قام فريق عمل الجريدة بزيارة خاصة لمنطقة الحي الصناعي سيدي غانم بمراكش التي تكتسي أهمية بالغة باعتبارها قطبا اقتصاديا مهما تتمركز فيه معظم الأنشطة الصناعية لمجموعة من الشركات والمصانع وتساهم بشكل كبير في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي والوطني وتحتضن نسبة مهمة من اليد العاملة المراكشية، وهي فرصة لتسليط الضوء على جزأ من الواقع المهني لهذه الفئة الشغيلة وتنوير القارئ المراكشي والمغربي بظروف اشتغالها، وفق رؤية تنفتح بشكل مباشر على المنطقة لمقاربة اهتماماتها وانشغالاتها اليومية. نظرة أولية تظهر منطقة الحي الصناعي سيدي غانم في موقع تم اختياره بعيدا عن التجمعات السكانية لكي لا تمتد إلى هذه الأخيرة أثار التلوث والضجيج الذي يرافق عادة أشغال التصنيع، لم نصادف ونحن نتنقل بين شوارع هذا الحي في حدود الساعة 10 صباحا الكثير من العاملين ما عدى البعض منهم الذي كان في مهمات خارجية، فأضحى الحي كمكان شبه مهجور لا تكاد تسمع فيه سوى أصوات بعض السيارات والشاحنات العابرة وصوت الآلات المنبعث من مقرات المعامل والشركات وكتب على واجهات هذه الأخيرة معلومات أولية تبين تخصصاتها ومهامها التي تتوزع بين إنتاج وتوزيع وتصدير بعض البضائع، المواد،الأجهزة، المعدات والخدمات... وقفنا خلال هذه الزيارة الصباحية على الحالة السيئة لبعض الطرقات التي يظهر أن أشغال الصيانة لم تمتد إليها لمدة طويلة حيث عاينا بعض الحفر التي تعيق عملية السير وتجعل مهمة السياقة أشبه بلعبة)playstation( كما لاحظنا كذلك تراكم الأتربة والأزبال ومخلفات بعض المصانع على بعض الأرصفة، كما تنبعث رائحة كريهة بأحد شوارعها الناتج عن تكسر إحدى قنوات الصرف الصحي، مما يعطي صورة سلبية عن المنطقة الصناعية التي كان من المفروض أن تتوفر بها شروط النظافة والسلامة البيئية كما هو منصوص عليه في دفتر تحملات مجموعة من الشركات والمصانع. كما أثارت انتباهنا كذلك بعض الشركات التي تظهر كما لو أنها شركات سرية إذ لم نتمكن من معرفتها إلا صدفة عن طريق أحد الحراس، حيث لم تظهر على واجهاتها أية معلومات تؤشر على أنها كذلك، ولم يستبعد أحد العارفين بخبايا الحي الصناعي من أن تكون هذه السلوكات مقصودة ومتعمدة لأهداف تضليلية وللتملص من بعض الإلتزمات القانونية، لكن يبقى هذا مجرد افتراض سنتأكد من صحته لاحقا ومن هذا المنطلق يطرح سؤال مدى احترام أرباب هذه الشركات للشروط والمعايير المتعارف عليها في القوانين التأسيسية والتنظيمية وعن دور اللجن والجهات المختصة في المراقبة وفي التأكد من تطبيقها. عمال بمستويات تعليمية متفاوتة وتأطير نقابي ضعيف أثناء استجوابنا لمجموعة من العمال بمنطقة الحي الصناعي تبين لنا أن هناك تباين واضح في مستوياتهم التعليمية بين من لا يجيد أوليات القراءة والكتابة وبين من يتوفر على شهادة البكالوريا ودبلومات مهنية وجامعية، لكن الأغلبية منهم بمختلف مستوياتهم التعليمية يجتمعون في كونهم لا يعرفون الشيء الكثير عن القوانين التنظيمية التي تضبط ممارستهم العملية، ومعلوماتهم عن مدونة الشغل تكاد تكون منعدمة، وهذه النقائص تجد مبرراتها في عدم تواصل مجموعة من النقابات مع الطبقة العاملة وضعف امتدادها في أوساط الشغيلة وعدم تفعيلها لألياتها التوعوية والتأطيرية، نتيجة لذلك فعدد كبير من العمال والمستخدمين غير راضون على أداء نقابات معينة ويصفونها بالمتآمرة مع أرباب الشركات والمعامل وأن المبدأ الأساسي الذي يضبط تعاملاتها هو الارتزاق على حساب مشاكلهم وقضاياهم الخاصة. معاناة عمالية ارتباطا بالعمل والأداء النقابي تقول “ربيعة.س” 38 سنة عاملة بأحد معامل النسيج”لا يوجد عمل نقابي نزيه لأن بعض زملائنا تعرضوا للطرد التعسفي وكانوا منخرطين في إطار نقابات ورغم ذلك لم ينصفوا فمنهم من اعتصم طويلا حتى أظناه الانتظار فاستسلم وصرف النظر عن استرجاع حقوقه لإهمال النقابة له ولعدم تضامن باقي العمال معه، فاضطر إلى البحث عن عمل جديد ولا يستبعد أن يتعرض لنفس الممارسة الأولى إذا لم يتنازل على بعض حقوقه” كما صرح أحد العاملين أنه قضى ما يزيد على 12 سنة بين مجموعة من المعامل ومع ذلك فإنه يرى أن ظروف الاشتغال لم تختلف كثيرا وأن تعويضات العمال التي لا تتجاوز في أحسن الأحوال 2500 درهما في الشهر تبقى أقل بقليل من الجهد الذي يبدلونه، كما أن الساعات الإضافية التي يضيفونها أثناء عمليات الشحن والتفريغ والطلبيات المستعجلة التي تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل لا يتم تعويضهم عليها بشكل كامل، وسردت علينا وقائع بعض الحالات التي تعرضت لإصابات وحوادث أثناء فترات الاشتغال فتم التحايل على أصحابها وقدمت لهم وعود بأنه سيتم تعويضهم لكن تلك الوعود ذهبت مع أدراج الرياح ولم يتحقق منها شيء يذكر. وأضاف أحد العاملين الذي تمت تسوية وضعيته القانونية بعدما أمضى 25 سنة من الاشتغال في معمل للمواد الغدائية أنه يتم اقتطاع 150درهم من راتبهم الشهري كواجبات للصندوق التكميلي غير أن العمال لم يستفيدوا من خدماته لمدة تزيد على 10 سنوات. إنها حالات تدعو إلى طرح أكثر من علامة استفهام في مرحلة نراهن فيها على اليد العاملة والموارد البشرية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي.. !!! أين مفتشي الشغل؟ يظهر على ضوء هذه الحيثيات أن العديد من المصانع والشركات التي تنعدم فيها شروط السلامة تتحول طيلة ساعات العمل إلى فضاء ملغوم يهدد المستخدم في أية لحظة بحادث مفاجئ قد يحول سيناريو حياته اليومية إلى معاناة، وهو ما يتطلب منه بدل مجهود مضاعف للقيام بواجباته العملية اليومية ثم الحذر من إمكانية الإصابة التي قد تنغص عليه مسار حياته اليومية، ففي خضم هذه المعاناة يطرح سؤال أين دور مفتشي الشغل؟ ويبدوا أن الإجابة على هذا السؤال تقتضي بالضرورة استحضار واقع اغتناء مجموعة من المفتشين في ظرف زمني وجيز وفي ظروف غامضة، لنفهم سبب تعطيل مجموعة من المساطر القانونية وعدم احترام العديد من المعامل والشركات لشروط السلامة، مع وجود بعض الاستثناءات التي تبقي على فرص التفاؤل واردة في الأيام المقبلة. مواصلات وتحرشات يعتبر مشكل النقل من أهم المشاكل التي يتخبط فيها عمال منطقة سيدي غانم، فما تكاد تقترب الساعة السابعة والثامنة صباحا أو الساعة الخامسة والسادسة مساء التي تتزامن مع أوقات بداية أو نهاية العمل اليومي بالشركات والمعامل، إلا ويعلن عن حركة سير غير عادية في الطرق المؤدية إليها وتزدحم بعض المحطات بالركاب الذين لم تستطع وسائل النقل المرخص له من حافلات الحضري للشركة الإسبانية ألزا وسيارات الأجرة من احتواء التدفق الكبير للركاب الذي لا يستمر أكثر من ساعة ونصف، وتظهر في هذه الأوقات بعض وسائل النقل غير المرخص لها”خطافا” التي تبقى عملية ركوبها محفوفة بالمخاطر لاسيما بالنسبة للنساء ورغم ذلك يسجل عليها نوع من الإقبال، كما تمت كذلك معاينة مجموعة من الظواهر الشاذة لبعض أصحاب السيارات والدراجات النارية الذين يتحرشون بالفتيات العاملات بدون أدنى حرج ولا وازع أخلاقي ويقترحوا عليهن توصيلهن بمقابل مكشوف لا يخرج عن إطار إشباع الغريزة، وأكد لنا بعض الأشخاص الذين كانوا حاضرين بعين المكان أن هذه المشاهد تكاد تتكرر بشكل يومي، وهو ما يستدعي التدخل للحد من استفحال هذه الممارسات والسلوكات المشينة خاتمة الزيارة نأتي في ختام هذه الزيارة إلى القول أن منطقة الحي الصناعي سيدي غانم منطقة مهمة وعصب اقتصادي له مساهمة فعالة في تحريك عجلة الاقتصاد، ويجب أن تولى لها المزيد من الرعاية والاهتمام لاسيما ما ارتبط منها بأشغال الصيانة، كما يتعين أن يتم التعاطي بشكل إيجابي مع قضايا الفئة الشغيلة التي تعتبر الثروة حقيقية للمنطقة التي من دونها لا يمكن أن يتحقق أي إقلاع اقتصادي. مراكش بريس