لم يكن صباح الأربعاء عاديا في مدينة القصر الكبير؛ فالهدوء الحذر الذي أعقب عاصفة الأسابيع الماضية، كسرته اليوم حركة دؤوبة أمام الوكالات البنكية. طوابير من المواطنين، تحمل وجوههم قصصا متباينة من المعاناة مع المياه التي اجتاحت بيوتهم، اصطفوا لاستلام "الدفعة الأولى" من الحياة الطبيعية. إنها عملية صرف المساعدات المالية الاستعجالية التي أمر بها العاهل المغربي الملك محمد السادس، والتي تقرأ محليا كخطوة أولى في مسار طويل لتعويض الخسائر النفسية والمادية التي خلفتها الفيضانات الأخيرة في شمال وغرب المملكة. من "إدارة الأزمة" إلى "جبر الضرر" العملية التي انطلقت اليوم ليست مجرد إجراء محاسباتي روتيني، بل تمثل تحولا في استراتيجية الدولة من مرحلة "الإنقاذ والإجلاء" التي ميزت الأسابيع الماضية، إلى مرحلة "جبر الضرر". وتتجسد هذه المرحلة الأولى في صرف دعم مالي مباشر وموحد قيمته 6.000 درهم (حوالي 600 دولار) لكل أسرة متضررة. هذا المبلغ، وإن كان يبدو للبعض مجرد رقم، فإنه بالنسبة لمئات الأسر في أحياء القصر الكبير وضواحيها يمثل "طوق نجاة" عاجلا. فالكثير من هؤلاء اضطروا لمغادرة منازلهم على عجل، تاركين خلفهم أثاثهم ومؤونتهم للسيول، وتوقفت أنشطتهم المهنية البسيطة، مما جعل السيولة المادية لديهم شبه منعدمة. وبالتالي، تأتي هذه المنحة لسد الاحتياجات الآنية الملحة، من تغذية وملبس وتجهيزات أساسية، ريثما تنطلق المرحلة الأثقل من إعادة الإعمار. استنفار مصرفي ومواكبة ميدانية وفي قلب هذا الحراك، تعيش المؤسسات البنكية المحلية حالة استنفار قصوى. ويصف عبد الله الدبيش، المندوب التجاري بإحدى الوكالات البنكية المنخرطة في العملية، المشهد بأنه "تعبئة شاملة". ويؤكد الإطار البنكي أن التعليمات واضحة بضرورة تبسيط المساطر وتسريع وتيرة الصرف، مشيرا إلى أن العملية تجري في ظروف تنظيمية محكمة رغم الإقبال الكثيف الذي شهدته الشبابيك منذ الساعات الأولى للصباح. ويشير الدبيش إلى نقطة جوهرية، وهي أن الدور الذي تلعبه الوكالات اليوم يتجاوز الوظيفة المالية الصرفة؛ إذ يمتد إلى "المواكبة الإنسانية" لمواطنين ما زالوا تحت وقع الصدمة، والذين يحتاجون إلى تطمينات بقدر حاجتهم إلى المال. وتعمل المصالح المعنية على استقبال المستفيدين بشكل مستمر، مع ضمانات باستكمال كافة مراحل البرنامج حتى يحصل آخر متضرر على مستحقاته. خارطة طريق الأرقام: ما بعد ال 6000 درهم لكن ال 6.000 درهم ليست سوى "رأس جبل الجليد" في البرنامج الحكومي الذي تم إطلاقه تنفيذا للتعليمات الملكية. فالنظرة التحليلية للمعطيات الرسمية تكشف عن حزمة دعم هيكلية تهدف إلى إعادة رسم المشهد العمراني والاجتماعي في المناطق المنكوبة. وتشير الأرقام الدقيقة للبرنامج إلى مستويات دعم تتناسب مع حجم الضرر؛ فبعد المساعدة الاستعجالية الحالية، ستستفيد الأسر التي تعرضت مساكنها لأضرار جزئية من مبلغ 15.000 درهم مخصص لأشغال التأهيل والترميم. أما الرقم الأكبر، فيخص أولئك الذين فقدوا المأوى بشكل كامل جراء انهيار منازلهم، حيث رصدت الدولة مبلغ 140.000 درهم (14 ألف دولار تقريبا) لإعادة بناء كل مسكن منهار بشكل كلي. إنقاذ الموسم الفلاحي: الرئة الاقتصادية ولا تكتمل الصورة دون الحديث عن البعد الاقتصادي للمنطقة، التي تعتمد بشكل كبير على الفلاحة في حوض اللوكوس. فالبرنامج لا يغفل "الندوب" التي تركتها المياه في الحقول، إذ يتضمن شقا أساسيا لدعم القطاع الفلاحي واستدراك الموسم الزراعي، وهو ما يعد شريان حياة حقيقيا لسكان القرى المحيطة بالقصر الكبير، الذين تضرروا بشكل مزدوج: في مساكنهم وفي مصادر رزقهم. اليوم، وبينما يغادر المواطنون الوكالات البنكية وفي جيوبهم الدفعة الأولى من الدعم، يسود شعور عام بالارتياح الممزوج بالترقب. الارتياح لأن الدولة كانت حاضرة بسرعة وفعالية، والترقب للمراحل القادمة التي ستحدد ما إذا كانت هذه "الحقنة المالية" كافية لتمحو آثار شتاء قاس لن تنساه ذاكرة القصر الكبير بسهولة.