لم يعد ملف البنايات الآيلة للسقوط بمدينة تيزنيت مجرد إشكال عمراني مؤجل، بل تحوّل إلى خطر يومي وجريمة صامتة تهدد حياة مئات الأسر داخل المدينة العتيقة، في ظل صمت رسمي مريب وتسويف إداري غير مفهوم، رغم وضوح الأرقام، وجاهزية التقارير، ورصد اعتمادات مالية وُصفت ضخمة. حادث انهيار ممر بزنقة تاكوت، الذي حاصر قاطنيه لساعات دون أي تدخل يُذكر من مصالح الجماعة الترابية، أو العمالة، أو الوقاية المدنية، أو حتى السلطات الأمنية، رغم النداءات المتكررة، لم يكن واقعة معزولة، بل كشف بالملموس هشاشة منظومة التدخل وغياب الجاهزية، وطرح سؤالاً خطيراً: هل أصبحت أرواح ساكنة المدينة العتيقة خارج دائرة الاستعجال؟؟ أرقام رسمية وخطر مضاعف المعطيات تفيد أن المدينة العتيقة بتيزنيت تضم 537 منزلاً آيلاً للسقوط/189 بناية تحتاج إلى هدم كلي منها 64 بناية مأهولة بالسكان تستوجب تدخلاً فورياً وعاجلاً و66 منزلاً فارغاً مهدداً بالانهيار في أية لحظة/و56 بنايةعبارة عن ممرات وأحواش منهارة جزئياً/348 بناية تحتاج إلى هدم جزئي ،هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخطر، بل تؤكد أن المدينة العتيقة تحولت إلى قنابل موقوتة، في انتظار انهيار قد يحصد الأرواح في أية لحظة. الملايير المرصودة... هل صُرفت أم جُمِّدت؟ الأخطر أن هذا الملف لم يكن دون موارد مالية. فقد جرى توقيع اتفاقيات رسمية بين جماعة تيزنيت وكل من وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان والتعمير، سياسة المدينة، والمديرية العامة للجماعات الترابية، بغلاف مالي إجمالي ناهز 3 مليارات و200 مليون سنتيم. وتم الاتفاق على:تكفّل مؤسسات العمران بهدم 348 بناية تحتاج إلى هدم جزئي؛تكفّل جماعة تيزنيت بهدم 189 بناية تحتاج إلى هدم كلي؛مصادقة الجماعة على اتفاقية مع هيئة المهندسين المعماريين لإعداد التصاميم بعد الهدم. غير أن الواقع الميداني يطرح سؤالاً مشروعاً وملحّاً: هل صُرفت هذه الاعتمادات فعلاً في الأغراض التي خُصصت لها؟؟ أم أنها لا تزال مجمّدة في حسابات خاصة؟ أم صُرفت جزئياً دون أن يظهر لها أي أثر على الأرض؟ فإن كانت الأموال قد صُرفت، فمن حق الساكنة والرأي العام معرفة أين صُرفت؟ وكيف؟ ومتى؟وإن كانت لم تُصرف، فإن السؤال الأخطر يصبح: من عطّل التنفيذ؟ ومن يتحمل مسؤولية تجميد مشاريع مرتبطة بحماية الأرواح؟ اجتماعات بلا أثر... وتقارير بلا تنزيل بعد الفاجعة التي شهدتها المدينة العتيقة بفاس، والتي أودت بحياة مواطنين تحت أنقاض عمارة منهارة، يعقد عامل إقليمتيزنيت، عبد الرحمن الجوهري، اجتماعات أسبوعية حول وضعية البنايات الآيلة للسقوط. غير أن واقع المدينة العتيقة يُكذّب نتائج هذه الاجتماعات، ويؤكد أن حدودها لا تتجاوز جدران عمالة الإقليم، دون قرارات جريئة أو تدخلات ميدانية استعجالية، ودون أي أثر ملموس يطمئن الساكنة، التي لم تحصد سوى الخوف والانتظار. من المسؤول قانوناً؟ النص واضح والتقصير ثابت بعيداً عن لغة البلاغات وتقادف المسؤوليات، فإن القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري لا يترك مجالاً للتأويل.فالمادة الثانية تُعرّف المبنى الآيل للسقوط بأنه كل بناية يمكن لانهيارها أن يُشكّل خطراً على الشاغلين أو المارة، وهو توصيف ينطبق حرفياًعلى عشرات البنايات بالمدينة العتيقة. وبموجب المادتين 6 و17، تتحمل الجماعة الترابية المسؤولية المباشرة في إصدار قرارات التدعيم أو الهدم واتخاذ التدابير الاستعجالية، بما فيها الإخلاء أو المنع من الاستعمال أو الهدم الفوري.أما في حالة التقاعس أو الامتناع، فإن المادة 8 تُحمِّل عامل العمالة أو الإقليم مسؤولية التدخل والحلول محل رئيس الجماعة بعد أجل قانوني لا يتعدى سبعة أيام، مع إحالة الملف على القضاء الاستعجالي الذي يبت خلال 48 ساعة.وبالتالي، فإن استمرار وضعية الخطر يجعل المسؤولية مشتركة قانوناً بين رئيس مجلس جماعة تيزنيت؛عاملإقليمتيزنيت؛ وباقي المتدخلين، كلٌّ في حدود اختصاصه. كما تنص المادتان 51 و52 من القانون نفسه على عقوبات حبسية وغرامات مالية في حق كل من ثبت تقصيره أو امتناعه أو تسببه، بالفعل أو بالصمت، في تعريض الأرواح للخطر. هل يتحمّل عامل الإقليم مسؤوليته القانونية والأخلاقية؟؟ أمام هذا الوضع الخطير، يظل السؤال الجوهري الذي تطرحه ساكنة المدينة العتيقة والرأي العام المحلي هو: هل سيتحمل عامل إقليمتيزنيت، عبد الرحمن الجوهري، مسؤوليته القانونية والأخلاقية، بصفته ممثلاً لجلالة الملك وأعلى سلطة ترابية بالإقليم؟فالعامل ليس مجرد منسق للاجتماعات أو مُصدر للنشرات الإدارية، بل هو، بموجب القانون، سلطة قرار وتدخل عندما يثبت الخطر الداهم أو التقاعس عن أداء الواجب.ومن بين الخطوات التي يفرضها هذا الوضع؛الأمر بفتح تحقيق إداري ومالي شفاف حول مآل الميزانية المخصصة للبنايات الآيلة للسقوط؛تحديد ما إذا كانت الاعتمادات قد صُرفت أو جُمِّدت أو صُرفت دون أثر ملموس؛تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات في حق كل من ثبت تقصيره أو تهاونه.غير أن التخوف القائم اليوم هو أن يبقى هذا الملف رهين منطق اللوبيات والتوازنات، وأن تظل الاجتماعات حبيسة الجدران، بينما الخطر قائم ويتفاقم، خصوصاً مع اقتراب فترات مطرية قوية كما تحذر من ذلك النشرات الإنذارية.وحينها، لن يكون الحديث عن الصدفة أو القضاء والقدر مقبولاً، لأن الخطر كان معروفاً، والتقارير كانت جاهزة، والاعتمادات كانت مرصودة.وفي حال استمرار هذا الوضع، فإن عامل الإقليم، بدوره، قد يجد نفسه مساءلاً أمام القانون عن عدم تفعيل الصلاحيات التي يخولها له القانون الجاري به العمل. قبل أن تتحول تيزنيت إلى فاس أخرى ما وقع بزنقة تاكوت ليس سوى جرس إنذار جديد، قد لا يكون الأخير إذا استمر منطق التسويف وتبادل المسؤوليات. فالمدينة العتيقة بتيزنيت تعيش اليوم تحت تهديد دائم، وكل يوم يمر قد يحمل فاجعة جديدة. فهل تنتظر الجهات المسؤولة سقوط ضحايا حتى تتحرك؟ أم أن أرواح ساكنة المدينة العتيقة ستظل مجرد أرقام في تقارير مؤجلة؟