واجتماعيا على نحو يعزز استقلاليتهن وقدرتهن على المبادرة. إن التمكين الاقتصادي للمرأة يظل أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق المساواة الفعلية. فالمؤشرات تُظهر أن نسبة مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي ما تزال دون المستوى المأمول، رغم ما حققته المرأة المغربية من تقدم ملحوظ في مجالات التعليم والتكوين. وهذا يطرح سؤالاً حقيقياً حول طبيعة النموذج التنموي ومدى قدرته على استيعاب طاقات النساء وإدماجهن في الدورة الاقتصادية على قدم المساواة مع الرجال. ورغم هذه التحديات، فقد أثبتت المرأة المغربية في مختلف المحطات قدرتها على النجاح والتألق في شتى المجالات. ففي التعليم والبحث العلمي، وفي الإدارة والقضاء، وفي السياسة والعمل المدني، وفي ريادة الأعمال والاقتصاد الاجتماعي، برهنت النساء المغربيات على كفاءة عالية وعلى قدرة حقيقية على الإبداع والمبادرة. غير أن هذه النجاحات الفردية، على أهميتها، تظل في حاجة إلى أن تتحول إلى نجاح جماعي ينعكس أثره على المجتمع بأكمله، عبر سياسات عمومية أكثر جرأة في مجال الإنصاف وتكافؤ الفرص. ذلك، أن قضية المرأة في جوهرها ليست قضية قطاعية أو مطلباً خاصا، بل هي جزء من سؤال أوسع يتعلق بالعدالة الاجتماعية وببناء مجتمع ديمقراطي حديث. فالمجتمعات التي تهمّش نصف طاقاتها البشرية لا يمكنها أن تحقق تنمية مستدامة، كما أن الديمقراطية لا يمكن أن تكتمل ما لم تضمن مشاركة فعلية ومتوازنة للنساء في مختلف دوائر القرار السياسي والاقتصادي والثقافي. ومن هنا، تبرز أهمية أن يتحول النقاش حول قضايا المرأة من مجرد مناسبة ظرفية إلى ورش مجتمعي دائم، يشارك فيه الفاعلون السياسيون والمؤسسات العمومية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، بهدف بناء رؤية جماعية حول سبل تعزيز مكانة المرأة في المجتمع. رؤية تقوم على مقاربة شمولية تجمع بين الإصلاح القانوني والتغيير الثقافي وتفعيل السياسات الاجتماعية والاقتصادية الداعمة للمساواة. ولهذا، فإن يوم 8 مارس ينبغي أن يكون قبل كل شيء فرصة لتجديد طرح سؤال جوهري: أي مكانة نريد للمرأة في مغرب المستقبل؟ هل نريدها فاعلة كاملة في مسار التنمية، وشريكة حقيقية في صنع القرار، ومواطنة تتمتع بكل حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ أم سنظل نراوح بين خطاب التقدير الرمزي وممارسة يومية لا تزال في كثير من الأحيان أسيرة صور نمطية قديمة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية النساء وحدهن، بل هي مسؤولية المجتمع بأسره. فالنهوض بأوضاع المرأة هو في النهاية رهان مجتمعي يرتبط بتقدم الوطن وقدرته على مواجهة تحديات المستقبل. وفي هذه المناسبة، لا يسعنا إلا أن نتوقف بكل تقدير أمام المسار النضالي الطويل الذي خاضته النساء المغربيات، داخل الحركة الوطنية، وفي الحقل الحقوقي والمدني، وفي مختلف فضاءات العمل العام، دفاعا عن قيم الحرية والمساواة والكرامة. كما نتوجه بتحية صادقة إلى كل النساء المغربيات، في المدن والقرى، في مواقع المسؤولية وفي ميادين العمل اليومي الصامت، اعترافاً بدورهن الحيوي في بناء المجتمع. لكل النساء... كل التقدير والامتنان، وكل عام وأنتن بخير.