بدأ سوق الكراء في مدينة طنجة، منذ بداية شهر مارس الجاري، في إعادة توجيه جزء كبير من العرض السكني نحو الطلب الموسمي والسياحي. وبدأ وسطاء عقاريون وملاك شقق في سحب العروض المخصصة للإيجار السنوي، في خطوة استباقية للطلب المرتبط بعبور الجالية والسياحة الصيفية لعام 2026. ويأتي هذا التحول المبكر في العرض العقاري مدعوما بمؤشرات رسمية تعكس دينامية الطلب السياحي العام في المملكة. وسجل مرصد السياحة ارتفاعا في عدد الوافدين إلى المغرب عبر المراكز الحدودية بنسبة 12 بالمئة خلال شهري يناير وفبراير من العام 2026. وتعززت هذه الدينامية بتسجيل ارتفاع في مداخيل السفر بالعملة الصعبة بنسبة 19 بالمئة خلال شهر يناير 2026. وتعد هذه الزيادة في المداخيل مؤشرا قويا على حجم الإنفاق السياحي وتوجه القطاع نحو استيعاب مستويات قياسية، مما ينعكس مباشرة على مختلف الخدمات المرتبطة بالسفر، وعلى رأسها الإيواء. وعلى المستوى المحلي، يشكل العبور البحري محركا مباشرا للطلب الموسمي على الإيواء والكراء في طنجة. وأفادت السلطة المينائية لطنجة المتوسط بمرور 3 ملايين و220 ألفا و422 مسافرا، و895 ألفا و341 سيارة خلال العام 2025. وتمثل هذه الأرقام زيادة بنسبة 5.7 بالمئة في عدد المسافرين، و5 بالمئة في عدد السيارات مقارنة بالعام السابق. وتضع هذه الحصيلة البنيات التحتية الخاصة بالإيواء في طنجة، باعتبارها نقطة العبور الرئيسية، أمام ضغط متزايد يتجدد ويدفع الفاعلين لتغيير استراتيجيات العرض استباقا لموسم الصيف. ودخلت السوق العقارية في طنجة عام 2026 على قاعدة نشاط قائم ومستمر. حيث تفيد البيانات المشتركة الصادرة عن بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، بارتفاع أسعار الأصول العقارية في المدينة بنسبة 0.6 بالمئة خلال 2025، وارتفاع المعاملات بنسبة 3.3 بالمئة. وشهد الربع الرابع من 2025 الدينامية الأكبر، بتسجيل زيادة بنسبة 0.9 بالمئة في الأسعار، وارتفاعا ملحوظا بنسبة 15.2 بالمئة في حجم المعاملات، ما يشجع الملاك على البحث عن تعظيم العوائد المالية لأصولهم من خلال التركيز على الإيجار قصير المدى. وفي ظل غياب مؤشر رسمي مباشر ودوري يقيس تطور السومة الكرائية وتفاصيل سوق الإيجار محليا، تبرز قراءة ميدانية تعتمد على عينات من الإعلانات المرصودة، وعدد الطلبات لدى الوسطاء المهنيين، لرصد تحولات السوق. وأكدت وكالات كراء ووسطاء عقاريون الشروع الفعلي في سحب شقق كانت موجهة في الأصل للأسر والعمال بعقود سنوية، وتحويلها إلى شقق مفروشة مخصصة للكراء قصير المدى. ويفضل الكثير من الملاك حاليا تجميد العرض والانتظار بدل توقيع عقود طويلة الأمد. وبدأ وكلاء عقاريون في اختبار أسعار أعلى منذ شهر مارس الجاري، تحسبا للطلب الصيفي. وتتركز هذه المعاينات في أحياء محددة مثل بوخالف، والسواني، ووسط المدينة، ومحيط الكورنيش، حيث يسجل تحول متسارع في طبيعة العرض. وتظهر المقارنات الميدانية لعينة من الإعلانات أن شققا كانت تعرض للإيجار السنوي بسومة تبلغ 4000 درهم شهريا، أصبحت تعرض حاليا بصيغة الكراء اليومي بأسعار تتراوح بين 500 و800 درهم لليلة. ويشير مسيرو شقق مفروشة إلى أن العائد المالي لكراء يومي خلال أيام معدودة، بات يتجاوز دخل كراء شهري منتظم. وانخفضت مدة بقاء الشقق السنوية في السوق بشكل ملحوظ قبل سحبها أو كرائها بالأسعار المعدلة. وسجل وسطاء ميدانيون ارتفاعا في عدد الاتصالات والطلبات اليومية للبحث عن سكن مستقر، في مقابل تراجع واضح في العروض المتاحة، حيث يتم سحب الإعلانات من المنصات المتخصصة في غضون أيام قليلة. وينعكس هذا التحول الاستباقي لسوق الكراء بشكل مباشر على الفئات الباحثة عن سكن دائم في طنجة. وتواجه أسر تبحث عن سكن مستقر صعوبات متزايدة في العثور على عروض تناسب قدرتها الشرائية بالسومة المرجعية التي كانت سائدة. ويشمل هذا الأثر الفوري فئات العمال ذوي الدخل المحدود في المناطق الصناعية، والطلبة، والموظفين الوافدين حديثا، والشباب المقبلين على الزواج، الذين يصطدمون باختلال في التوازن بين العرض والطلب المحلي نتيجة تقليص العرض السنوي لصالح الإيواء الموسمي. ويعيد سوق الكراء في طنجة ترتيب نفسه بشكل منهجي قبل حلول الصيف، حيث يتقلص العرض السكني تدريجيا لصالح الطلب الموسمي المربح. وتساعد الأرقام الرسمية المسجلة في قطاعات السياحة والعبور على تفسير هذه الحركة الاستباقية. ويبقى غياب مؤشر رسمي مباشر لأسعار الكراء عاملا يترك المجال مفتوحا أمام قراءة ميدانية مستمرة، تعتمد على تتبع الإعلانات وتصريحات المهنيين لرصد دينامية سوق سريعة التغير ومحكومة بالطلب الموسمي.