من قديم الزمان، ظهر على هذا الكوكب مخلوق مدرك اسمه الإنسان، وسر إدراكه يتركز في عقله، إذ به عرف النقيضين، وميز بين كل ضدين، وسعى سعيه ليختار من الأضداد ما يناسبه، ومن النقائض ما يصادف هوى في نفسه، فحارب الشر من أجل الخير، وطلب اللذة حيث كره الألم، وأدرك الفرق بين الفضيلة والرذيلة، والصحة والمرض، والثواب والعقاب، والموت والحياة، والشيخوخة والشباب، ولا يدرك هذه المعاني قرد أو خروف أو حصان ! على أن أكثر ما يفجع هذا المخلوق المدرك هو سعيه حثيثا نحو شيخوخة مؤكدة، لتسلمه لقمة سائغة لنهاية محتومة تتمثل لنا في الموت، ولكي يتجنب هذا المصير المحزن، بدأ يفكر في وسائل كثيرة، علها تمنحه شبابا، أو صكا بيولوجيا ضد زحف الشيخوخة، أو حلول الموت، إلا أن كل محاولاته قد ذهبت أدراج الرياح، وكأنما الموت أحد نواميس الطبيعة الراسخة، أو كأنما هو النتيجة الحتمية لكل كائن حي على هذا الكوكب. لكن مفهوم الموت يختلف من مخلوق إلى مخلوق، وحلول الشيخوخة قد يتفاوت بين كائن وكائن، صحيح أن ظواهر الحياة التقليدية المنظورة تترك بصماتها على كائناتها، وكأنما هذه البصمات تحدد فترات زمنية متعاقبة على جسد المخلوق، أو في أنسجته وخلاياه، ومن هذه البصمات أيضا تستطيع – بدون عناء يذكر – أن تحدد للمرء أو الكائن عمره، وأن تضعه في قائمة الشباب، أو مرحلة أواسط العمر أو الكهولة. ومع أن هذا هو الأمر السائد في مخلوقات عالمنا المنظور، إلا أنه يختلف في كائنات تحتل الدرجات الدنيا من سلم الحياة. هناك مثلا كائنات مجهرية دقيقة تتمثل لنا في خلية وحيدة (مثل الأميبا والبكتيريا والخميرة) أو أخرى أعقد قليلا (مثل بعض الديدان والهيدرا ورنابق البحر)، وفيها جميعا تتقهقر الشيخوخة، وينحسر الموت، وتعيش مادتها الحية في حالة أقرب إلى الخلود الذي يطمع فيه البشر، وما هم بمدركيه، اللهم إلا إذا حذوا حذو هذه الكائنات، أو ارتضوا حياتها سبيلا. فهذه الكائنات البسيطة لا تهرم كما نهرم، ولا تموت كما نموت، لأنها تسير على مبدأ، والمبدأ عندها أنها تداوم على الإنقسام كلما بلغت أوج مراحل نموها، وفي هذا الإنقسام يكمن خلود مادتها. هذه الحقيقة الغريبة يرجع عمرها إلى سنة 1838م (أي منذ 176 سنة) ، ففي هذه السنة نرى العالم الطبيعي ايرنبرج يكتب في مذكراته :"إن تكاثر مجموعة كائنات السيليوفورا Ciliophora (وهي قسم من الحيوانات الهدبية الأولية البسيطة) بالإنقسام المباشر يمحو موتها، ويهبها حياة أبدية" ! ثم يجيء من بعده العالم الكبير "موباس"، ويجري تجاربه على هذه الكائنات، ويلاحظ حياتها في المزارع الخاصة التي يجهزها خصيصا لها، ويسجل أنها لا تعرف الشيخوخة طالما هي تواصل الإنقسام لأجيال متعاقبة تربو على المئات، ويجيء من بعده علماء ليؤكدوا هذه الحقيقة، وليذكروا لنا أنهم لم يلاحظوا ضعفا ولا شيخوخة ولا موتا يعتري المادة الحية التي تنتقل عبر آلاف الأجيال، لأن المادة الحية تنقسم باستمرار، فيصبح الكائن كائنين، والكائنان أربعة، والأربعة ثمانية..إلخ، وكلما وصل الكائن منها إلى مرحلة بلوغه، ومنتهى نموه، فإنه ينقسم، وتعود مادة حياته إلى "طفولتها"، فتنمو من جديد، ويتقدم بها العمر، فإذا لم تسارع بالانقسام حل بها الوهن والضعف "والشيخوخة" والموت !. لكن الموت العارض قد يجيئها أحيانا من جراء مادة سامة، أو جوع وعطش، أو نفايات حياة تتجمع حولها لتخنقها، أو أي عامل آخر من العوامل المدمرة للحياة، وإذا أردت أن تشهد حقا كيف تتحول نهاية العمر إلى بداية، أو خمول الحياة إلى نشاط، أو شيخوختها إلى شباب دائم، فعليك أن تمد هذا الكائن بغذاء متجدد، وتنتشله من نفايات الحياة التي قد تتجمع في الوسط السائل الذي يعيش فيه ويمرح، وعندئذ لن تراه يهرم أبدا، لأنه يجدد شيخوخته بانقسام، فيصبح الكبير صغيرا، الصغير ينمو – من جديد – لكي يكون كبيرا، وتتكرر الدورة لآلاف الأجيال القادمة، هذا لو كان لديك الصبر لترقب هذه العملية الخالدة لعشرات أو مئات من سنوات تالية !. على أن تجدد الشباب بالانقسام ليس مقصورا على هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة، بل أحيانا ما يتخذ صورا شتى في كائنات أكثر تطورا وتعقيدا، ومن هذه الكائنات مثلا يبرز حيوان الهيدرا ذو الخلايا العديدة، أو التكوين الجسدي البسيط الذي يهيئ له فما ولوامس وقدما ليرتكز به على عشب في مجرى أو مستنقع أو غدير. لقد أوضح لنا العالم البلجيكي "بول براين" حقائق مثيرة عن التجدد العضوي في هذا الكائن البسيط، فعندما أخذ حيوانا واحدا، ووضعه في زجاجة صغيرة، وأحاطه بالرعاية والغذاء والحماية، بدأ الكائن يكون لنفسه ذرية، وذريته تنبت على جسده في هيئة براعم صغيرة، وتنمو البراعم شيئا فشيئا، وأخيرا تنفصل عن الجسد الأصلي، فيسارع براين بإزالتها من الزجاجة حتى لا يختلط الحابل بالنابل، لأن كل همه هو التركيز على هذا الكائن الأصلي أو "الأب"، أو بالتحديد كان يريد تسجيل زمن شيخوخته وموته، إلا أنه لم يصل إلى هذا الزمن على الإطلاق !. لقد أنتج الهيدرا في خلال حوالي خمس سنوات 702 برعم، وكل برعم من هذه البراعم كفيل بإنتاج كائن، لكن الكائن الأصلي أنتج كل هذه "الذرية" دون أن تظهر عليه بادرة من بوادر الوهن أو الضعف والشيخوخة، بل كان في قمة حيويته، وغاية شبابه، وكان من الممكن أن يظل هكذا لسنوات أخرى طويلة، ولكن بول براين أنهى التجربة بعد أن عيل صبره، وعرف أن المادة الحية في هذا الكائن ذات شباب لا يهرم أبدا. والسبب في تجدد مادته، واستمرار نشاطها وحيويتها، يرجع إلى عملية الإنقسام المستمرة التي تتم في خلايا المنطقة العلوية من جسمه، في حين أن الخلايا القديمة التي ترتكز عند قدمه، كانت تتجدد من فوق.. أي بإحلال الجديد محل القديم. لابد إذن من التغير والتجدد، والبزوغ والأفول، والموت والحياة، فكلاهما يولج في الآخر، كما يولج النهار في الليل "ولكن أكثر الناس لا يعلمون". ربما كانت هذه الحكمة العظيمة في تعاقب المخلوقات هي التي عبر عنها القرآن الكريم أجمل تعبير "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون".. [الروم:19]. وفي ذلك الكفاية "لقوم يفقهون" !. *-*-*-*-*-*-*- والله الموفق 2014-07-15 محمد الشودري