رغم السقوط المدوي أمام الأرسنال... سيدات الجيش الملكي يرفعن راية العرب وإفريقيا في سماء    6 مليارات مشاهدة تُكرّس نسخة المغرب الأكثر متابعة في تاريخ كأس أمم إفريقيا    دوري أبطال أوروبا .. برشلونة يحجز بطاقة ثمن النهائي و ريال مدريد يسقط إلى الملحق    كريستين يشلّ حركة العبور البحري بين إسبانيا وطنجة    مجلس الحسابات يكشف متابعة 154 رئيس جماعة و63 مدير مؤسسة عمومية    رد قانوني حازم من المغرب على اتهامات رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم    بعد تهديدات ترامب لإيران.. وزير الخارجية التركي يؤكد إستعداد طهران لإجراء محادثات حول برنامجها النووي    السلطات ترفع حالة التأهب بعد ارتفاع منسوب وادي اللوكوس    افتتاح السنة القضائية الجديدة بمراكش    من سانتياغو إلى الرباط    غياب أخنوش عن اجتماع العمل الملكي يكرس واقع تصريف الأعمال    سلطات مقريصات تتدخل بشكل عاجل عقب انهيار صخري بالطريق المؤدية إلى وزان    أسلاك كهربائية متساقطة تتسبب في نفوق عجلين بدوار الشاوية بأمزفرون    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    المجلس الأعلى للحسابات: ميزانية سنة 2024: ضغط على النفقات رغم تحسن في الموارد مما استلزم فتح اعتمادات إضافية بقيمة 14 مليار درهم    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    عالم جديد…شرق أوسط جديد    أكاديمية المملكة تُعيد قراءة "مؤتمر البيضاء" في مسار التحرر الإفريقي    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    صعقة كهربائية تنهي حياة شاب ببرشيد    العصبة الاحترافية تقرر تغيير توقيت مباراة اتحاد طنجة والكوكب المراكشي    المجلس الوطني..    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    تدخل ميداني سريع لجماعة مرتيل عقب سقوط أشجارا إثر رياح قوية    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    نشرة إنذارية.. أمطار قوية ورياح عاصفية الأربعاء والخميس بعدد من مناطق المملكة    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    الصين تسجّل 697 مليون عملية دخول وخروج خلال 2025    الاتحاد الإفريقي في ورطة ويبحث عن "مُنقذ" لتنظيم نسخة 2028    المغرب أكبر من هزيمة... والإنجازات أصدق من الضجيج    الجبهة المغربية لدعم فلسطين تعلن انخراطها في يوم عالمي للنضال من أجل الأسرى الفلسطينيين    لأول مرة السيارات الكهربائية تتجاوز مبيعات البنزين        الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط    توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"    الذهب يواصل ارتفاعه الكبير متجاوزا 5200 دولار للمرة الأولى        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحركة الوطنية والتنظير لمصطلح الإسلام الأمازيغي.. أية مقاربة فكرية وسياسية (3)
نشر في العمق المغربي يوم 06 - 05 - 2021

الفنون الامازيغية و دورها في احياء الاسلام الامازيغي بشكل عام
لقد كانت الفنون الامازيغية الاصيلة واحة لابراز قيم الامازيغيين الاسلامية من خلال المعمار الامازيغي الاسلامي و المنتشر في ارجاء شمال افريقيا و جنوب الصحراء الافريقية و اسبانيا الحالية حيث يسمى هذا التراث المعماري الضخم رسميا حتى اليوم بالتراث العربي الاسلامي او التراث الاندلسي الاسلامي ك ان اجدادنا الامازيغيين لم يفعلوا أي شيء طيلة 14 قرن الماضية سوى اشعال الفتن و المشاكل الخ.
ان الفنون الامازيغية الاصيلة هي تعبير سامي على عقلانية المجتمع الامازيغي بين التدين و ممارسة احدى هذه الفنون في القرى الامازيغية في اعيادنا الدينية او عند رجوع احدهم من الديار المقدسة او بمناسبة زفاف احدهم الخ بمعنى ان هذه الفنون تدخل في عاداتنا الاحتفالية بعد الحفل الديني الذي هو عبارة عن قراءة القران الكريم كما وجدناه لدى عائلاتنا منذ طفولتنا .
فن الروايس و دوره احياء الاسلام الامازيغي باختصار شديد
يشرفني ان اتحدث عن هذا المحور باختصار شديد باعتباري باحثا متواضعا في فن الروايس منذ سنة 2006 من خلال مقالات كتبتها و نشرتها في الانترنت داخل المغرب و خارجه و نشرتها في احدى الجرائد المحلية بمدينة اكادير حيث بدات الاستماع الي هذا الفن منذ طفولتي عبر اذاعة اكادير الجهوية سنة 1993 و عبر الاذاعة الامازيغية المركزية ابتداء من صيف 1996 .
و كما وجدت في بيتنا العديد من الاشرطة السمعية و البصرية للكثير من الروايس و الرايسات خصوصا الرايسة المناضلة فاطمة تاباعمرانت و الرايس الكبير احمد اوطالب المزوضي .
وعندما بلغت مرحلة الشباب الواعي بدات اكتشف مدى خدمة فن الروايس للدين الاسلامي، و اكتشفت مدى تهميش السلطة للفنون الامازيغية و اسهاماتها الضخمة في ترسيخ قيمنا الاسلامية.
قبل كل شيء لا بد من تحديث اصل هذا الفن لان فن الروايس ليس اقل شانا من الطرب الاندلسي الذي دخل الينا منذ سقوط اخر معاقل المسلمين بالاندلس عام 1492، بينما فن الروايس فن عريق في بلادنا لقرون غابرة حسب ما قاله الاستاذ الصافي علي مومن في احدى محاضراته سنة 1991 اثر تكريم الرايس المرحوم الحاج احمد امنتاك رحمه الله من طرف الجمعية المغربية للبحث و التبادل الثقافي. حيث قال الأستاذ ان الموسيقى الغنائية السوسية عريقة في التاريخ و لا يعرف بالضبط تاريخ بداية وجودها، و الارجح ان تكون من ابتداع اجداد سكان المنطقة الاصليين و هم حسب راي الاستاذ من الأمازيغ و من افارقة جنوب الصحراء.
أي ان فن الروايس هو الابن الشرعي لهذه الارض منذ قرون طويلة بينما الطرب الاندلسي التي تحتفي به الدولة و تعتني به ليس اصيلا على الاطلاق بل دخل الى المغرب اثر سقوط الاندلس و هجرة اهلها الى مدن فاس و سلا و الرباط حاملين معهم تراثهم المحترم هذا لان الفن بشكل عام هو وعاء نضع فيه قيمنا مهما كانت ابعادها الانسانية و الدينية و كذا الاجتماعية ….
و قد ساهمت ندرة المصادر و الابحاث في جهل الكثير من المغاربة بان فن الروايس له اسهامات قيمة و جوهرية في ترسيخ الدين الاسلامي و نشر ثقافة المقاومة ابان الفترة الاستعمارية ..
ان من الصعب ان اتحدث عن هذا الموضوع الطويل لكنني ساحاول الاختصار بقدر الامكان.
منذ عهد الشاعر و الفقيه سيدي حمو طالب مرورا بعهد الشاعر الكبير الحاج بلعيد و ربما قبلهما كان الدين الاسلامي حاضرا في قصائد الروايس بحكم عدة عوامل اولا ان المجتمع الامازيغي اغلبيته الساحقة تدين بالاسلام .
ثانيا ان اغلب الروايس تخرجوا او تعلموا في المدارس العتيقة كمؤسسات لنشر العلم الشرعي في منطقة سوس .
ثالثا ان المغرب في عهد الرايس الحاج بلعيد كان خاضعا للاحتلال الاجنبي فكان من الطبيعي ان يقاوم المسلمون هذا الوافد الجديد بالسلاح و الكلمة الهادفة و النابعة من شعور الناس الديني الخالص، بمعنى اننا لا نحتاج الى دروس تنطلق من السلفية الدينية لتشرح لنا كيفية الدفاع عن الدين وعن العرض و عن الوطن…
و هناك جانب عظيم في قصائد الروايس الدينية ألا و هو الارشاد و التعريف باركان الاسلام خصوصا ركن الحج، حيث ان هناك عدة قصائد تحمل اسم القصائد الحجازية التي تستحق البحث العميق من طرف باحثينا الشباب كما تستحق العناية من طرف الاعلام بمختلف وسائله السمعية البصرية باعتبارها تراثا مغربيا خالصا يعبر عن هويتنا الاسلامية.
و هذه القصائد تستحق ان تدمج ضمن المقررات الدراسية خصوصا في مادة التربية الاسلامية لاننا ظلنا نتعلم اشعار الاخرين و نجهل أو نتجاهل وجود هذا التراث الديني الامازيغي تحت ذريعة اكاذيب اعداء الامازيغية التاريخيين ..
و اضيف ان القصائد الحجازية تعد كنزا ثمينا و وثائق تاريخية و لها وظائف تستهدف شرح مناسك الحج بشكل تدقيق مثل قصيدة الحاج بلعيد و الحاج المهدي بن امبارك و الحاج عمر واهروش و الحاج محمد البنسير و الحاج الحسين امنتاك و الحاج احمد امنتاك و القائمة مازالت طويلة للغاية.
ان الحديث عن مدرسة الحاج بلعيد الاصيلة هو حديث طويل باعتبار ان هذا الرايس صادف ظروفا سياسية صعبة للغاية مثل وقوع المغرب في ايادي الاستعمارالاجنبي و انطلاق المقاومة المغربية من الجبال و من السهول منذ ما قبل التوقيع على عقد الحماية عام 1912 ، و ما أعقبه من ظهور بوادر ما يسمى بالحركة الوطنية سنة 1930 بعد قمع الاستعمار للمقاومة المسلحة للقبائل.
و هذه الظروف التاريخية هي ما جعلت مدرسة الرايس الحاج بلعيد تنفرد بخصوصيات يمكننا ان نسميها بمدرسة الأصالة المتشبتة بتقاليدنا الامازيغية الاسلامية، حيث انه حاول هذا الشاعرعبر قصائده ايصال و نشر رموز و معاني سامية من وحي مجتمعه المتشبث بالاسلام كدين و كاخلاق و كمبادئ . فكما هو معلوم، فالأمازيغ كيفوا نظامهم المجتمعي بما يراعي مقاصد الدين الاسلامي العليا و يراعي في نفس الوقت ضرورات العصر و أنظمة الأمازيغ الديمقراطية .
فالحاج بلعيد اسس مدرسته الفنية مما راكمه اجدادنا طيلة قرون من تشبثهم بالاسلام و اجتهادهم في جعله يتناسب مع سياقهم الاجتماعي و الثقافي.
و من هذا المنطلق اهتمت مدرسة الحاج بلعيد بالدين الاسلامي باعتباره انسانا متدينا و صوفيا كما أكده جل الباحثين، فقد كان يجالس علماء عهده كما قال الاستاذ محمد مستاوي في كتابه القيم..
كما انتقد احوال المجتمع الفرنسي الاخلاقية من خلال رحلته الشهيرة الى باريس كامازيغي مسلم، و له قصيدة في ذم للخمر و له قصيدة يصف فيها رحلته الحجازية و هي من قصائده الدينية الحاملة لارشاداته الهادفة الى الاسهام في زرع قيمنا الاسلامية المغربية في نفوس مجتمعه المتدين اصلا و في نفوس الاجيال القادمة، بمعنى ان الحاج بلعيد يمثل بالنسبة لي هرم الاغنية الدينية الامازيغية في ذلك الجيل الى جانب اسماء اخرى في فن الروايس، لأن "أمارك ن لدين" أي الاغنية الدينية لدى الروايس هي تعبير سامي لمدى اهتمام امازيغي الجنوب المغربي بالاسلام كمنظومة اخلاقية تم تاسيسها انطلاقا من الذات الهوياتية و ليس انطلاقا من المشرق العربي .
اذن اهتمام مدرسة الحاج بلعيد بالدين و بالوطنية ليس غريبا او مستغربا بل هو شيء طبيعي للغاية بحكم طبيعة هذا المجتمع المتدين و المعادي للاستعمار و قيمه التغريبية، مما سيجعل العاقل و المؤرخ يكذبان افكار اصحاب اكذوبة الظهيرالبربري في الصميم.
فالفنون الامازيغية عموما و فن الروايس خصوصا ساهمت في مقاومة الاستعمار من خلال الاستغلال الايجابي للشعور الديني لدى الناس ليعرفوا ان الاستعمار هو شيء غير مرغوب به في ارضنا الحرة، باعتبارهم مغاربة مسلمين عليهم الدفاع عن شرفهم و عن عرضهم دون انتظار اية نصائح او اية مشاريع ايديولوجية من قبل التيار السلفي المعادي اصلا لقيم الأمازيغ الحقيقية ..
و هناك نموذج آخر هو المرحوم الرايس عمر واهروش كفنان عاصر
عهد الحماية حيث دخل السجن بسبب وطنيته الصادقة من خلال قصيدته "الضابط " الشهيرة في اوائل الخمسينات التي دافع فيها عن استقلال البلاد مثل جل الروايس في تلك المرحلة.
ان الحاج عمر واهروش كان وفيا للشعر الاجتماعي خصوصا الدفاع عن اصالة المجتمع و اصالة المراة الامازيغية المتميزة بوقارها و جهادها من اجل بيتها و اولادها .. و هذه الاصالة لا تعني الجهل او الامية او الخضوع لسلطة دينية تمنعها من ممارسة حقوقها الاجتماعية و السياسية و الفنية..
و من بين ملامح شعر المرحوم الشاعر عمر واهروش، تركيزه على احياء الحكايات الامازيغية او الشعبية كما يحلو للبعض تسميتها بحسن النية او خدمة للايديولوجيات الدخيلة، لان الامازيغية اختزلت لفترة طويلة في اطار شعبي ضيق بينما الحقيقة انها ثقافة عريقة و أصيلة و في تفس الوقت تتبنى قيم الحداثة و المدنية.
و الرايس عمر واهروش استطاع ادراك اهمية الحفاظ على الحكايات الامازيغية باعتبارها تحكي تجارب الاوائل و لو بنوع من الخيال او استعمال بعض الحيوانات كرموز، و لعل حكاية حمو اونامير الشهيرة التي غناها هذا الشاعرتسير في اتجاه الخيال بما تحمله من الدروس و العبرالكثيرة..
يتميز شعر هذا الرايس الديني كونه غزيرا، يهتم بالارشاد و ترسيخ الانتماء الى الاسلام . و من بين قصائده الرائعة، قصيدته حول قصة وفاة رسولنا الاكرم عليه الصلاة و السلام و هذه الاخيرة تعبر عن اهتمام الروايس عامة و واهروش خاصة بتاريخنا الاسلامي، فهذه القصيدة تحكي عما جرى اثناء مرض النبي الاكرم و بعد انتقاله الى رب العالمين من حزن عم المدينة بفقدان صاحب الرسالة الخاتمة لكافة البشرية جمعاء على اختلاف هوياتهم الثقافية و الحضارية.
و اما بالنسبة للمرحوم الشاعر الحاج البنسير فان الحديث عن هذا الهرم من اهرام فن الروايس هو حديث طويل لان الحاج البنسير ترك تراثا غنيا بالدروس و المعاني يجعلنا نشعر بالفخر و الاعتزاز تجاه كل ما هو مغربي اصيل، استطاع ان يتعايش مع الثقافات الوافدة لمئات القرون دون ان يفقد هويته الثقافية ..
فالحاج البنسير اهتم كثيرا بالدين الاسلامي شأنه في ذلك شأن جل الروايس باعتبارهم يحملون ثقافة دينية اصيلة تعلموها في المدارس العتيقة و تعلموها من واقعهم الاجتماعي..
ان هذه الثقافة الدينية الاصيلة جعلت جل الروايس يجتهدون في ايصال رسالة الاسلام عبر قصائدهم الجميلة الى هذا الجمهور العريض و اغلبيته الساحقة لا تعرف اللغة العربية و الدارجة حتى خصوصا في البوادي..
ساعطيكم بعضا من الملامح عن قصائد الحاج البنسير الدينية، ففي موضوع حب الوطن كان يحرص على توعية الجالية المغربية المقيمة بالديار الاوربية بضرورة التمسك بهويتهم الاسلامية و الاستثمار في بلدهم الاصلي و اما بلد الغربة فله اصحابه …
اما موقف الشاعر "الحاج البنسير" من مظاهر الانحلال الاخلاقي فهو موقف صريح حيث نجده في قصيدته الشهيرة "اكرن" أي الدقيق التي أصدرها في اوائل الثمانينات و كان موضوعها الرئيسي هو انتقاد احوال المجتمع الاقتصادية و الاجتماعية و حتى الثقافية في وقت ضرب الجفاف البلد و عم الغلاء بالنسبة للفقراء و الهوامش.
و انتقد كذلك ظهور بعض المظاهرالمزيفة التي يراها في المدن، و التي لا تتناسب مع مفهوم الشرف او مع الاداب العامة، مما دفع المرحوم الى اسداء النصائح للشباب من اجل الزواج من بنات البادية حسب وجهة نظره الخاصة انطلاقا من سياقه الاجتماعي .
يتميز شعر الرايس الحاج لحسن اخطاب بعدة خصوصيات مثل النقد الاجتماعي تجاه المرأة بوجه خاص باعتبارها عنصرا هاما في مجتمعنا المغربي حيث انها تحتل مقام الشرف و العفاف كالام و كالاخت و كالزوجة..
و شعر هذا الرايس تجاه المراة هو محاولة لابراز نظرة المجتمع التقليدية اليها و المختزلة في الاهتمام بشؤون بيتها و طاعة الزوج خصوصا …
و مارس هو الرايس " لحسن اخطاب" شعر "تنضامت" اي الحوار الشعري مع عدد من الرايسات كان موضوعه الرئيسي هو الحياة الزوجية و مشاكلها العديدة كالزواج الفاشل ..
و كما يتطرق الى عدة محاور مرتبطة بالواقع الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع المغربي، بمعنى ان الروايس يحاولون ان يكونوا منابر لنشر التوعية و المعرفة حسب فهم فئات عريضة من هذا المجتمع التي لا تعرف قراءة الجرائد و لا تعرف اللغة العربية و اللغة الفرنسية باعتبارهما لغتي المدرسة و الاعلام في وقت من الاوقات..
و من الملاحظ ان معظم الروايس لهم قصائد التعريف بمناطق الجنوب المغربي من حيث الطبيعة و كرم السكان و الجمال ..
و من الملاحظ حرصهم على ابراز خصوصيات مناطقهم الثقافية و الدينية كالتبرك باولياء الله الصالحين و الشرفاء كما يقولون، و هذا يعكس ان الروايس مارسوا بقصد او بدونه وظيفة تقديس هؤلاء الاشخاص.
ان الرايس لحسن اخطاب له قصيدة جميلة رحل فيها الى ربوع الجنوب المغربي او "تميزار ن امازيغن" و قد استحضر فيها كل ما تتميز هذه الربوع من الطبيعة و كرم السكان و التبرك باولياء الله الصالحين و الشرفاء كما يقال ..
ان القصيدة الدينية لدى الروايس استطاعت التطرق الى الكثير من المحاور كمحور المراة في نطاق الدين حيث وجدنا نماذج كثيرة من الروايس و الرايسات حاولوا الاشتغال على هذا النطاق، منطلقين من ضرورة حفاظ المراة على اصالتها بمعنى الحجاب كرمز العفاف و الشرف في فترة تاريخية معينة من تاريخنا المعاصر..
لعل دور الرايسة الكبيرة فاطمة تاباعمرانت هو دور جوهري في الفن الامازيغي بشكل عام حيث انها تعاملت مع الغناء كرسالة نبيلة تستهدف نشر الوعي الاسلامي ببعده الواقعي و الرافض لاية وصاية من طرف حراس التقليد السلفي ببلادنا ببعده الوطني كالحركة الوطنية و ببعده الدخيل كالوهابية و الاخوانية
إن الوعي الاسلامي لدى تاباعمرانت ينطلق من هموم المجتمع الاخلاقية و الاجتماعية حيث يحاول تصحيح المسار و تعزيز مكانة المراة الامازيغية و جعلها تقوم بوظائفها الكاملة دون التخلي عن قيم المجتمع المحافظ بمعناها الايجابي بالنسبة لي .
و هذا لن يتحقق الا بمحاربة الجهل و الامية من خلال تشجيع تعليم الفتاة و المراة خصوصا في الوسط القروي ففي إحدى قصائدها الصادرة سنة 1999 شرحت لنا الواقع القائم في جل البوادي الأمازيغية وقتها حيث يترك اغلبية الرجال زوجاتهم في هذه البوادي و يذهبون الى عملهم داخل الوطن او خارجه، و قد يستغرق غيابهم عن زوجاتهم سنة او اقل من ذلك.
في الماضي كانت وسيلة التواصل بين هؤلاء هي الرسائل عن طريق البريد غير ان هناك مشكلة تتمثل في الزوجة التي لا تعرف القراءة و بالتالي فانها مجبرة للذهاب الى فقيه المسجد لمعرفة مضمون رسالة زوجها حيث ان هذه الرسالة قد تتضمن اسرار حياتهم الزوجية و اسرار البيت ..
و لهذا السبب دعت تاباعمرانت النساء الى تعلم القراءة انذاك من اجل الخروج من الجهل الى النور ثم انتقلت الى طرح الحل النهائي لأمية المرأة و هو أن يتم تعليمها بلغتها الأمازيغية كتابة و قراءة.
ان القيم الاسلامية في شعر تاباعمرانت الديني هي كثيرة مثل ذكر اسماء الله الحسنى و مدح خاتم الانبياء و المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ثم ترسيخ الانتماء الى الاسلام كدين اغلبية المغاربة منذ 14 قرنا و تشجيع الاجتهاد المساير لروح العصر و مع خصوصياتنا الهوياتية .
و من هذا المنطلق شنت فاطمة تاباعمرانت هجوما في قصيدتها الرائعة " بابا يوبا سنة 2006 على ما اتذكره حيال دعاة الفكر السلفي الدخيل علينا حيث وصفتهم دعاة التكفير و التحريم تجاه خصوصيات الثقافة الامازيغية الاسلامية كما اسميها من خلال محاربتهم لتقاليدنا و لمواسمنا الدينية او"انموكارن" ..
ان أي شعب في عالم اليوم لا يمكنه العيش بدون تراثه الثقافي و اللغوي امام العولمة الآتية من الغرب او من الشرق على حد السواء.
و تريد الشاعرة تاباعمرانت من خلال هذه القصيدة اخبارنا انذاك بان هناك خطرا حقيقيا مازال يهدد ثقافتنا الام تحت غطاء الدين الاسلامي الذي ظل وسيلة لقمع السؤال الامازيغي و تعريب المحيط بشكل قسري حيث وقتها لم تظهر ظاهرة فقهاء الاسلام السياسي بشكل قوي و فاحش في منطقة سوس الكبير كما هو الحال اليوم .
من خلال استجواباتها العديدة مع الاذاعات الوطنية او القنوات التلفزيونية عبرت فاطمة تاباعمرانت عن ارائها باسلوب راقي يظهر مدى وعيها الحضاري و الثقافي بمقارنة مع بعض الروايس الذين لا يحسنون الكلام خصوصا امام الكاميرا حيث ربما بسبب عامل السن او عامل امية بعضهم او عامل تهميش الروايس تلفزيونيا لعقود طويلة من الزمان.
و من بين اراء تاباعمرانت الشخصية رأيها حول ضرورة حفاظ الفنانات الامازيغيات على ملابسهن التقليدية لان مجتمعنا يتميز بنوع من الوقار و الاحترام و هذا الراي حسب نظري المتواضع ينطلق من قيمنا الاسلامية الداعية الى الستر و احترام الجمهور العريض الخ من هذه الضوابط الاخلاقية في مجتمعنا المحافظ اصلا .
و نستطيع القول ان مدرسة فاطمة تاباعمرانت الاصيلة لا تريد للفن الامازيغي ان يسلك طريق التمييع و غياب المضمون الشعري و الحامل لهموم المجتمع الحقيقية..
و هذا لا يعني ان تاباعمرانت ترفض فن المجموعات العصرية الامازيغية لكنها ترفض ان يتحول الفن الامازيغي الى فن تجاري و الى اشياء اخرى ستساهم دون شك في تشويه هذا الفن و نفي صفة الاصالة عنه ...
ان هذا المقال المتواضع هو على سبيل الاختصار بقدر الامكان لان الفنون الامازيغية الاصيلة من قبيل فن احواش و فن الروايس الخ من هذه الفنون هي واحة كبيرة للتدين و الارشاد الى قيم الخير و الجمال و ليس واحة للفساد و الفجور كما يحاول فقهاء الاسلام السياسي ترسيخه في عقول عامة الناس الان عبر مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تكوين وعي جمعي مناهض لهذه الفنون خصوصا و لهويتنا الام عموما .
للحديث بقية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.