يشارف البحث العلني لمشروع تصميم تهيئة مقاطعة طنجةالمدينة على الإغلاق يوم 27 مارس الجاري، مسجلا تفاعلا محدودا من لدن عموم السكان، مقابل تعبئة ملحوظة للفاعلين العقاريين وهيئات المجتمع المدني المنظمة. وانطلقت هذه المرحلة القانونية في 26 فبراير الماضي، حيث فُتح سجل لتلقي الملاحظات والتعرضات بالمركز الثقافي أحمد بوكماخ، مع إتاحة الوكالة الحضرية لطنجة نسخة إلكترونية للمشروع عبر بوابتها الرسمية لتسهيل ولوج العموم إلى المعطيات المعروضة. وتؤطر هذه الوثيقة التي تعد مرجعنا الزامية الأفراد والإدارة؛ استعمالات الأراضي وتحدد المناطق المخصصة للمرافق العمومية، والمساحات الخضراء، وتصنيف المناطق السكنية والصناعية وشبكات السير والجولان. وتكتسي مقاطعة طنجةالمدينة حساسية بالغة في هذا السياق، نظرا لضمها مناطق تاريخية، وأحياء ذات كثافة تجارية وسياحية كبرى، ومجالات غابوية تتطلب حماية صارمة من الزحف العمراني، مما يجعل كل تغيير في التخصيص المجالي محط تدقيق وتجاذب بين مختلف المتدخلين. ويخضع إخراج هذه الوثيقة لمسار إداري ومؤسساتي دقيق، مؤطر بمقتضيات قانون التعمير رقم 12.90. وتبدأ العملية بمرحلة الإعداد التقني التي تشرف عليها الوكالة الحضرية بتنسيق مع السلطات المحلية (الولاية) والمجالس المنتخبة. وتشهد هذه المرحلة تشخيص الوضع العمراني القائم وتحديد التوجهات المستقبلية للمجال. وتلي ذلك مرحلة استطلاع آراء الإدارات والمؤسسات العمومية ضمن ما يعرف ب"اللجنة التقنية المحلية"، قبل أن تتم إحالة المشروع على أنظار المجلس الجماعي لافتتاح مرحلة البحث العلني، التي تستمر شهرا واحدا، وتعتبر المحطة الأبرز لاختبار التوافق المجتمعي حول الوثيقة. وتستهدف خطوة البحث العلني عرض الوثيقة على المواطنين والفاعلين لإبداء ملاحظاتهم وتقديم تعرضاتهم المكتوبة والمبررة. وبموازاة ذلك، يعقد المجلس الجماعي دورة استثنائية للتداول في المشروع وإبداء رأيه السياسي والتدبيري في مضامينه وفي التعرضات المسجلة. وعقب استيفاء هذه الإجراءات المحلية، يُحال المشروع، مرفقا بسجل التعرضات ومقرر المجلس الجماعي، على أنظار "اللجنة المركزية" بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في العاصمة الرباط. وتتولى هذه اللجنة البت النهائي في التعرضات، والموازنة بين حقوق الملكية الفردية والمصلحة العامة. وتُختتم هذه السيرورة الإدارية بالمصادقة على التصميم عبر مرسوم حكومي ونشره في الجريدة الرسمية، ليصبح ساري المفعول لمدة عشر سنوات. ويفرض القانون آجالا صارمة لإخراج هذه الوثائق لتفادي الفراغ القانوني الذي قد يؤدي إلى تجميد رخص البناء وتوقف المشاريع. وعلى الصعيد الميداني، لم تعكس المؤشرات الأولية إقبالا جماهيريا على مستوى التعرضات في مقاطعة طنجةالمدينة. وتشير المعطيات إلى تسجيل نحو 180 تعرضا فقط إلى حدود 7 مارس، وهو مستوى وُصف بالضعيف نسبيا مقارنة بتجارب إعداد تصاميم التهيئة في مقاطعتي بني مكادة ومغوغة ذواتي الكثافة السكانية المرتفعة. في المقابل، برز حضور المنعشين العقاريين بشكل لافت. وتؤكد مصادر مهنية وجود نقاش محتدم بعد إعادة تصنيف أجزاء من أوعية عقارية ضمن المشروع الجديد إلى مجالات خضراء، أو مناطق ارتفاق غير قابلة للبناء، أو مساحات مخصصة للتجهيزات العمومية الأساسية. ويعتبر مستثمرون أن هذه التغييرات تقيد استثماراتهم في مناطق تتسم بارتفاع القيمة المالية للعقار. ولم يقتصر التفاعل القطاعي على الجانب العقاري، بل شمل هيئات مدنية متخصصة. واعتبر مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة، أن فترة البحث العلني تمثل منعطفا مفصليا لاختبار الشفافية والديمقراطية التشاركية، مطالبا بنشر الوثائق بشكل ميسر وإعداد نسخ مبسطة قابلة للاستيعاب من طرف عموم المواطنين. كما ظهرت مقاربات موضوعاتية قادتها هيئات استشارية. ودعا خبراء وفعاليات مدنية، خلال نشاط نظمته هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بجماعة طنجة، إلى إدماج منظور النوع الاجتماعي في تهيئة الفضاءات الحضرية والخدمات والمرافق. وتؤكد هذه التحركات أن التفاعل في هذه المرحلة اقتصر بالأساس على فاعلين مؤسساتيين ومدنيين يمتلكون أدوات قراءة الوثيقة التعميرية ومساءلة مضامينها التقنية والقانونية. ويتجه البحث العلني، قبل يومين من انقضاء أجله القانوني، إلى تكريس واقع قطاعي. فبينما يدافع المنعشون العقاريون عن مصالح مرتبطة بالتصنيف الاستثماري، تترافع هيئات مدنية من أجل العدالة المجالية، ليبقى الحسم معلقا بما ستسفر عنه مخرجات اللجان المركزية بعد تقييم مجمل التعرضات.