المعرض الدولي للفلاحة بباريس.. السيد البواري يتباحث مع وزيرة الفلاحة الفرنسية        الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.. الجدول النهائي للميداليات    مدرب جيرونا يؤكد جاهزية أوناحي    لبؤات الأطلس في معسكر إعدادي استعدادا لكأس إفريقيا    المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني يقرر منح ترقية استثنائية لفائدة شهداء الواجب الذين قضوا جراء حادثة سي بضواحي مدينة سيدي إفني    أرض احتضنتنا.. فهل نحترم نظامها؟    أمل تيزنيت يواصل نزيف النقاط وشكيليط مطالب بإيجاد الحلول    أولمبيك آسفي ينهي ارتباطه بزكرياء عبوب    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الإثنين    ين قصر إيش والفياضانات: رمضان يجمع الألم والأمل    فيضان القصر الكبير : "قفة سيدنا" ليست كباقي القفف…(1)    فلوريدا تحتضن مفاوضات حاسمة حول الصحراء المغربية            الملك يراسل ولي العهد السعودي    بعد تسعة أيام على اختفائها.. العثور على جثة الطفلة هبة ببحيرة بين الويدان        تحذير من تسجيل المكالمات الهاتفية دون موافقة مسبقة    ارتفاع أسعار اللحوم يسائل الحكومة حول جدوى الإعفاءات الضريبية    مديرو المؤسسات التعليمية يقاطعون تكوينات مشروع "المؤسسة المندمج" ويحرجون الوزير برادة        استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة: إسرائيل تقتل يومياً خمسة فلسطينيين وتصيب 12 آخرين منذ وقف إطلاق النار    أولمبياد 2026.. الصينية إيلين غو تُحرز ذهبية "نصف أنبوب" في التزلج الحر        الترويض الإعلامي    دراسة: تعرض الرضع للشاشات لفترات طويلة يؤثر على نمو الدماغ    مواعيد    فرنسا تستدعي السفير الأمريكي على خلفية موقف واشنطن من مقتل الناشط في اليمين المتطرف كونتان دورانك    "ناسا" تؤجل أول رحلة مأهولة إلى القمر بسبب خلل تقني    أولمبيك آسفي يتحرك لتعويض عبوب    تنديد عربي حاد بتصريحات سفير أمريكا في تل أبيب بشأن "إسرائيل الكبرى" في الشرق الأوسط    السلطات الماليزية توقف رجلاً زعم لقاء الأنبياء في سيلانجور    تأييد استئنافي لأحكام بالسجن النافذ في حق متابعين على خلفية أحداث إمزورن    مهاجرون غير نظاميين يثيرون القلق في مدشر بني مزالة... والسكان يطالبون بتدخل عاجل    عرض رفات القديس فرنسيس في إيطاليا    صيباري يساهم في فوز آيندهوفن بثلاثية ويعزز صدارته للدوري الهولندي    لولا لترامب: لا نريد حربا باردة جديدة    قصف باكستاني يخلف قتلى بأفغانستان    متى يكون الصداع بعد السقوط مؤشرًا لارتجاج المخ؟    النقابة الوطنية لوكالة التنمية الاجتماعية تراسل الوزيرة بشأن "فضيحة ريع إداري" وتتهم الإدارة بتفصيل منصب على المقاس    علماء يطورون لقاحًا شاملاً ضد نزلات البرد والإنفلونزا و"كوفيد-19″    شبيبة "البام" تتعهد بمحاربة العزوف السياسي وفتح الأبواب أمام الطاقات الشابة    إنفوغرافيك | أرقام رسمية.. انخفاض الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0,8% خلال يناير 2026    الدراما الحسّانية تحضر بقوة في رمضان عبر مسلسل "سوق أتاي" على قناة العيون    الدرك الملكي يحجز مخدرات بالجديدة    الاهتمام بسؤال الهوية    عمرو خالد: الضحى والشرح والرحمن .. توليفة من القرآن لتخفيف الأحزان    انخفاض مفرغات الصيد البحري بميناء الصويرة    رحيل الفنان المغربي إسماعيل أبو القناطر عن عمر ناهز 69 سنة        "مطارات المغرب" تطلق حملتها الجديدة "لننطلق"    هيئة ضبط الكهرباء تحدد تعريفة فائض الإنتاج ابتداء من شهر مارس المقبل    إسماعيل أبو القناطر في ذمة الله بعد صراع مع المرض    القنوات الوطنية تهيمن على نسب المشاهدة في رمضان 2026 ب70.4%    جمعية الفردوس تنظم المهرجان الوطني للطفل والناشئة بجهة الدار البيضاء–سطات        للحفاظ على جودة العلاجات في طب العيون بالمغرب.. يوم وطني للتشاور ببوزنيقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جبل طارق.. هل يُجدد حروب المَمَالِك الثلاث بين إسبانيا وبريطانيا والمغرب؟
نشر في القناة يوم 08 - 05 - 2019

منتصف شهر فبراير 2019، مرت وكالات الأنباء الدولية ومعها بعض القنوات الفضائية مرور الكرام على مناوشات عسكرية خاطفة شهدتها إحدى أكثر النقاط حيوية في الجيوسياسة الدولية، وهي مضيق جبل طارق.
ففي صبيحة يوم الأحد 17 فبراير، كان سلاح البحريتين البريطانية والإسبانية يشهر مدافعه مبديا جاهزيته الكاملة لإطلاق النار في واحدة من أقصر المواجهات العسكرية وأكثرها إثارة.
سفينة حربية تابعة للبحرية الإسبانية تقدمت نحو شبه جزيرة جبل طارق الخاضعة للسيادة البريطانية، وأعلَنت سواحلَ هذه الصخرة المتمتعة بموقع إستراتيجي مياهاً إقليمية إسبانية، آمرة السفن التجارية الراسية قرب جبل طارق بالمغادرة فورا.
حينها نشرت وكالة الأنباء البريطانية "بريس أسوسيشن" قصاصة تفيد بإقدام البحرية البريطانية على نشر سفنها الحربية قرب موقع رسو السفينة الإسبانية المهاجمة، وأشهرت بدورها أسلحتها، وطلبت من السفن التجارية عدم التحرك من مكانها، في إشارة صريحة إلى استعداد الجيش البريطاني إعلان الحرب إذا أقدمت السفينة العسكرية الإسبانية على الهجوم.
"هناك قيمة مزعجة فقط لهذه الألعاب الحمقاء التي يقوم بها أولئك الذين لا يقبلون بالسيادة البريطانية التي لا شك فيها على المياه المحيطة بجبل طارق كما يعترف بها العالم كله في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار"، هذا ما نقلته الوكالة البريطانية عن المتحدث باسم الحكومة المحلية لجبل طارق.
حرب البريكست
فجّر هذا الحادث موضوعا ظلّ يعتمل في كواليس السياسة الأوروبية منذ إعلان نتائج الاستفتاء البريطاني الذي رجّح كفة انسحاب المملكة من الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو 2016. فمشروع الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي أعاد إلى الواجهة المطالب التاريخية لإسبانيا إزاء السيادة على هذه الصخرة المرتبطة جغرافيا بالتراب الإسباني، والخاضعة عمليا للسيطرة البريطانية منذ ثلاثة قرون.
فمنذ إعلان نتيجة الاستفتاء البريطاني، أبدت إسبانيا إصراراً على استثناء جبل طارق من أي اتفاق يبرم بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لتفعيل خيار الانسحاب. وأعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز نية بلاده إحياء مطلبها القديم بتقاسم السيادة على هذا الإقليم مع بريطانيا مباشرة بعد انسحاب هذه الأخيرة من الاتحاد الأوربي.
وتمت ترجمة هذا الموقف الإسباني إلى تلويح باستعمال الفيتو ضد أي اتفاق أوروبي بريطاني ما لم تقدم لندن التزاما مكتوبا يعترف بالوضع الاستثنائي لصخرة جبل طارق، وهو مطلب رضخت له رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في القمة الأوروبية التي انعقدت في نوفمبر 2018 للتصديق على اتفاق الانسحاب.
الدول ال27 المشكلة للاتحاد الأوروبي إلى جانب بريطانيا، وقّعت إعلانا رسميا يدعم الموقف الإسباني وصف جبل طارق بالمستعمرة، وربط أي اتفاق مستقبلي بشأن الوضع الاقتصادي لهذا الإقليم بموافقة مدريد.
الصخرة الثمينة
يتعلّق الأمر بشبه جزيرة عبارة عن جبل، وهو ما يفسّر وصفها بالصخرة، بمساحة إجمالية لا تتجاوز سبعة كيلومترات مربعة. يمتد هذا الإقليم في عرض البحر الأبيض المتوسط، في موقع يقابل مدينة سبتة المغربية التي تحتلها إسبانيا.
كانت هذه الصخرة محور صراعات وحروب كثيرة عبر التاريخ، وهي تحمل اسم القائد الإسلامي المغربي طارق بن زياد الذي كان على رأس جيش الدولة الأموية عبر البحر المتوسط ليحقق فتوحات في ضفته الشمالية.
ومنذ وصول هذا الجيش الإسلامي إلى الصخرة عام 711 ميلادية، فقدت اسمها الروماني القديم "مونتي كالبي"، لتحمل اسم القائد العسكري المغربية.
وعمليا انتهت حروب الاسترداد التي خاضها المسيحيون ضد الوجود الإسلامي في الأندلس بسيطرة مملكة قشتالة على جبل طارق في بداية القرن ال14، ولم تفلح الهجمات وعمليات الحصار المتعاقبة التي قام بها المسلمون في استعادة هذه الصخرة.
بل إن سقوط جبل طارق كان مقدمة لانتقال الإسبان إلى مرحلة استهداف السواحل الشمالية للمغرب في إطار حربهم الشاملة على المسلمين، وهو ما أدى إلى احتلال مدينة مليلية عام 1496، وتبعها تسليم مدينة سبتة من طرف البرتغاليين للإسبان سنة 1580.ب
موقع إستراتيجي
تكمن الأهمية الإستراتيجية للإقليم المتنازع عليه أساسا في موقعه المطل على المضيق البحري الفاصل بين القارتين الأوروبية والأفريقية، والبحرين المتوسط والأطلسي، أي أنه يربط في الوقت نفسه بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب.
وتزداد أهمية مضيق جبل طارق مع ازدياد حركة التجارة العالمية وحرص الدول الكبرى على حماية مصالحها الإستراتيجية. وتتجلى أهمية المضيق في كون استعمار المغرب من طرف كل من فرنسا وإسبانيا في بداية القرن العشرين لم يكن كافيا، حيث فُرض على مدينة طنجة المطلة على المضيق وضع قانوني خاص جعلها منطقة دولية.
أكثر من 100 ألف سفينة شحن تجارية تعبر هذا المضيق سنويا، وتتركز في جنباته عدد من القواعد العسكرية. وتكفي الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك منذ 1960 قاعدة عسكرية قريبة من المضيق هي قاعدة "روتا" التي تعتبر بوابة عبور الأساطيل العسكرية الأمريكية نحو البحر الأبيض المتوسط.
مملكة ثالثة تتنازع الصخرة
ما أغفلته جل التقارير الإعلامية والتحليلات المرتبطة بهذا الملف الحساس، هو أن مسألة السيادة على صخرة جبل طارق تهم ثلاث مملكات ولا تنحصر بين التاجين الإسباني والبريطاني.
فالمملكة المغربية الواقعة على بعد أقل من 14 كيلومترا من الصخرة المتمتعة بالحكم الذاتي تَرهن أي تغيير لوضعية الإقليم بفتح ملف مطالبها الخاصة باسترجاع سيادتها على مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين شمال المغرب والمحتلتين من طرف إسبانيا منذ قرون.
وفي عز المواجهة الدبلوماسية الحامية التي دارت بين إسبانيا وبريطانيا على خلفية التحضير لاتفاق البريكست، سارعت أصواتٌ بريطانية إلى إثارة تناقض الموقف الإسباني حين تُطالب مدريد بالسيادة على جبل طارق بمبرر اتصاله جغرافيا بأراضيها بينما ترفض الإنصات لمطالب المغرب بخصوص مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. وها هي صحيفة "غارديان" البريطانية تعود لتذكر بموقف قديم يعود إلى الثمانينيات يربط بين فتح ملف جبل طارق وبين وضع المدينتين المغربيتين المحتلتين.
والمبرر الرسمي الذي ظلّت السلطات المغربية تقدمه أمام شعبها لتفسير سكوتها عن استرجاع المدينتين المستعمَرتين، كان ومنذ أكثر من ثلاثين عاما هو انتظار تفاهم المملكتين الإسبانية والبريطانية على صخرة جبل طارق، وذلك لكون انتقال السيادة على هذه الأخيرة من لندن إلى مدريد يعني حتمية استرجاع المغرب لمدينتيه المستعمَرتين.
مبدأ المضيق المفتوح
لا تكشف المصادر التاريخية والدبلوماسية المنشورة حتى الآن عن أي اتفاق رسمي أو معاهدة دولية تتضمن هذا الارتباط بين مصير جبل طارق ومدينتي سبتة ومليلية المغربيتين، لكنّ مبدأً شبه راسخٍ في السياسة الدولية تجاه مضيق جبل طارق يفيد باستحالة قبول الدول الكبرى وقوع هذا المضيق الحيوي تحت سيطرة دولة واحدة، وهو ما سيحصل إذا تسلّمت إسبانيا صخرة جبل طارق واحتفظت في الوقت نفسه بالسيادة على مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين في الضفة الجنوبية للمضيق.
وهذا المبدأ يجعل أي معركة عسكرية تدور لتغيير الوضع القائم في هذا المضيق البحري ومحيطه؛ ثلاثية على الأقل، إن لم تتحوّل إلى حرب متعددة الأطراف، حيث يحتفظ المغرب بمطالب حيوية تتجاوز مدينتي سبتة ومليلية إلى العديد من الجزر المقابلة لسواحله الشمالية والخاضعة للسيطرة الإسبانية.
"طارق" مقابل سبتة ومليلية
كانت فكرة ربط المغرب أي محاولة لنقل جبل طارق من السيادة البريطانية إلى نظيرتها الإسبانية باسترجاع أراضيه المحتلة في الشمال؛ أشبه بالحكاية الشعبية التي تتناقلها الألسن شفاهيا، إلى أن نشر المتحف الوطني البريطاني عام 2013 نص وثيقة سرية هي عبارة عن مراسلة من مستشار الشؤون الخارجية لدى رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، نقلا عن الملك الإسباني السابق خوان كارلوس.
الوثيقة التي تعود إلى العام 1982، ينقل فيها المستشار البريطاني عن الملك الإسباني قوله إنه تلقى تهديدات من نظيره المغربي الحسن الثاني بتحريك مطالبه التاريخية في مدينتي سبتة ومليلية إذا استرجعت مدريد شبه جزيرة جبل طارق. ويقول خوان كارلوس في رسالته إنه يأخذ الأمر على محمل الجد، وذلك في وقت كانت إسبانيا تمضي في خطواتها الأولى نحو الديمقراطية والنهوض الاقتصادي.
وتتضمن الوثيقة -التي بقيت سرية طيلة ثلاثين عاما- بوح العاهل الإسباني السابق بيقينه في كون حلّ مسألة جبل طارق تتطلّب وقتا طويلا نظرا لحاجة مدريد إلى تحسين صورتها لدى سكان هذا الإقليم، ثم بسبب المطالب المغربية التي تُعقّد مهمة إسبانيا.
وهناك وثيقة أخرى نشرت بشكل شبه متزامن لانتمائها إلى الحقبة نفسها، وهي عبارة عن تقرير لوزير الخارجية البريطاني فرانسيس بيم يقول فيه إنه تطرق إلى الموضوع مع نظيره الإسباني، وتضمن ملاحظة بقلم حبر أسود خَطّتها مارغريت تاتشر جاء فيها: "لا يمكن أن نناقش مسألة السيادة. بإمكانهم (الإسبان) طرح الموضوع، لكننا لن نقوم بأكثر من الإنصات.
السياق الذي أتت فيه تلك الوثائق البريطانية التي رُفعت عنها السرية بانصرام الأجل القانوني؛ يتمثل في أن صخرة جبل طارق كانت تخضع لمقاطعة إسبانيا منذ منتصف الستينيات حين قرر الدكتاتور الإسباني السابق الجنرال فرانكو إغلاق الحدود البرية التي تربط الإقليم بباقي التراب الإسباني، وذلك في مقابل الفيتو الذي كانت بريطانيا تشهره ضد انضمام إسبانيا للاتحاد الأوروبي بسبب نظامها الدكتاتوري.
وكانت بريطانيا التي اتسم انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي بصعوبات كبيرة، تفاوض دائما لضمان مكاسب على الكثير من الأصعدة، وكان منها ضمان استفادة إقليم جبل طارق من الاندماج الأوروبي، حيث كانت إسبانيا التي لن تلتحق بالاتحاد إلا عام 1986 تحتاج إلى تسوية خلافها القديم مع بريطانيا، وهو ما تُوّج بما يعرف بإعلان لشبونة عام 1980، حيث اتفق وزيرا خارجية المملكتين على فتح مشاورات بشأن الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة.
وتوّجت الاتصالات المكثفة التي خاضتها المملكتان الأوروبيتان باتفاق قضى بالشروع في مفاوضات رسمية في أبريل 1982، حيث كان الانتقال الديمقراطي في إسبانيا عاملا مشجعا لينص على إمكانية منح الأقاليم حكما ذاتيا، ولما أبدته إسبانيا من استعداد لمنح بريطانيا حق الاحتفاظ بوجود عسكري في الإقليم. لكن التحولات السياسية الداخلية لكلا البلدين حالت دون تفعيل ذلك الاتفاق، وإجهاض فكرة المفاوضات المباشرة.
عودة المطالب المغربية
وكان الملك الراحل الحسن الثاني في الحقيقة يجهر بهذا الربط بين مصير صخرة جبل طارق ومدينتي سبتة ومليلية، فقد قال في تصريح له عشية زيارته على إسبانيا في أبريل 1987: إنكم "تطالبون بجبل طارق لأنه على الأرض الإسبانية، وسنظل نطالب بمغربية سبتة ومليلية لأنهما على أرض مغربية".
وهذا الربط بين مصير جبل طارق والمدينتين المغربيتين لا يقنع الجميع في المغرب، خاصة الأصوات المعارضة التي تشك في وجود توافقات سرية ألزمت المغرب بالسكوت عن مطالبه الترابية على هامش اتفاقية مدريد 1976 التي استرجع بموجبها جزءا من أراضيه الجنوبية في الصحراء من إسبانيا.
وتشير مصادر دبلوماسية وأكاديمية إلى إلزام المغرب بعدم المطالبة بمدينتيه طيلة عشر سنوات بعد اتفاقية مدريد بشأن الصحراء.
وفي الواقع عادت المطالب المغربية بخصوص المدينتين لتزاحم الضغوط الإسبانية على بريطانيا بخصوص جبل طارق، مباشرة بعد توقف حرب الصحراء بين المغرب وجبهة البوليساريو بداية التسعينيات.
وبلغ التوتر إزاء هذا الموضوع درجة دق طبول الحرب بين البلدين في الأيام الأخيرة من حياة الملك الحسن الثاني. فرئيس الوزراء الإسباني اليميني السابق خوسيه ماريا أزنار قال في عام 1998 للملك الحسن الثاني إنه إذا قرر المغرب الدخول في حرب مع إسبانيا من أجل الحصول على سبتة ومليلية، فإنه سيخسر.
بريطانيا توظف المطالب المغربية
في المقابل تحرص بريطانيا دائما على استمالة المغرب لإثارة مطالبه التاريخية في استرجاع مدينتي سبتة ومليلية، وبالتالي تحقيق التوازن مع المطالب الإسبانية في جبل طارق. وبرزت أوضح تجليات هذا الحرص البريطاني على إبقاء المغرب في "صفها" في العام 1972، حين تعرّض ملك المغرب الحسن الثاني لمحاولة انقلاب عبر استهداف طائرته، وفرار المنفذين نحو صخرة جبل طارق.
وكشف جزء من الأرشيف السري البريطاني الذي رفعت عنه السرية بعد انصرام مدة الثلاثين عاما التي ينص عليها القانون، كيف أن لندن لم تتردّد في التعاون مع الملك الراحل، وتسليم الضباط العسكريين الذين حاولوا بنيران مقاتلاتهم إسقاط طائرته العائدة حينذاك من زيارة للخارج.
ويتعلّق الأمر بما يُعرف في المغرب ب"انقلاب الطائرة" التي جرت في 16 غشت 1972، حيث فشل طيارون مغاربة في إسقاط طائرة الملك المدنية العائدة من برشلونة الإسبانية، وهو ما دفع بعضهم إلى الفرار على متن مقاتلاتهم نحو جبل طارق، طالبين اللجوء السياسي.
وتكشف الوثائق السرية البريطانية التي خرجت من السرية تلقي حاكم الإقليم تعليمات صارمة من لندن بعدم منح اللجوء السياسي للضابط محمد أمقران وتسليمه للسلطات المغربية.
وعزت التبريرات الرسمية التي لفّت بها السلطات البريطانية قرارها، إلى أن منح اللجوء السياسي للمنقلبين على ملك المغرب "لا يخدم المصلحة العامة"، ويمكن أن نقرأ بين السطور حرصا بريطانيا على الاحتفاظ بورقة المطالب المغربية ضد إسبانيا في مواجهة مطالب هذه الأخيرة في جبل طارق.
الصراع الموروث
التنافس على بسط السيادة على مضيق جبل طارق كان أحد أهم رهانات مرحلة انتقال المُلك من الملك الحسن الثاني إلى ابنه الملك محمد السادس. فالحكومة اليمينية التي كانت تقود الحكومة الإسبانية في تلك الفترة هي نفسها التي كادت تفجّر حربا مدمرة مع المغرب في السنوات الأولى لحكم الملك الجديد، وذلك بسبب الخلاف على جزيرة صغيرة غير مأهولة تسمى "جزيرة ليلى".
وتحوّل التوتّر في العلاقات مع إسبانيا -الذي ميّز اعتلاء الملك محمد السادس العرش عام 1999- إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين المملكتين صيف العام 2002 تطلّبت تدخّلا مباشرا من الخارجية الأمريكية في شخص وزير الخارجية حينها كولن باول لنزع فتيل المواجهة.
فإقدام المغرب على إرسال بضعة عناصر عسكرية إلى جزيرة غير مأهولة قرب مدينة سبتة المحتلة دفع مدريد إلى القيام باستعراض مثير للقوة، حيث قامت بإنزال قواتها في الجزيرة واقتياد العناصر العسكرية المغربية مقيّدة تحت الأسر.
ويدرج خبراء الشؤون الإستراتيجية هذه المعركة العسكرية التي كادت تتحول إلى حرب، في إطار الصراع على مراقبة مضيق جبل طارق ومستقبل رسم الحدود البحرية فيه. وكتب الوزير المتحدث باسم الحكومة المغربية الحالية مصطفى الخلفي عام 2002 مقالا تحليليا بصفته الأكاديمية، قال فيه إن من أسباب الغضب الإسباني دخول المغرب في إنجاز مشاريع إستراتيجية على الواجهة البحرية المقابلة للمضيق، منها ميناء طنجة المتوسطي الذي يعتبر الأكبر في أفريقيا، والذي أضعف القيمة التجارية لميناء سبتة المحتلة، "كما أن الميناء المقرر إنشاؤه في المجال البحري القريب من جزيرة ليلى، سيؤدي إلى خلق توازن إزاء الضبط الإسباني لمضيق جبل طارق".
معركة الملوك الثلاثة الثانية
انفلات التوازن الهش القائم في مضيق جبل طارق نحو مواجهة مسلحة في يوم من الأيام، لن يفضي إلى حرب ثنائية فقط بين المملكتين الإسبانية والبريطانية، بل قد يؤدي إلى نشوب حرب "ملوك ثلاثة"، في تكرار لمعركة شهيرة تُلقّب بمعركة "وادي المخازن"، وشهدت مقتل ثلاثة ملوك هم كل من السلطان السعدي المغربي عبد المالك، وغريمه الذي كان يسعى إلى استعادة العرش المغربي منه السلطان عبد المتوكل الملقب ب"المسلوخ"، إلى جانب الملك البرتغالي سباستيان الأول الذي كانت نهاية مملكته في هذه المعركة التي جرت سنة 1578، شمال المغرب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.