لم تكن بطولة كأس العرب مجرد موعد رياضي يعيد توزيع الشغف بين الجماهير العربية، بل وُلدت في شكلها الجديد برعاية الفيفا وهي تحمل آمالا كبيرة في أن تتحول إلى فضاء للتقارب وورشة صغيرة، لكنها رمزية، لاختبار ما تبقى من الروابط المشتركة بين شعوب المنطقة. غير أن حرارة المنافسة لم تبقَ أسيرة المستطيل الأخضر، وسرعان ما تمددت إلى فضاءات أخرى أقل انضباطا، منصات التواصل الاجتماعي. في الساعات التي تلت مباريات الدور الأول، بدأ المشهد ينحرف تدريجيا. كتلة ضخمة من المقاطع المصورة والهاشتاغات المسيئة اجتاحت تويتر وتيك توك وفيسبوك، وتحولت إلى مادة يومية يتداولها المستخدمون بين سخرية صريحة وتهكم جارح. الجماهير التي كان يفترض أن توحدها اللعبة وجدت نفسها أمام سيل من المنشورات التي تستحضر النعرات القديمة، وتحول الهزائم والانتصارات إلى مادة للشماتة والانتقاص.
كانت البداية بمقاطع قصيرة لجماهير تهتف ضد أخرى، فانتشرت بسرعة البرق عبر الحسابات المؤثرة. وفي كل مرة كان الهاشتاغ يتجاوز لحظته الأصلية، ليغدو منصة مفتوحة للتنابز بين مستخدمين من مختلف الدول، حتى أولئك الذين لم تكن فرقهم طرفا في المباراة. ومع اتساع رقعة المتابعة، باتت الظاهرة تأخذ نمطا شبه ثابت، ما إن تنتهي مباراة حتى تُضخ مقاطع مستفزة، تتبعها موجة تعليقات غاضبة، ثم يتطور الأمر إلى تراشق وتجريح متبادل، قبل أن يُعاد تدوير تلك الفيديوهات في دول أخرى، فتشتعل دورة جديدة من السجال.
اللافت ليس حجم المنشورات فحسب، بل درجة الانفعال التي رافقتها. كثيرون لم يكتفوا بالتعليق على الأداء الرياضي، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك. بداية من استحضار التاريخ السياسي والتلميح للهوية والسخرية من اللهجات والعادات، وصولا إلى خلط الرياضة بالملفات الحساسة بين الدول.
وبينما حاولت أصوات عقلانية دعوة الجمهور إلى التهدئة، كانت سرعة المنصات كفيلة بأن تدفن تلك الرسائل تحت ثقل المشاهدات والإعجابات.
وسط كل هذا، يبدو جليا أن البطولة انزلقت عن أهدافها الأولى. فبدل أن تكون موسما عابرا يعيد الاعتبار للروح الرياضية العربية تحولت، ولو افتراضيا، إلى مرآة لعلاقات مشحونة تحتاج إلى معالجة أعمق من مباراة كرة قدم. حتى أن بعض اللاعبين والمدربين أشاروا، في تصريحات جانبية، إلى أن الضغوط الرقمية أصبحت تمتد إلى أرضية الملعب، وتغذي التوتر بين الجماهير.
ومع نهاية كل جولة، تزداد القناعة بأن مشكلة كأس العرب لم تكن في التنظيم ولا في الملاعب، بل في تلك الساحة اللامرئية التي خلقتها منصات التواصل، حيث يمكن لأي مقطع أن يشعل خلافاً عابراً للحدود، وأي هاشتاغ أن يجرّ المجتمعات نحو الاستقطاب.
ورغم ذلك، لا يزال الأمل قائماً في أن تتدارك البطولات المقبلة هذا الانفلات الرقمي. فنجاح الرياضة العربية ليس رهيناً بالأهداف والنتائج فقط، بل أيضاً بقدرتها على إعادة بناء الجسور بين الشعوب، لا هدمها. فالتشجيع يمرّ، لكن ما يبقى هو الصورة العامة التي تتركها هذه الأحداث في الذاكرة الجماعية.