تحولت ظاهرة الانتشار الكثيف للكلاب الضالة في حي تنجيس بمنطقة ملاباطا بمدينة طنجة إلى تهديد يومي لسلامة السكان، مما دفع هؤلاء إلى توجيه مناشدات عاجلة لولاية جهة طنجةتطوانالحسيمة من أجل تدخل فوري. وتفاقم الوضع الميداني مؤخرا بعد تسجيل هجوم استهدف أحد العاملين بالحي، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول نجاعة تدخلات مكاتب حفظ الصحة وتدبير المجال العام بالمدينة التي تشهد دينامية عمرانية متسارعة. وتصاعدت حدة التوتر في الحي المذكور، الواقع في محيط مصحة الضمان الاجتماعي، إثر تعرض سائق خاص يعمل لدى إحدى الأسر لهجوم مباغت من كلب ضال. وأسفر الحادث عن إصابات بليغة استدعت نقل الضحية بشكل مستعجل إلى قسم المستعجلات بالمستشفى لتلقي العلاجات الضرورية وإخضاعه للبروتوكول الطبي الصارم الخاص بمكافحة داء السعر، والذي يشمل سلسلة من اللقاحات والأمصال الوقائية لتفادي أية مضاعفات صحية خطيرة. وبات المشهد اليومي في تجزئة تنجيس والأحياء المجاورة يتسم بتجمع العشرات من الكلاب في شكل قطعان تجوب الشوارع والأزقة بكل حرية، وتتخذ من مداخل الإقامات السكنية وأبواب المنازل والساحات الفارغة أماكن للمبيت والاستقرار. ويخلق هذا الوضع حالة من الرعب الدائم بين السكان، خاصة في فترات الصباح الباكر والمساء، وهي الأوقات التي تتزامن مع خروج الأطفال للالتحاق بمؤسساتهم التعليمية، وكذا توجه الموظفين والعمال إلى مقرات عملهم. وأوضح أحد سكان الحي في إفادة ميدانية أن مغادرة المنزل باتت تشكل مغامرة محفوفة بالمخاطر، مشيرا إلى أن الكلاب تبدأ في النباح الهستيري ومحاولة الهجوم بمجرد تسجيل أي حركة في الشارع. وأضاف المتحدث أن هذا الوضع المربك فرض على الآباء مرافقة أبنائهم يوميا بشكل شخصي حتى نهايات الشوارع الرئيسية لتأمين طريقهم إلى المدارس، بينما اضطر سكان آخرون إلى تعديل أوقات خروجهم المعتادة أو استخدام سياراتهم لقضاء أبسط الأغراض القريبة تفاديا للاصطدام بهذه القطعان. وتتغذى هذه الحيوانات بشكل أساسي على النفايات المنزلية وبقايا الأطعمة، حيث تتجمع بكثافة حول نقاط رمي القمامة وحاويات الأزبال المنتشرة في الحي، ما يساهم في استقرارها وتناسلها المستمر في المناطق السكنية المأهولة. ويشكل هذا التواجد المكثف خطرا مزدوجا يجمع بين التهديد الجسدي المباشر للمارة، واحتمال نقل الأمراض الوبائية والطفيليات، فضلا عن التلوث السمعي الحاد الناتج عن النباح الليلي المستمر الذي يشتكي منه قاطنو التجزئة. وأمام هذا الوضع، وجه المتضررون نداءات مباشرة إلى السلطات المحلية والمجالس المنتخبة، وعلى رأسها والي جهة طنجةتطوانالحسيمة عامل عمالة طنجةأصيلة، بصفته المسؤول الأول عن التنسيق الأمني وحفظ النظام العام. وطالب المشتكون بإصدار تعليمات صارمة للمصالح الإدارية المختصة، وتحديدا القسم المكلف بحفظ الصحة التابع لجماعة طنجة، للقيام بحملات تمشيطية واسعة لجمع هذه الحيوانات وإبعادها عن المحيط السكني للمواطنين. وشدد السكان في مطالبهم على ضرورة التزام السلطات باعتماد مقاربة مؤسساتية عقلانية لمعالجة هذه الإشكالية، بحيث لا تقتصر على الحلول الترقيعية أو الحملات الموسمية، بل تتجه نحو تبني استراتيجية مستدامة. ويأتي هذا المطلب الميداني في سياق التحولات الإدارية التي يشهدها المغرب، حيث تؤكد دوريات وزارة الداخلية الموجهة للولاة والعمال على ضرورة تجاوز المقاربات التقليدية السابقة، والتوجه تدريجيا نحو إحداث محاجز إقليمية للكلاب وتفعيل عمليات الجمع والتعقيم والتلقيح ضد السعار للحد من تكاثرها. وفي انتظار تفاعل السلطات الولائية والجماعية مع هذه النداءات المتكررة، يبقى سكان حي تنجيس والمناطق المجاورة في قطاع ملاباطا تحت وطأة التوجس اليومي. وتطرح هذه الأزمة المحدودة جغرافيا تساؤلات أعمق حول مدى جاهزية البنيات التحتية والمصالح البلدية في مدينة طنجة لمواكبة التحديات المرتبطة بحفظ الصحة العامة وتوفير بيئة حضرية آمنة تستجيب لتطلعات المواطنين وتضمن سلامتهم في الفضاء العام. وتندرج مطالب سكان حي تنجيس ضمن سياق إداري وقانوني يحدد المسؤوليات في مجال تدبير المجال العام وحفظ الصحة داخل المدار الحضري للمدن المغربية. وبموجب القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، تعتبر محاربة ظاهرة الكلاب الضالة والوقاية من الأمراض المعدية من الاختصاصات الذاتية الموكولة لرئيس المجلس الجماعي، والذي يتدخل بتنسيق وثيق مع السلطات المحلية التابعة لوزارة الداخلية لتنفيذ مقررات حفظ الصحة وتسيير دوريات جمع الحيوانات الضالة وإيداعها المحاجز البلدية. وتشهد المقاربة الرسمية المعتمدة في المغرب للتعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة تحولا نحو تطبيق برامج بديلة تعتمد على تقنية الجمع والتعقيم والتلقيح ضد داء السعر ثم إعادتها إلى بيئتها الأصلية. وتأتي هذه الخطوات تنفيذا لدوريات متتالية صادرة عن الإدارة المركزية لوزارة الداخلية، تهدف إلى الحد من تكاثر هذه الحيوانات بطرق علمية ومستدامة تحترم المعايير البيئية، وذلك بالتنسيق مع المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والهيئة الوطنية للأطباء البياطرة وجمعيات المجتمع المدني المختصة. وفي سياق التفاعل المؤسساتي مع هذه الأزمة، تضع جماعة طنجة اللمسات الأخيرة لافتتاح المحجز الجماعي للحيوانات الأليفة والضالة، وهو مشروع مهيكل يندرج ضمن استراتيجية شاملة لحماية الصحة العامة وتدبير المجال الحضري. وتقدر التكلفة الإجمالية لإنجاز وتجهيز وتسيير هذا المرفق بأكثر من 15 مليون درهم، بتمويل مشترك يجمع بين وزارة الداخلية وجماعة طنجة التي وفرت الوعاء العقاري وجزءا من الاعتمادات المالية، تحت إشراف ولاية جهة طنجةتطوانالحسيمة. ويمثل هذا المشروع قطيعة مع المقاربات التقليدية في التعامل مع الحيوانات الضالة، حيث يعتمد بروتوكولا علميا حديثا يقوم على الجمع والتعقيم والتلقيح والترقيم، قبل إعادة الحيوانات إلى بيئتها الطبيعية أو إيوائها. ويضم المحجز الجديد بنية تحتية متكاملة تشمل مستوصفا بيطريا، وقاعات مجهزة للفحص والجراحة والتعقيم، وفضاءات للحجر الصحي والإيواء، فضلا عن توفير وحدات متنقلة للتعقيم وسيارات مجهزة لجمع ونقل الكلاب وفق المعايير المعتمدة للرفق بالحيوان. ومن المرتقب أن يساهم دخول هذا المرفق حيز الخدمة في التخفيف من حدة ظاهرة الكلاب الضالة في مختلف مقاطعات طنجة، ومن ضمنها منطقة ملاباطا. وتراهن السلطات المحلية والمجالس المنتخبة على هذا المحجز لتقديم إجابة هيكلية ومستدامة لمعضلة تؤرق السكان، بما يضمن تعزيز السلامة الصحية والسكينة العامة، ويواكب في الوقت نفسه التطور العمراني السريع والدينامية السياحية التي تشهدها عاصمة البوغاز.