حلّ رمضان وغابت الدروس الحسنية. للسنة الثانية على التوالي، لم يرأس الملك محمد السادس سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية التي سنَّها والده، الملك الراحل الحسن الثاني، وداوم عليها الجالس على العرش طيلة ربع قرن من الزمن، باعتبارها واحدة من أبرز المظاهر المجسدة للسلطة الدينية لأمير المؤمنين. وإذا كان القصر الملكي قد أعلن، العام الماضي، عن إعادة النظر في الأنشطة الملكية خلال شهر الصيام نظراً لخضوع الملك لحصص تأهيل وظيفي عقب العملية الجراحية التي أجراها على مستوى الكتف، مما دفع وزارة الشؤون الإسلامية حينها إلى تعليق الدروس الحسنية، فإن رمضان هذا العام قد مرّ دون أن يجد القصر، ولا وزارة التوفيق، حاجة لإعادة الإعلان عن ذلك؛ لأن الرأي العام، ومعه عموم المغاربة، لم يكونوا هذه المرة بحاجة إلى بلاغ رسمي آخر يشرح الغياب الملكي، إذ أصبحوا يستشعرون أن ملكهم يمر بظرف صحي يتطلب قسطاً من الراحة، وأن عوارض الجسد قد تفرض عليه أحياناً إعادة ترتيب الأولويات بين مجهود البروتوكول ومقتضيات التعافي. الحقيقة أنه إذا كان ثمة شيء يُحسب لمحمد السادس، طيلة أزيد من ربع قرن من حكمه، فهو تأسيسه لثقافة تواصلية جعلت المغاربة يتلقون ويتفاعلون بشكل طبيعي وعادي مع أخبار مرض من يحكمهم. ففي الوقت الذي كذب فيه الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران لأزيد من عشر سنوات على الفرنسيين بشأن حقيقة وضعه الصحي، في فترات عصيبة كادت أن تودي بحياة ساكن قصر الإليزيه، كما كشف عن ذلك لاحقاً طبيبه الخاص في مذكراته، سار محمد السادس في اتجاه مغاير تماماً؛ حيث تقاسم الملك مع شعبه، وبشكل رسمي، تفاصيل وضعه الصحي في أزيد من عشر مناسبات، تنوعت بين الإعلان عن إصابته بعوارض صحية، أو خضوعه لعمليات جراحية، أو حاجته لفترات نقاهة. لكن، هل كان بإمكان محمد السادس أن يختار طريقاً آخر ؟ هل كان بمقدوره ألا يتقاسم معنا كمغاربة تفاصيل وضعه الصحي، وألا يظهر في مناسبات عديدة رغم علامات التعب التي تعلو محياه ؟ الجواب بكل تأكيد هو نعم. فمن الناحية العملية، توجد ألف وسيلة ووسيلة تتيح للملك إمكانية الاختفاء كلياً عن الأنظار ريثما يعود إلى أفضل حاله، خصوصاً وأن الملكية، لطالما أحاطت نفسها بهالة من الكمال تجعل من مجرد تخيّل الملك مريضاً فكرة عصية على الاستيعاب، أو نقيصة تخدش صورة السلطان التي استقرت في المخيال الشعبي بفعل أربعة عقود من بروتوكول تقديس الشخصية الذي كرّسه الحسن الثاني بذكاء منقطع النظير.. بيد أن محمد السادس اختار أن يقول للمغاربة إنه في آخر المطاف إنسان عادي يسري عليه ما يسري على شعبه؛ فظهوره بالعكاز أو بملامح يكسوها التعب، لم يكن مجرد استسلام لواقع صحي حتمي، بل ثورة هادئة على موروث تقليداني كان يرى، إلى وقت غير بعيد، في مرض الحاكم ثغرة في هيبة الدولة واستمراريتها. إن هدوء القصور لا يعني بالضرورة سكينتها، فالحكم ليس مقاماً للاسترخاء والاستجمام تحت ظلال العرش، بل هو مواجهة يومية مع رياح لا تهدأ، ومشاكل تتناسل لتنفجر في لحظات غير متوقعة.. قد يحيط الملك نفسه بكل ما يشتهيه من رغد العيش ومقومات الرفاهية، لكنه يعرف، في خلوته البعيدة عن الأعين، أن الأريكة الملكية الوثيرة ليست سوى منصة لمراقبة العواصف، وموقعاً لرصد الألغام التي تُزرع في مسارات الحكم، وأن خشونة الواقع ومكائد التدبير كفيلة بإفساد طعم أهدأ الليالي، حتى في أكثر القصور ترفاً وأبّهة.. ولعمري، فإن الملك محمد السادس هو أكثر ملوك هذا العصر قدرة على فهم ولمس هذه المفارقة المُوحشة، والضريبة الباهظة التي يتقاضاها العرش من هدوء وصحة صاحبه. الواقع هو أن محمد السادس لم يعد شاباً، ولا عاد عهده جديداً، ولا الوقت المتبقي في ساعة الرمل يسمح بمزيد من الانتظار أو التأجيل.. في يوليوز المقبل، سيكمل ساكن القصر عامه السابع والعشرين في سدة الحكم، وهو يضع رجله الأولى على أعتاب العقد السابع من عمره؛ وهو العمر الذي يبدأ فيه الملوك عادة في التفكير في الأثر التاريخي الذي سيتركونه وراءهم، أكثر من انشغالهم بمعارك التدبير اليومي واستنزافاتها الصغيرة.. صحيح أن حكم محمد السادس لم يعد يُغذي كل تلك الآمال الكبرى التي رافقت بداية عهده، بقدر ما أصبح اليوم في مواجهة مباشرة مع أسئلة وتحديات تتجاوز في حدّتها قدرة العرش على امتصاص الصدمات بمفرده، وإكراهات معقدة تجعل من عبور هذه المرحلة نحو بر الأمان يتطلب أكثر من مجرد إيماءات ملكية تطمينية؛ بل يفرض على صاحب التاج استعادة زمام المبادرة من مراكز نفوذ استقوت بعامل الزمن وبقربها منه، في محاولة أخيرة لترميم ميثاق الثقة الذي نالت منه إكراهات الواقع، وتراكم الفرص الضائعة، وعامل الزمن الذي ينال من زخم أي سلطة كيفما كانت، ومهما كان صاحبها (l'usure du pouvoir). تستحضر الذاكرة هنا واقعة دالة رواها سفير المغرب الأسبق بالكويت، إدريس الكتاني؛ حين رد الملك الراحل الحسن الثاني على صحافي كويتي مرموق خاطبه بعبارة "يا طويل العمر" بجواب مفعم بالحكمة والزهد قائلا : "أنا أطلب البركة في العمر لا طوله.. فإذا منحني الله عشر سنوات أخرى من العمر في صحة وعافية، ففي ذلك كل الخير والبركة، وإلا فما معنى أن يطيل الله العمر لملك في ظروف صحية مزرية ويبقى الجميع ينتظر وفاته ؟" متمنياتنا الصادقة للملك محمد السادس بالشفاء والبركة في العمر.