داخل وكالة عقارية صغيرة بوسط مدينة طنجة، يكرر الوسيط العقاري العبارة نفسها للمرة العاشرة منذ الصباح أمام زبائن يغلب عليهم اليأس: "للأسف، لا نملك شققا للكراء السنوي.. الملاك يفضلون السائحين". هذا المشهد بات روتينيا في عاصمة "البوغاز"، التي تشهد تحولا جذريا في سوقها العقاري. فخلف الأبواب الموصدة في وجه الأسر المحلية، تشرع آلاف الشقق أبوابها عبر الهواتف الذكية لزوار عابرين، مدفوعة ب"حمى" التطبيقات الرقمية مثل "إير بي إن بي" التي قلبت موازين العرض والطلب. يقول أحد الوسطاء العقاريين في المدينة، مفضلا عدم ذكر اسمه، وهو يشير إلى شاشة هاتفه المليئة بالإشعارات: "لماذا قد يقبل مالك عقار بفتات شهري، بينما يمكنه جني الثروة في بضعة أيام؟ المعادلة هنا لا ترحم ذوي الدخل المحدود". وتكشف جولة سريعة على تطبيقات الحجز واقعا رقميا يزاحم الواقع المعيشي؛ إذ تحصي البيانات ما يقارب 3282 شقة معروضة للكراء اليومي في طنجة وحدها بين فبراير 2024 وجناير 2025. هنا، يتحول السكن من حق اجتماعي إلى سلعة سياحية بامتياز. بلغة الآلة الحاسبة التي يتقنها المستثمرون الجدد، يبلغ متوسط سعر الليلة الواحدة 617 درهما، وقد يقفز إلى 900 درهم وفق منصات متخصصة. هذا يعني دخلا سنويا يلامس سبعين ألف درهم لشقة مفروشة، وهو رقم يسيل له لعاب الملاك. في المقابل، تبدو سوق الكراء التقليدي "القديمة" باهتة وغير جذابة للمستثمرين. فإيجار شقة عائلية في حي متوسط لا يتجاوز 3400 درهم شهريا، ما يجعل العائد السنوي المضمون، حتى في أفضل الأحوال، لا يغطي نصف ما يمكن جنيه عبر التطبيقات. وتمتد هذه "العدوى" لتصيب المدن الساحلية المجاورة بحدة أكبر. في مرتيل والمضيق، يعيش المستأجرون على إيقاع "التهجير الموسمي". مع اقتراب شهر يونيو، تتحول عقود الكراء إلى حبر على ورق، ويجد المكترون أنفسهم مطالبين بالإخلاء لفسح المجال أمام سياح الصيف الذين يدفعون بسخاء. وتشير شهادات من عين المكان إلى أن هذا الوضع تسبب في قفزة جنونية في الأسعار، ارتفعت معها السومة الكرائية بنسب تراوحت بين 20 و30 بالمائة منذ بداية السنة، وسط عجز تام للأسر عن مسايرة هذا الغلاء. هذا الضجيج القادم من الشمال وصل صداه إلى قبة البرلمان في الرباط. وزير الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، لم يخف قلقه خلال جلسة الاثنين، مقرا بأن "إير بي إن بي" وأخواتها تلتهم العرض السكني. المسؤول الحكومي وضع يده على مكمن داء آخر: البنوك. فالمؤسسات المالية، وفق بن إبراهيم، باتت تفضل تمويل مشاريع "الكراء السياحي" المربحة والسريعة، وتدير ظهرها لمشاريع السكن العائلي، ما يضاعف من حدة الأزمة. وتحاول السلطات اليوم استدراك ما فات عبر التلويح ب"عصا" القانون و"جزرة" الدعم. فمن جهة، يعد بن إبراهيم بمرسوم ينظم فوضى التطبيقات ويمنع تحول الأحياء السكنية إلى فنادق صاخبة، ومن جهة أخرى، يبشر بدراسة لخفض الإيجار بنسبة 20 بالمائة للطبقة المتوسطة، مع صيغة مبتكرة للتملك عبر الادخار. بين وعود الحكومة في الرباط، وواقع "الإشعارات" المستمرة على هواتف الملاك في طنجة، تظل آلاف الأسر معلقة في قاعات انتظار الوكالات العقارية، تبحث عن سقف يأويها بعيدا عن حسابات "الموسم" و"الليلة السياحية".