يمر حزب التجمع الوطني للأحرار في هذه اللحظات التاريخية من عام 2026 بمخاض عسير يؤشر على نهاية مرحلة "التمدد الفائق" وبداية العودة إلى الحجم الطبيعي داخل الخريطة السياسية المغربية. فالمؤتمر الاستثنائي المنعقد في فبراير 2026 لم يكن مجرد إجراء تنظيمي لانتخاب محمد شوكي خلفا لعزيز أخنوش، بل كان إعلانا ضمنيا عن استنفاد الحزب لوظيفته كقائد للمشهد العام، على اعتبار أن انسحاب المهندس الفعلي لهذا الصعود، عزيز أخنوش، يجرد الحزب من المظلة الحمائية والقدرة التمويلية والتواصلية التي كانت تربط شتات الأعيان بمركز القرار، وهو ما يجعل القيادة الجديدة برئاسة شوكي في مواجهة مباشرة مع تصدعات داخلية صامتة بين أجنحة الحزب التي بدأت تبحث عن بدائل سياسية أكثر استقرارا مع اقتراب الانتخابات. هذا الانكماش التنظيمي يجد مبرراته القوية في انهيار التعاقد المعنوي الذي أبرمه الحزب مع الناخبين في 2021؛ فوعود الرخاء الاقتصادي ومسار التنمية اصطدمت بصخرة الواقع الاجتماعي المتأزم وأرقام البطالة التي بلغت مستويات قياسية، مما حول شعار الكفاءة إلى عبء سياسي. ولم يعد الحزب اليوم قادرا على تسويق نفسه كبديل إنقاذي، بل أصبح في نظر الشارع الرقمي والحركات الاحتجاجية الصاعدة المسؤول الأول عن تراجع القدرة الشرائية. هذا الضغط الشعبي المتزايد، مقرونا بالملفات القضائية وشبهات تضارب المصالح التي تلاحق بعض رموزه الجدد، نزع عن الحزب رداء المؤسسة العصرية وأعاده إلى صورته النمطية كحزب إداري نخبوي يفتقر إلى القواعد الأيديولوجية المتينة التي تحميه في أوقات الأزمات. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن القوى السياسية المنافسة بدأت بالفعل في استثمار هذا التراجع لترتيب تموقعها الجديد، حيث تظهر ملامح هجرة معاكسة للأعيان والكتل الناخبة من "الأحرار" باتجاه أحزاب كانت في الظل أو في موقع الدفاع. إن عودة الحزب إلى حجمه الطبيعي تعني بالضرورة تحوله من صانع للأغلبية إلى شريك تقني محتمل، أو حتى العودة إلى صفوف المعارضة لترميم تصدعاته. وبذلك، تطوى صفحة الهيمنة الزرقاء التي ميزت الخمس سنوات الماضية، لتفسح المجال أمام توازنات جديدة تعيد توزيع القوى بناء على معطيات الميدان لا على بريق الوعود الانتخابية التي لم تجد طريقها للتنفيذ.