عاد النقاش حول معايير الحكامة وتدبير الموارد البشرية إلى الواجهة بقوة في إدارة مقاطعة طنجةالمدينة، تزامنا مع شغور منصب مدير المصالح الذي يتنافس عليه أطر إدارية، وسط ترقب واسع لمآلات هذا الاستحقاق، ودعوات متزايدة لتغليب الكفاءة المهنية والخبرة الميدانية على الاعتبارات الحزبية أو السياسية الضيقة. وبرز اسم الإطار الجماعي محمد امشيشو، المتصرف الممتاز، كأحد أقوى المرشحين لشغل المنصب، حيث يرى متابعون للشأن المحلي في ملفه الإداري نموذجا يجسد التدرج الوظيفي الطبيعي، مستندا إلى رصيد ميداني يتجاوز 25 سنة، قضى الجزء الأكبر منه في تدبير ملفات القرب داخل النفوذ الترابي للمقاطعة ذاتها. وتشير الوثائق الإدارية للمرشح إلى مسار متدرج انطلق منذ سنة 1995، راكم خلاله تجربة طويلة جعلت منه ذاكرة حية للإدارة الجماعية، بعدما تقلد مسؤوليات مفصلية داخل مقاطعة طنجةالمدينة، بدأت برئاسة مصلحة الشؤون الاجتماعية والتضامن لمدة عقد كامل ما بين 2004 و2014، مرورا بتدبير مصلحة كتابة المجلس، وصولا إلى رئاسة مصلحة الشؤون الثقافية والرياضية حتى سنة 2020. وشكلت فترة تولي امشيشو رئاسة قسم التنمية الاجتماعية والثقافية والرياضية والعلاقة مع المجتمع المدني بجماعة طنجة، بين سنتي 2021 و2025، منعطفا حاسما في مساره الإداري، إذ نجح في إحداث نقلة نوعية في أساليب تدبير هذا المرفق الحيوي الذي يعد العصب النابض للعلاقة بين الجماعة والمواطنين. وتمكن المعني بالأمر خلال هذه الفترة من تجاوز منطق التدبير الكلاسيكي للملفات، عبر إرساء آليات عمل حديثة ساهمت في عقلنة تدبير المنح والشراكات، وضمان سرعة الإنجاز في تنزيل البرامج الثقافية والاجتماعية الكبرى. ويسجل فاعلون جمعويون أن هذا القسم شهد في عهده استقرارا إداريا ملحوظا ومرونة في التعاطي مع مئات الجمعيات النشيطة، مما مكن من تفادي الاحتقان الذي غالبا ما يسم هذا القطاع، وضمان انسيابية غير مسبوقة في تنفيذ التزامات الجماعة تجاه شركائها المدنيين. ولم يقتصر دوره على التدبير الإداري الصرف، بل ساهم في هندسة وتنزيل مشاريع القرب الاجتماعي، مستثمرا خبرته في التوفيق بين الإكراهات المالية للميزانية وبين الحاجيات المتزايدة للنسيج الجمعوي، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا قويا على القدرة على تدبير الأزمات وابتكار الحلول العملية. وعزز امشيشو هذا الرصيد الميداني بتكوين أكاديمي بدأ بإجازة من جامعة عبد المالك السعدي سنة 1994، ليطوره عبر دورات دولية متخصصة في الحكامة وتدبير الشأن المحلي بمدينتي برشلونة وقرطبة الإسبانيتين، وبرامج حول المشاركة المواطنة بشمال المغرب، وصولا إلى اكتساب مهارات التواصل المؤسساتي عبر تكوين متخصص بمركز الجزيرة الإعلامي. وتوج هذا المسار بتعيينه مديرا لمعهد الأميرة للا مريم للأطفال الانطوائيين سنة 2020، قبل أن يتم تكليفه مؤخرا بمهام نقطة ارتكاز لجماعة طنجة بالشبكة المغربية للجماعات الترابية المنفتحة، وهو تكليف يعكس الثقة في قدرته على مواكبة ورش الانفتاح والرقمنة الذي تراهن عليه وزارة الداخلية. وأمام هذا المسار الحافل، يرى فاعلون محليون أن تعيين مدير المصالح بمقاطعة استراتيجية مثل طنجةالمدينة يضع الإدارة أمام اختبار حقيقي لمدى الالتزام بشعارات الاستحقاق، حيث يطرح التساؤل حول ما إذا كانت سلطة القرار ستنتصر لمنطق ابن الدار العارف بخبايا الملفات والقادر على تقديم الإضافة الفورية، أم أن الحسابات السياسية ستكون لها كلمة أخرى.