نفذت فرق الوقاية المدنية بشمال المغرب نحو 66 ألف تدخل ميداني خلال عام 2025، في حصيلة تكشف حجم الضغوط المتزايدة على أجهزة الطوارئ لمواجهة تداعيات التقلبات المناخية والتوسع العمراني السريع. وجاء الإعلان عن هذه الأرقام في طنجة، خلال إحياء اليوم العالمي للوقاية المدنية. وركزت فعاليات هذه السنة على تيمة "إدارة المخاطر البيئية من أجل مستقبل مرن ومستدام"، وهو الشعار الذي يعكس تحولا في مقاربة التعامل مع الكوارث الطبيعية والحوادث المرتبطة بالنشاط البشري. واستأثرت عمليات الإسعاف الطبي الطارئ بالحصة الأكبر من نشاط القيادة الجهوية للوقاية المدنية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، مسجلة 62 ألف تدخل. كما نفذت الفرق الميدانية 2034 تدخلا لإخماد حرائق، و1700 عملية لإنقاذ أشخاص في حالة خطر مباشر عبر مختلف عمالات وأقاليم الجهة. وتتخذ هذه الإحصائيات أبعادا مضاعفة بالنظر إلى الخصائص الجغرافية والاقتصادية لجهة الشمال المغربي. وتضم الجهة أقطابا صناعية كبرى، وموانئ حيوية، وتجمعات سكانية كثيفة، مما يرفع من احتمالات الحوادث الحضرية والصناعية بشكل يومي. وتكتسب حماية هذه التجمعات الصناعية واللوجستية في طنجة، التي تحتضن مناطق حرة وميناء "طنجة المتوسط" الأكبر إفريقيا، أهمية قصوى. ويفرض هذا النسيج الاقتصادي الكثيف على وحدات الإطفاء والإنقاذ البقاء في حالة تأهب للتعامل مع أي طارئ قد يهدد سلاسل الإنتاج أو سلامة العاملين. وعلى الصعيد البيئي، تضم جهة طنجة-تطوان-الحسيمة غطاء غابويا شاسعا وتضاريس جبلية وعرة تجعلها شديدة الحساسية للحرائق. وتتأجج حرائق الغابات في المنطقة عادة بفعل رياح "الشركي" المحلية القوية وارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف، مما يتطلب تعبئة جوية وبرية مكثفة، ويفسر العدد المرتفع لتدخلات الإطفاء المسجلة. وقال القائد الجهوي للوقاية المدنية، رضوان أحصاد، إن الشعار الأممي المعتمد لهذه السنة يعكس "تنامي التحديات الناتجة عن التقلبات المناخية والمخاطر البيئية". ولم تعد السلطات المحلية تتعامل مع المخاطر البيئية كأحداث معزولة أو استثنائية. واعتبر القائد الإقليمي للوقاية المدنية بعمالة طنجة-أصيلة، سمير رشيد، أن هذه المخاطر "أصبحت واقعا متكررا يستوجب التعبئة الدائمة والعمل المنظم والمستمر". ويفرض هذا المعطى الهيكلي تحديات لوجستية ومالية على جهاز الحماية المدنية. وتتطلب الاستجابة الفعالة، وفق المسؤولين، دعما متواصلا لتحديث أسطول الإغاثة، وتوفير تجهيزات متطورة، وبناء مقرات جديدة تراعي التوزيع الجغرافي وتقليص مدد الاستجابة والتدخل السريع. ويشكل العنصر البشري محدد الاستراتيجية الوقائية. وتؤكد السلطات على ضرورة تعزيز الموارد البشرية وتكثيف برامج التأهيل والتكوين المستمر لفرق الإنقاذ، لضمان جاهزيتها في التعامل مع حوادث تتسم بتعقيد متزايد، بدءا من حوادث السير مرورا بالحرائق وصولا إلى الكوارث الطبيعية. وتسعى المديرية العامة للوقاية المدنية، من خلال حملات التحسيس الميدانية، إلى الانتقال من مقاربة رد الفعل البعدي إلى نهج استباقي. وترتكز هذه الاستراتيجية على نشر ثقافة الوقاية داخل المجتمع، وجعل المواطن شريكا في إدارة المخاطر. ونظمت ثكنات الوقاية المدنية بعمالتي واقاليم الجهة أبوابا مفتوحة للعموم، تخللتها مناورات حية تحاكي عمليات التدخل السريع في حالات الطوارئ، مع إقامة معارض للمعدات والآليات اللوجستية المستخدمة في الميدان. وتأمل السلطات من خلال ورشات الإسعافات الأولية التي جرى تنظيمها، تقليص الاعتماد الحصري على فرق الإنقاذ في الدقائق الأولى الحاسمة. وتهدف التدريبات إلى تعليم المشاركين، وخاصة الشباب والناشئة، تقنيات التعامل الآمن مع المصابين قبل وصول سيارات الإسعاف. ووزعت مصالح الوقاية المدنية آلاف المنشورات والمطويات التوعوية التي تفصل بروتوكولات السلامة في حالات الزلازل، والفيضانات، والحرائق، في خطوة تروم بناء وعي جمعي قادر على التعاطي العقلاني مع الصدمات وتقليل الخسائر. وفي ظل تواتر الأزمات البيئية بحوض البحر الأبيض المتوسط، بات الاستثمار في بنيات الحماية المدنية وتأهيل كوادرها، فضلا عن التنسيق العرضي بين مختلف الأجهزة الحكومية والمحلية، شروطا أساسية لتأمين الموارد الطبيعية وضمان استدامة التنمية.