على مدى 11 سنة متتالية، يبرز ملف "المعطي منجب" بوصفه نموذجًا لتراكم إجراءات وتدابير يصفها متابعون وحقوقيون بأنها تضييقات مستمرة، تتقاطع فيها الأبعاد القضائية مع قضايا حرية التعبير في المغرب. فقد بدأت القضية بتهم مرتبطة ب"الأمن الداخلي"، قبل أن تتشعب لاحقًا إلى ملفات ذات طابع مالي، في مسار تخللته قرارات وإجراءات متعددة، من بينها المنع من السفر، والحجز على الممتلكات، وتجميد الحسابات البنكية، والمنع من التصرف في الأصول، والتوقيف من العمل، وقطع الأجر، إلى جانب التأجيلات المتكررة وحملات التشهير في بعض وسائل الإعلام. ورغم صدور عفو ملكي في يوليوز 2024، لم يؤد ذلك إلى إنهاء القيود المفروضة عليه، إذ استمرت تدابير عملية حدّت من حريته في التنقل وممارسة نشاطه الأكاديمي، ما دفع مراقبين إلى وصف وضعيته بأنها "تقييد فعلي دون سند معلن". وفي المقابل، تصاعدت ردود الفعل الحقوقية، دوليًا ومحليًا، دون أن تُفضي إلى حل جذري ينهي هذا المسار. وبذلك، تجاوز الملف كونه قضية معروضة أمام القضاء، ليصبح مؤشرًا على طبيعة التعامل مع الأصوات الناقدة داخل الحقلين السياسي والحقوقي. منذ 2015.. كرونولوجيا مسار متواصل من الإجراءات 2015.. البداية في نهاية عام 2015، أُحيل المؤرخ والأستاذ الجامعي "المعطي منجب"، إلى جانب ستة صحافيين ونشطاء، على القضاء بتهم تتعلق ب"المسّ بأمن الدولة" و"عدم التصريح بالتمويل الأجنبي"، على خلفية نشاطه في دعم حرية التعبير وإدارته لمركز بحثي مستقل. وقد أثارت هذه المتابعة انتقادات من منظمات حقوقية اعتبرتها ذات خلفية سياسية، خاصة في ظل مواقفه المنتقدة لمؤسسات السلطة، ودوره في برامج دعم الصحافة المستقلة التي اعتبرتها السلطات تدخلاً أجنبياً غير مرغوب فيه. 2016 – 2019.. تأجيلات متكررة شهدت هذه المرحلة سلسلة من التأجيلات في ما عُرف ب"قضية 2015"، حيث أُرجئت الجلسات مرات عديدة ضمن مسار قضائي امتد لسنوات دون حسم نهائي، في وقت استمرت فيه الضغوط المهنية والإعلامية. 2020.. فتح تحقيق جديد في 7 أكتوبر 2020، فتحت النيابة العامة بالرباط تحقيقًا جديدًا بحق منجب بتهم تتعلق ب"غسل الأموال"، استنادًا إلى تقارير رسمية تحدثت عن تحويلات مالية وممتلكات لا تتناسب مع دخله المصرح به. ديسمبر 2020.. الاعتقال في 29 ديسمبر 2020، جرى توقيف "منجب" بالرباط أثناء وجوده بأحد المطاعم، ووُضع رهن الاعتقال الاحتياطي على خلفية ملف "غسل الأموال"، في خطوة اعتبرتها منظمات حقوقية جزءًا من مسار تضييق مرتبط بنشاطه الأكاديمي والحقوقي. 2021.. الحكم والإفراج في يناير 2021، صدر في حقه حكم غيابي بالسجن سنة واحدة وغرامة مالية في القضية الأصلية، ما دفعه إلى خوض إضراب عن الطعام داخل السجن احتجاجًا على الحكم. وفي مارس من السنة نفسها، أُفرج عنه بعد أكثر من شهر من الإضراب عن الطعام داخل المعتقل، مع استمرار متابعته في ملفات أخرى. 2022 – 2024.. استمرار القيود تواصلت جلسات المحاكمة خلال هذه الفترة مع تسجيل تأجيلات متكررة، دون صدور حكم نهائي، بالتوازي مع فرض قيود عملية على تحركاته ووضعه المالي. ورغم صدور عفو ملكي في 29 يوليوز 2024، استمرت هذه القيود، حيث ظل ممنوعًا من مغادرة التراب الوطني بشكل فعلي، دون إعلان رسمي عن حظر سفر. 2025.. المنع من السفر وتفاقم التضييق في 30 مارس 2025، مُنع "منجب" من ركوب طائرة بمطار الرباط-سلا رغم تلقيه دعوة أكاديمية من جامعة فرنسية، ما أكد استمرار منعه من السفر. كما تواصلت القيود الأخرى، من بينها تجميد حسابه البنكي، ومنعه من بيع ممتلكاته، وحرمانه من دعم عائلته ماليًا، فضلاً عن فقدانه لمنصبه الجامعي ومن راتبه الشهري. وقد أدى هذا الوضع إلى حرمانه من زيارة زوجته وابنته المقيمتين في فرنسا لعدة سنوات، في وقت تصاعدت فيه حملات التشهير ضده، متضمنة اتهامات وُصفت بالمضللة، ما عرضه لتهديدات. 2026.. استمرار المسار دون حسم مع مطلع 2026، يواصل الملف مساره ضمن إجراءات قضائية غير محسومة، في ظل استمرار القيود على حرية التنقل والتصرف في الممتلكات، إلى جانب الضغوط المهنية والإعلامية. وقد أثارت هذه الوضعية انتقادات متكررة من هيئات دولية، من بينها البرلمان الأوروبي، ومنظمة العفو الدولية، ومراسلون بلا حدود، التي دعت إلى احترام حرية التعبير والتنقل والحقوق الأكاديمية، دون أن يفضي ذلك إلى تغيير ملموس في وضعه حتى الآن. إقامة جبرية مقنّعة.. تنديد حقوقي وقانوني أثار قرار منع المؤرخ "المعطي منجب" من مغادرة التراب الوطني صبيحة 30 مارس الماضي، رغم استفادته من عفو ملكي قبل نحو سنتين، موجة انتقادات من حقوقيين ومحامين، خاصة أنه كان مدعوًا من جامعة باريس 01 لمهمة أكاديمية. وفي هذا السياق، اعتبر المحامي "عمر بنجلون" أن هذا الإجراء يشكل "خرقًا واضحًا لقانون المسطرة الجنائية، ويتنافى مع التوجه نحو اعتماد بدائل العقوبات وحصر التدابير الاحتياطية في أضيق الحدود"، داعيًا إلى تعبئة الجهود لضمان احترام القانون ورفع ما وصفه بالتعسف. وجاءت هذه المواقف خلال ندوة صحافية نظمتها الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين "همم"، يوم الثلاثاء، بمقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط، حيث أوضح المحامي والحقوقي "الحسن السني" أن "الإطار القانوني للمنع من السفر محدد بدقة، ولا يُلجأ إليه إلا في حالات الضرورة القصوى وبشكل استثنائي ومؤقت". وأضاف "أن التعديلات الأخيرة على قانون المسطرة الجنائية قلّصت المدة القصوى لهذا التدبير من سنة إلى ثمانية أشهر، وهو ما لم يتم احترامه في هذه الحالة". من جهته، أكد دفاع "منجب" ضرورة التقيد بنص وروح القانون، وإنهاء هذا المنع الذي يقيّد حقه في التنقل، مشيرًا إلى أن القضية تعود إلى سنة 2015 ضمن مسار قضائي طويل ومعقد لا ينسجم مع مبدأ الآجال المعقولة، خاصة وأن المعني بالأمر يلتزم بحضور جلسات المحاكمة بانتظام. وأشار الدفاع أيضًا إلى أن الملف يواكبه تشهير يتجاوز الضوابط القانونية والأخلاقية ويمس بقرينة البراءة، في غياب حكم قضائي نهائي. iframe width="500" height="281" src="https://www.youtube.com/embed/ko0yNLLZJf8?start=4&feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen title="المعطي منجب: "تم العفو عني باسم الدولة لكن لم يُنفَّذ"" حقوقيًا، اعتبر رئيس الائتلاف المغربي لهيآت حقوق الإنسان "عبد الإله بنعبد السلام"، أن "تجديد منع منجب من مغادرة التراب الوطني يعكس حالة من التسيب"، مشيدًا ب"صموده النفسي واستمراره رغم ما طاله من تضييق شمل منعه من العمل والتصرف في حسابه البنكي واستعمال سيارته"، معتبرًا أن ذلك يشكل ضغطًا كبيرًا على مناضل اختار مواصلة الدفاع عن القضايا العادلة. من جهتها، أوضحت "خديجة الرياضي"، نائبة رئيسة الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين، أن "عدد المعتقلين السياسيين لا يزال مرتفعًا، خاصة مع اعتقال عدد من شباب حراك جيل زيد"، معتبرة أن منجب "يوجد في وضع أشبه باعتقال داخل سجن كبير، إذ يعيش دون موارد مالية، ومحروم من مغادرة البلاد أو التصرف في ممتلكاته، فضلًا عن ممارسة حقوقه المدنية كباقي المواطنين". وأضافت "الرياضي" أن هذه الوضعية تستدعي "رفع الحيف وإنهاء مختلف أشكال انتهاك حقوق الأستاذ منجب، إلى جانب باقي ضحايا التضييق على حرية التعبير"، داعية إلى "التقيد بالقانون والمواثيق الدولية التي صادقت عليها الدولة، بدل الاكتفاء بإعلان احترامها أمام الهيئات الدولية مقابل خرقها على أرض الواقع".