المنصوري: حزب الأصالة والمعاصرة لن يبيع القناعات من أجل الانتخابات    خبر عاجل ،، المكتب الوطني للسكك الحديدية يعلن مجانية التنقل عبر القطار انطلاقا من مدينة القصر الكبير إلى كل الاتجاهات    العجز في الميزانية تجاوز 61 مليار درهم سنة 2025    روسيا تقصف منشآت للنقل بأوكرانيا    تسرُّب -فيروس الغباء الجزائري- إلى بطولة أمم إفريقيا (الجزء الثاني)    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    مقاييس التساقطات الثلجية المسجلة بالمملكة    مراكش تحتضن الدورة ال31 لأسابيع الفيلم الأوروبي    التضامن والتأزر في المحن والكوارث الطبيعية شيمة من شيم المغاربة الأحرار : زلزال الحوز وفيضانات القصر الكبير نمودجا    "النهج": فيضانات الشمال نتيجة مباشرة لتراكم عقود من الإهمال و"للتدبير الريعي" للبنية التحتية    دوري أبطال إفريقيا.. الجيش الملكي يسعى لإحياء آماله ونهضة بركان للصدارة    آس الإسبانية: ازدحام الخيارات يعقد حسم الجناح الأيمن في ريال مدريد        فرنسا تخفض "مادة سامة" في حليب الرضع    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    تصريف مياه سد الوحدة يوقف حركة القطارات بين سيدي قاسم ومشرع بلقصيري    القصر الكبير | مجانية التنقل عبر القطار إلى جميع الوجهات بسبب الفيضانات    تعبئة ميدانية شاملة بالقصر الكبير لمواجهة أخطار الفيضانات (فيديو)    مؤشر "مازي" يسجل خسارة ب 0,95 % خلال يناير    عبد الهادي بلخياط.. سيرة تختزل "قطار الحياة" وتتطلع الى "القمر الأحمر"    غارات إسرائيلية تخلف قتلى في غزة    544 رحلة سياحية و1.8 مليون راكب عبر ميناء شانغهاي في عام واحد    ناسا تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج أرتيميس    النفط يقترب من أعلى مستوياته في 6 أشهر        534 عاماً مرّت على سقوط آخر معاقل الإسلام فى الأندلس    سرقة مغربي تدين "موظفة بنكية" في روسيا    النمسا.. توقيف مشتبه فيه متورط في التخطيط لاعتداءات إرهابية بالتعاون مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني    بنكيران يدعو أعضاء "البيجيدي" إلى التزام الصمت بعد إدانة بلقايد في ملف "صفقات كوب 22"    "عصبة الكرة النسوية" تصدر عقوبات    القمع يمتد إلى المستشفيات في إيران    تعاون نمساوي مغربي يطيح بإرهابي    إطلاق أول خدمات للجراحة الروبوتية بمستشفى جامعي عمومي في أكادير    من طنجة إلى جبال الأنديز.. الدور المغربي في دعم حركات التحرر بأمريكا اللاتينية خلال القرن التاسع عشر    السياحة المغربية تسجل عائدات قياسية بلغت 138 مليار درهم في 2025    نقابيون ينتقدون وزارة الأسرة والتضامن    علماء يحددون جينات تحمي المسنين من الخرف    غوتيريش يحذر من "انهيار مالي وشيك" للأمم المتحدة    الجديدة تحتضن فعاليات الدورة الأولى للمهرجان الوطني لفنون السيرك    صناعة الشك والحرب النفسية الرقمية في كأس إفريقيا بالمغرب    عملاق الطرب المغربي الفنان عبد الهادي بلخياط في ذمة الله    هل تحتاج خوارزميات الذكاء الصناعي إلى شيء من "الهشاشة الإنسانية"؟    إثر الحكم الذي ساوى بين المغرب والسنغال.. موتسيبي: الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ملتزم بالمحافظة على نزاهة وسمعة والتنافسية العالمية لكرة القدم الإفريقية    آبل تعلن عن إيرادات قياسية مع ارتفاع مبيعات هاتف آيفون في الصين    «ألفاجينوم»: ذكاء اصطناعي لتحديد العوامل الجينية المسبّبة للأمراض    قرعة الثمن النهائي لأبطال أوروبا تضع ريال مدريد في مواجهة بنفيكا    مجلس الشيوخ الفرنسي يمرّر قانوناً لتسهيل إعادة الآثار المنهوبة إلى بلدانها    فيفا يطلق مبادرة "كندا تحتفل" لإشعال حماس الجماهير قبل المونديال    تاريخ الزمن الراهن: الانشغالات المنهجية والانتظارات السياسية    عقوبات الكاف... حين تُعاقَب الآمال وتُكافَأ الفوضى    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. عبد الله أنطون خوري..في ذكرى رحيله الأولى..!
نشر في الشرق المغربية يوم 06 - 03 - 2010

في مثل هذه الأيام وبالتحديد في الثامن من آذار من العام المنصرم فقدت الحركة الطبية الفلسطينية عامة والمقدسية خاصة علما من أعلامها البارزين..انه الدكتور عبد الله أنطون
خوري"أبو نديم", الذي أمضى أكثر من نصف قرن من عمره في خدمة أبناء شعبه بإخلاص قلما نشاهد مثله. إذا تحدثنا عن الإنسانية ف"أبو نديم" كان خير من مثلها, وإذا تطرقنا إلى المهنية فبإمكاننا الجزم بأنه كان على درجة عالية جدا منها, كيف لا وقد كان أحد أقدم وأبرز الجراحين, وإذا عرجنا إلى الأخلاق فقد كان المرحوم مدرسة تفخر بأنه كان مؤسسها, وأما بالنسبة للانتماء فقد كان من أكبر الداعمين للقضية. لقد كان المرحوم زهيدا في حياته إلى أبعد الحدود ولم يتخذ من مهنة الطب وسيلة للثراء, فقد كان أبا للفقراء والمحتاجين..تعلم وعلم وتتلمذ على يديه العديد من الجراحين الذين برزوا وأبدعوا في مجالهم وأكملوا مشواره يدا بيد معه من أجل تطوير الخدمات الصحية الفلسطينية وخاصة المقدسية. عمل المرحوم وبشكل دؤوب على توحيد المستشفيات الفلسطينية في القدس, وقد امن دائما بأن القدرات الطبية الفلسطينية تتصف بدرجة عالية جدا من المهنية ولا تنقصها الخبرات, وكل ما تحتاج إليه هو فقط التوحيد والعمل تحت سقف واحد. لم تفارق الابتسامة وجهه طيلة حياته وحتى عند إلقاء النظرة الأخيرة عليه أبت هذه الابتسامة أن تفارق محياه, أحب الجميع وأحبوه, ساعد كل من طلب مساعدته وبدون استثناء, ولذلك بكاه الكثيرون ممن عرفوه..زاول مهنته حتى آخر أيام حياته وان كان فيها وضعه الصحي صعبا..وبهذا يكون قد أدى الأمانة بأكمل صورها ورحل عنا كالأشجار واقفا. قال ألبرت اينشتين:"إن أجمل حياة من الممكن أن يعيشها إنسان ما, هي تلك التي تعاش من أجل الآخرين, وهي تلك التي تستحق أن تعاش"..باختصار شديد, مقولة اينشتين الشهيرة هذه تصف وبشكل لا يقبل الشك حياة الفقيد الغالي الدكتور عبد الله خوري.ولقد صدق من قال: ولم أرَ أمثالَ الرجالِِِ تَفاوتوا لدى الفَضْلِِِ حتّى عُدَّ ألفٌ بواحد..نعم يا حكيمنا لقد كنت بألف طبيب أو أكثر. على مدار قرابة العقدين من الزمن كان المرحوم المدير الطبي لمستشفى مار يوسف في الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة, وعمل وبتواصل منقطع النظير على تطويره..كل من عمل في هذا المستشفى ولا يزال يعمل فيه يشهد بأن"أبو نديم" نظر إلى جميع العاملين نظرة سوية وبغض النظر عن وظائفهم ومناصبهم, وللشهادة على ما أسلفت, عندما وضع الجثمان في المستشفى لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه, لاحظت الدموع تنهمر من عيون كل العاملين..إنها كانت دموع صادقة غير مصطنعة, كيف لا وقد كان أبا للجميع, انه كان نعم الصديق والزميل والأخ ونعم الأب..لم يترك المرحوم أية مناسبة تخص أحد العاملين في المستشفى أوحتى أحد أقارب هذا العامل ومهما كان نوعها إلا وشارك فيها. بما أنني تطرقت الى أنك يا فقيدنا الغالي لم تتخذ من مهنة الطب وسيلة للثراء, وقد كان بامكانك فعل ذلك وبسهولة فائقة, فمن طلبوك لمعالجتهم ومعاينتهم أتوك من كل درب وصوب, وهنا وللانصاف نستذكر واحدا - على سبيل المثال وليس الحصر- من الأطباء الذين عاشوا حياتهم كما عشتها أنت, انه الدكتور صبحي غوشة المقيم في عمان أمد الله في عمره..وهناك الكثير من الأطباء من أبناء جيلك الذين تمتعوا بهذه الصفات النبيلة. أقول يا فقيدنا اننا نلاحظ في السنوات الأخيرة بأن مهنة الطب أصبحت كغيرها تجارية, مهنة تفقد يوما بعد يوم نكهتها ومصداقيتها..المراكز الطبية في مدينة القدس العربية يا أبا نديم أصبح عددها أكثر من المرضى أنفسهم وبدأت بالتسابق على سرقة المرضى الذين أصبحوا وبدون أية مبالغة يعاملون كقطيع من الغنم يسعى صاحبه لزيادة عدده باستمرار, وأصبح الأطباء يتنافسون بينهم على من يفحص أكبر عدد من المرضى فتبعا لهذا الأمر يحدد الدخل, ومن هنا يصبح الفحص عشوائيا وتتكاثر الأخطاء الطبية ودافع الثمن هو المواطن وليس غيره..لقد أعمت"الفلوس قلوبهم"..تصور يا أبا نديم أن طبيبا عاما يقوم بافتتاح مركز صحي يوظف فيه نخبة من الأخصائيين..نلاحظ تهافت الأطباء وتنافسهم على من يجمع أكبر عدد من الأموال ليقوموا باقتناء الأراضي والشقق, فتراهم لا يدخلون بيوتهم الا للمنام, والأغرب أن يقوم طبيب ما بافتتاح"مقهى شعبي" للاستثمار ومنع الشباب من "التسيب", كما ونشاهد ونظرا لظروف الاحتلال وانشقاق شطري ما تبقى من الوطن والحصار الظالم على قطاع غزة وما ال اليه الوضع الصحي, بأن أبناء شعبنا المرضى هناك أصبحوا ك"فئران تجارب"..لقد أصبح الشغل الشاغل لبعض الأطباء هو اختراق البورصة من أوسع أبوابها, فتراهم بين تدخل جراحي واخر يفترسون الحاسوب لمتابعة أحوال التداولات البورصية وكأن الحاسوب ابتكر من أجل هذه الغاية فقط, وكل هذه الأمور على حساب المرضى المغلوب على أمرهم..انه زمن العجائب والغرائب, زمن العهر والاتي أعظم. لا أدري لماذا كل هذا التنافس, فالحياة فانية وقصيرة, وأكثر الناس دراية بهذا الموضوع هم الأطباء أنفسهم, فأبسط مرض بامكانه القضاء على حياة الانسان, وأذكر الزملاء الأطباء بقول من قال:ان الطبيب له في الطب معرفة**ما دام في أجل الانسان تأخير..اما إذا انقضت أيام مدته**حار الطبيب وخانته العقاقير. ونلاحظ كذلك وللأسف تنافسا كبيرا واسع النطاق بين الأطباء أنفسهم وخاصة الجراحين منهم, انهم يتسابقون على المرضى وكأنهم في حقل لسباق الخيول, ومن هنا بدأنا نلاحظ-وأنا أشهد على ما سأقول- بأن هنالك نسبة لا يستهان بها من التدخلات الجراحية التي لا لزوم لها, فأصبح هذا الجراح يخاف ان لم يجرح من توجه اليه بأن يقوم زميل له باجراء الجراحة..لقد فقدت مهنة الطب شرفها, فهل من سيعيد لها هذا الشرف؟..انه سؤال بسيط أطرحه على الزملاء الأطباء وخاصة الجراحين, وأطالب في نفس الوقت المرضى المغلوب على أمرهم بواجب اتخاذ الحذر وأخذ رأي طبيب اخر أو حتى ثالث قبل الوقوع تحت"مشرط الجراح". باسمك يا فقيدنا الغالي وباسم من هم من الرعيل الأول, الذي انتميتم اليه, نطالب بتشكيل مرجعية طبية مقدسية تشرف وتنسق بين المستشفيات العربية في القدس, مرجعية يكون لها دور الحسيب والرقيب والا سيأتي اليوم الذي لا ينفع فيه الندم, ولا أراه بعيدا في ظل الظروف التي أسلفت الحديث عنها. وأذكر الزملاء الأطباء بمقولة فلسفية مشهورة:"إن علم الطبيب وكفاءته لا تغنيانه عن أخلاقه, فالأخلاقيات المنهارة تقتل أكثر مما يقتل غياب الكفاءة". عام مر على رحيلك أيها الأب والصديق والزميل والأخ الكبير ولكنك لم ترحل, فأنت في عقولنا وقلوبنا وضمائرنا تعيش معنا, وما مات من زرع العقيدة وارتحل. أبا نديم:أقولها وبصراحة" لمار يوسف" طعم اخر غير الذي اعتدناه عليه أثناء وجودك فيه..نم قرير العين, وما بقي لي أن أقول:انهض يا أبا نديم, انهض أيها"المسيح" من بين الأموات وهب الحياة وشرف المهنة الطبية لمن افتقدوها, وأطلق صرختك المدوية في اذانهم الصمة(واحسرتاه يا طب) لعلهم يستيقظون من سباتهم العميق..وأطلب المعذرة ان كنت قد أثقلت عليك في حديثي عما تعاني منه مهنة الطب, أقدس وأطهر مهنة عرفها التاريخ, ولكنني على ثقة بأنك تسمعني وصدرك واسع لذلك, فهكذا عشت وهكذا رحلت. فقيدنا الغالي، كم سنفتقدك حيا في كل مكان، وكم ستبقى حيا بيننا أبدا تغني ونغني معك كما غنى شاعرنا الفلسطيني الراحل محمود درويش.."على هذه الأرض ما يستحقالحياة". في ذكرى رحيلك الأولى يا دكتورنا الغالي نردد ما جاء في الكتاب المقدس,"الرب أعطى والرب أخذ، فليكن إسم الرب مباركا"..ونقول لن ننساك ما حيينا وسنردد أبد الدهر..وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
للزوجة الأرملة الغالية"أم نديم" وللأولاد الأعزاء أقول, نعم لقد فقدتم عزيزا غاليا عليكم, ولكن فقدانه عز على الجميع, فكان بمثابة الشعلة التي أضاءت سماء القدس وحركتها الطبية, وفي هذا الأمر خير عزاء..له الرحمة الأبدية ولكم من بعده طول البقاء.
د. صلاح عودة الله-القدس المحتلة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.