يتنامى نشاط الكراء اليومي في مدينة طنجة بوتيرة متسارعة الأعوام الأخيرة، في ظل فراغ تنظيمي واضح، ما حول الظاهرة من خيار عرضي إلى مسلك استثماري واسع الانتشار لا يخضع لأي تتبع مؤسساتي أو ضبط عمراني. وقد استقطبت هذه الصيغة عددا متزايدا من الملاك والمستثمرين الصغار الذين يعرضون شققهم وفيلاتهم للكراء المؤقت، مستفيدين من الطلب السياحي الموسمي وإغراءات الربح السريع. غير أن هذا النشاط، الذي يشتغل في الغالب خارج القنوات المنظمة، بات يشكل جزءا موازيا من السوق العقاري، بلا سقف ولا خرائط ولا قواعد واضحة. وتظهر بيانات منصات دولية متخصصة مثل "إير بي إن بي" و"إير دي إن إيه" و"إيربتكس" أن طنجة تضم أكثر من 3300 قائمة نشطة لعروض السكن القصير الأجل، بسعر ليلي متوسط يراوح بين 637 و910 دراهم، بحسب تجهيز الوحدة وموقعها. لكن معدل الإشغال، وفق الأرقام نفسها، لا يتجاوز 47 في المئة، ما يعني أن أكثر من نصف الليالي المعروضة تظل غير محجوزة. وتساهم منصات الإعلانات الموجَّهة للسوق المغربي، من قبيل "أفيتو" و"مبوب"، في تعميق هذا الاتساع الرقمي، عبر نشر مئات العروض اليومية بمستويات تسعير متفاوتة تبدأ من 250 درهما وتصل إلى 4500 درهم لليلة، دون أي إشراف على جودة المعلومة أو ضبط لوتيرة العرض. وفي كثير من الحالات، يُعاد نشر نفس الوحدة مرارا من دون تحديث واقعي للحجوزات أو توثيق للعمليات. وتشير بيانات صادرة خلال 2024 عن "إير دي إن إيه" و"إير رُوي" إلى أن عددا من القوائم المصنفة ضمن الفئة الأضعف أداء لا تُحجز سوى في 16 إلى 20 في المئة من الليالي المعروضة، ما يُفرغ النشاط من مردوديته الحقيقية، ويطرح تساؤلات حول هشاشة النموذج المعتمد لدى كثير من العارضين. ورغم الأثر الملموس لهذا النوع من الكراء على البنية العقارية وعلى الخريطة السكنية داخل المدينة، لا تزال المؤسسات المتدخلة دون استراتيجية واضحة للتنظيم أو للمراقبة. فلا وجود لسجل رسمي يضبط حجم المعروض، ولا أي آلية لإخضاع العروض القصيرة الأجل للترخيص أو التتبع الضريبي، ما يفتح الباب أمام أشكال مختلفة من التملص أو المضاربة. في المقابل، ينعكس هذا الوضع سلبا على السوق الكلاسيكي للكراء طويل الأمد، حيث تتقلص الخيارات المتاحة أمام السكان الدائمين، في وقت تُسحب فيه عشرات الوحدات السكنية من التداول الاعتيادي لتُعرض بأسعار موسمية لا تتناسب مع القدرة الشرائية للسكان، ولا مع منطق التوازن المجالي. وأمام هذه المعطيات، يتجاوز الكراء اليومي في طنجة طبيعته السياحية العابرة، ليأخذ ملامح اقتصاد ظل عقاري، لا يُنتج استقرارا سكنيا، ولا يوفر ربحا مستداما، بل يُضاعف الفوارق ويُفرغ العرض من محتواه الاجتماعي والوظيفي.