من خلال متابعتنا للمشهد السياسي الراهن، لا يمكن تجاهل الظاهرة المتكررة التي تتضح كل دورة انتخابية: المال العام، الذي يفترض أن يكون أداة للنهوض ببلادنا وتحقيق التنمية العادلة فيه، يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة بيد بعض الأحزاب الحاكمة لتعزيز حضورها السياسي على حساب المصلحة الوطنية وحقوق المواطنين. هذه الممارسات التي لم تعد فقط عبارة عن تجاوزات عابرة، بل مؤشرات واضحة على التغول الحزبي على الدولة وخطر حقيقي على استقلال المؤسسات وشفافية العمل داخل المرفق العمومي، وتكشف عن ضعف الرقابة على المال العام الذي هو ملك لجميع المواطنين وليس أداة في الدعاية الانتخابية. الانفاق العمومي على المؤسسات التعليمية والمستشفيات والطرق والبنية التحتية والبرامج الاجتماعية غالبا ما يُقدم على أنه إنجاز حزبي شخصي، بينما المواطن، الذي يساهم مباشرة في تمويل هذه المشاريع، يتحول إلى متلقي سلبي عاجز عن تقييم أولويات التنمية أو مساءلة المسؤولين. هذا الخلط بين الدولة والحزب يكرس هيمنة الأغلبية على المؤسسات ويضعف الثقة في الدولة ويعمّق الاستقطاب السياسي والاجتماعي. ومن أبرز مظاهر هذا التغول، نزول عدد من البرلمانيين والوزراء إلى الجماعات والأقاليم قبل موعد الانتخابات وفي مسعى دعائي واضح بنوايا وخلفية ثابتة لحملة سابقة لأوانها، وربط المشاريع الحكومية، التي هي من تمويل الدولة والمال العام، بإنجازات حزبية شخصية. هذا السلوك يمثل تمويه واضح للمواطنين، واستغلالا لحقهم في معرفة الحقيقة حول مصدر هذه المشاريع وأهدافها. المواطن يصبح في وضعية خداع، حيث يتم الترويج للمشاريع وكأنها حصيلة جهود حزبية محددة، في حين هي واجب الدولة ومسؤولية مؤسساتها تجاه جميع المواطنين. هذا الاسلوب لا يمكن قبوله ويقوض ثقافة المواطنة، ويكرس الصورة النمطية عن تسييس الدولة واستغلالها لأغراض ضيقة. ونشيد في هذا الصدد بتوجيهات وزارة الداخلية الأخيرة التي أكدت على وقف كل أشكال الدعم الموجه على شكل قفف وإحسان عمومي خلال شهر رمضان الفضيل، كي لا تتحول هذه المبادرات الخيرية إلى أدوات دعائية أو استغلال سياسي. هذه الخطوة تمثل موقفا مؤسسيا إيجابيا، يحمي المال العام ويصون حقوق المواطنين، ويؤكد ضرورة فصل مبادرات الدولة عن أي أهداف حزبية ضيقة. أحد أبرز مظاهر هذا الخلل أيضا هو احتكار الإعلام العمومي لصالح أحزاب الأغلبية الحكومية. تتحكم القنوات الرسمية والإذاعات العامة في صياغة الأخبار والتقارير بما يخدم صورة الحكومة والأحزاب المسيطرة، مع تهميش واضح للأحزاب المعارضة أو المشاريع التي لا ترتبط مباشرة بالأغلبية. هذا الاحتكار يحوّل الإعلام من أداة للشفافية والمساءلة إلى أداة انتخابية بامتياز، ويعمي المواطن عن الحقائق ويضعف ثقافة المشاركة والمسؤولية. في هذا السياق، يصبح التدخل ضرورة عاجلة لضمان تطبيق القانون بحزم. تقع على عاتق الوزارة مسؤولية متابعة حسن سير المؤسسات العمومية، والتأكد من أن أي إنفاق للمال العام يتم وفق القوانين واللوائح، وأنه لا يستغل لأغراض دعائية حزبية. هذا التدخل ليس تدخلا سياسيا، بل التزام مؤسسي بحماية المال العام وتحقيق العدالة والمساواة في تقديم الخدمات والحفاظ على نزاهة العملية السياسية. كما أن دور مؤسسات الرقابة المستقلة يظل حجر الزاوية لإعادة التوازن، بدءا من هيئات التفتيش المالي ومجالس الحسابات والمفتشيات العامة، لضمان أن الموارد العامة تُستثمر وفق أولويات التنمية الوطنية وليس لخدمة أجندات حزبية ضيقة. هنا يتكامل دور الرقابة واليقظة الشعبية والمجتمعية، حيث يمكن للمواطنين والمجتمع المدني والإعلام المستقل المساهمة في كشف أي تجاوز أو استغلال للمال العام والإعلام العمومي، وخلق ضغط مجتمعي يحاسب المسؤولين ويمنع أي استغلال سياسي للموارد العامة. إلى جانب ذلك، فإن الآليات القانونية تشكل الدرع الأساسي لفصل الدولة عن الحزب. القوانين التي تحظر استغلال المال العام أو الإعلام العمومي للأغراض الحزبية، والتي تحدد شروط الإعلان عن المشاريع وتوقيتها، يجب أن تطبق بصرامة مع فرض عقوبات حقيقية على المخالفين. القانون هو الضمانة التي تحول أي تجاوز إلى مسؤولية مباشرة وتمنع الإفلات من العقاب، وهو حجر الزاوية في بناء دولة الشفافية والمؤسسات . ولا يمكن إغفال حس المسؤولية لدى المسؤولين العموميين، الذي يعد من أهم متطلبات الإصلاح. على المسؤولين الالتزام بالشفافية وعدم التمويه وعدم تحريف الحقائق أمام المواطنين. الخدمات العامة ليست أدوات انتخابية، بل التزام مباشر تجاه المواطنين، وغياب هذا الحس يؤدي إلى استمرار استغلال المال العام والإعلام العمومي ويضعف ثقافة المواطنة والمساءلة ويكرس الهيمنة السياسية على الدولة والمجتمع. النموذج الغربي الأوروبي يقدم معيارا واضحا يمكن الاسترشاد به. في الدول الأوروبية، هناك فصل صارم بين الدولة والأحزاب السياسية، خصوصا خلال الحملات الانتخابية. المشاريع الحكومية تنفذ بشفافية كاملة، ويوضح مصدر التمويل العام دون أي ربط بحزب سياسي أو شخصية معينة. الإعلام العمومي يخضع لهيئات مستقلة لضمان تغطية متوازنة لكل الأحزاب، ويُمنع أي استغلال للموارد الإعلامية لأغراض انتخابية. المواطن هناك شريك فاعل في تقييم أولويات السياسات العمومية، ويملك أدوات قانونية لمساءلة المسؤولين، ما يخلق بيئة سياسية متوازنة تحمي المال العام وتضمن استقلال الدولة عن التجاذبات الحزبية. يبقى التساؤل المحوري: متى ستضع بلادنا قطيعة حقيقية مع هذه الممارسات؟ متى ستصبح الدولة مستقلة قوية بحكامتها التدبيرية وإنفاذها القانون على الجميع، والمشاريع الحكومية خاضعة للشفافية والمساءلة وليس للترويج الانتخابي الضيق؟ متى سيشعر المواطن أن حقوقه الأساسية ليست مرتبطة بحزب سياسي أو شخصية نافذة، بل هي التزام الدولة تجاهه كمواطن؟ من تصورنا كفاعلين سياسيين ومهتمين بالشأن العام المحلي، الحل يتطلب خطوات جذرية: فصل قانوني وإجرائي صارم بين الدولة والأحزاب، وشفافية كاملة في كل مراحل الإنفاق العمومي وإجراءات الترويج الإعلامي، وتفعيل الرقابة المستقلة واليقظة الشعبية والمجتمعية، وتعزيز الثقافة الديمقراطية لدى المواطن لتمكينه من المشاركة الفاعلة والمساءلة. بدون هذه الإصلاحات، ستظل الإنجازات الحكومية أداة للدعاية الانتخابية، وسيستمر احتكار الإعلام العمومي في تعزيز هيمنة الأغلبية، وسيظل تحريف الحقائق أمام المواطنين يقوض العلاقة بين الدولة والمجتمع، بينما يقدم النموذج الأوروبي معيارا واضحا لكيفية حماية المال العام وضمان استقلال الدولة والإعلام العمومي وخلق بيئة ديمقراطية شفافة ومسؤولة. (*) عضو المجلس الوطني للحزب