ودعت مدينة تطوان، بداية شهر فبراير الماضي، السيدة خدوجة الدليرو، التي كانت شعلة من زمن العمل الوطني، ومثالا للتفاني والشغف بالعمل الخيري والإنساني بمدينة تطوان، وبباقي جهات المغرب. تميزت خدوجة الدليرو، سليلة عائلة عريقة بتطوان، قيد حياتها بعطائها الغزير في العمل الأهلي المحلي، خدمة للنساء وللفئات الهشة بمدينة الحمامة البيضاء وأحوازها. فمنذ سنوات دراستها بالمدرسة الأمريكيةبطنجة، حيث حصلت على شهادة البكالوريا أواخر عهد الحماية، لم تخبو جذوة العمل الإحساني لديها إلى غاية السنوات الأخيرة من حياتها المليئة بالعطاء والإيثار. من العمل السياسي بحزب الإصلاح الوطني إلى النضال في قطاعه النسائي، والانضمام إلى الحركة الوطنية، ثم الانخراط في مجهود بناء مغرب ما بعد الاستقلال، وتمثيل المرأة المغربية في المحافل الدولية، ثم تكريس حياتها للعطاء ضمن الاتحاد الوطني لنساء المغرب، هي محطات أبانت فيها خدوجة الدليرو عن الكثير من الحس الوطني في خدمة المجتمع. وانخرطت خدوجة، وهي في ريعان شبابها بالقطاع النسائي لحزب الاصلاح الوطني بتطوان، حيث شاركت في مختلف التظاهرات والأنشطة المطالبة باستقلال البلاد، الأمر الذي قابلته سلطات الحماية الإسبانية بكثير من التضييق، لتنتقل إلى طنجة الدولية، رفقة زوجها، الدبلوماسي المغربي الراحل محمد محمد الخطيب، الذي عمل في منصب نائب مدير المدرسة الأمريكية، بينما تحملت هي مسؤولية رعاية شؤون القسم الداخلي للبنات، حيث كانت الأم الحنون والراعية العطوفة على تلميذات المؤسسة. وكانت خدوجة الدليرو ضمن الوفد النسائي الذي حظي بشرف استقبال من المغفور له الملك محمد الخامس عند زيارته التاريخية لمدينة تطوان سنة 1957، حيث أكد الوفد النسوي استعداد نساء تطوان خاصة، والشمال عموما، على المساهمة في بناء مغرب الاستقلال، وعن تمسكهن بالعرش العلوي المجيد. وبعد الاستقلال، أبرزت المرحومة عن همة عالية في العمل الاحساني والخيري ما جعلها تنضم إلى الهلال الأحمر المغربي منذ تأسيسه، حيث شاركت في العديد من الحملات الطبية والاغاثية، من بينها على الخصوص حملة لغوث المتضررين من زلزال أكادير سنة 1960، حيث انتقلت مع نخبة من نساء تطوان إلى عاصمة سوس لتقديم الدعم والعون. بسبب المهام المسنودة إلى رب الأسرة، محمد محمد الخطيب، كانت الأسرة دائمة الترحال داخل المغرب وخارجه، حيث انتقلت إلى الرباط بعد الاستقلال، ثم عادت إلى طنجة بعد أن ع ين عاملا على إقليمطنجة في أواخر خمسينات القرن العشرين، قبل أن تشد العائلة الرحال إلى أمريكا اللاتينية إثر تعيينه سفيرا بعدد من العواصم، من بينها هافانا وبونس آيرس. هذا الانتقال الدائم لم يؤثر على ميول الفقيدة للعمل الاجتماعي الميداني. وقالت مريم زكري، رئيسة سابقة للاتحاد الوطني لنساء المغرب – مكتب تطوانالمدينة – إن المرحومة الحاجة خدوجة الدليرو كانت دائما على حسن تمثيل المرأة المغربية في المحافل الدولية، فكانت عضوا في جمعيات زوجات الدبلوماسيين العرب، وساهمت في العديد من الأنشطة الإنسانية والخيرية، كما أقامت جسور التواصل بين مختلف الجنسيات، مدافعة عن مبادئ المغرب الراسخة في سيادته على كل شبر من ترابه. بعد عودة الأسرة إلى المغرب، ساهمت الفقيدة في تأسيس مكتب جمعية الاتحاد النسائي الوطني المغربي بتطوان سنة 1983 مع ثلة من نساء المدينة، حيث قاد المكتب حملة التنمية والوعي في ربوع اقليمتطوان، لاسيما بالمناطق الجبلية والساحلية، كما عمل على إنشاء التعاونيات ومراكز التكوين، وتنظيم حملات محو الامية والتدريس لفائدة النساء بالمناطق الحضرية والقروية، إلى جانب خدماته الاجتماعية والإنسانية. وأضافت مريم زكري، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الفقيدة "لم توافق يوما على تقلد مسؤولية رئاسة مكتب الاتحاد بتطوان، لكنها كانت القلب النابض والمحرك الفعلي لكل مشاريعه"، معتبرة أن الحاجة خدوجة بقيت دوما عضوا استشاريا ومرجعا علميا وصوتا للحكمة وحسن المعاملة. كما نشطت الفقيدة في عدد من المؤسسات والجمعيات المحلية ذات الطابع الاجتماعي، حيث انخرطت بفعالية في المبادرات الاجتماعية لمؤسسة المرحوم عبد الخالق الطريس للتربية والثقافة والعلوم منذ تأسيسها سنة 2018، لاسيما حملات الدفء خلال فصل شتاء والدعم الاجتماعي في رمضان. هذا الالتزام بخدمة المجتمع، جعل الفقيدة أيقونة للعمل الاجتماعي بتطوان، حيث حصلت نظير جهودها المادية والمعنوية على تكريمات متعددة ومستحقة، من بينها على الخصوص تكريم من المجلس العلمي المحلي بتطوان (سنة 2009)، ومن إدارة المدرسة الأمريكيةبطنجة (سنة 2015).