د. محمد شاح: باحث في التاريخ الوسيط باحث في علم الإجتماع
تفاعلا مع أحداث الفيضانات التي تشهدها بعض مناطق المملكة، وما خلفته من خسائر جسيمة على مستوى البنيات التحتية، وفي ظل المجهودات الكبيرة التي تبذلها السلطات المغربية بتعليمات ملكية سامية، ارتأينا، من موقعنا كباحثين، أن نستحضر بعض ما تزخر به المادة المصدرية حول الفيضانات خلال العصرين المرابطي والموحدي، وما خلفته هذه الكوارث الطبيعية من آثار على الإنسان والحيوان والبنيان.
لقد لعبت الطبيعة دورا محوريا في الحياة الاجتماعية بمجال المغرب الأقصى، حيث عاش الإنسان في رهان دائم معها، تتقلب بين العطاء والشح تبعا لوفرة الأمطار أو قلتها، خاصة وأن المجتمع اعتمد في معاشه أساسا على النشاط الزراعي.
وإذا كانت المنطقة قد عرفت فترات طويلة من الجفاف والقحط قد تمتد لسنوات، فإن زيادة الأمطار عن حدها كانت بدورها سببا في حدوث فيضانات وسيول جارفة خلال الفترة المرابطية والموحدية، أدّت إلى غرق الأراضي الزراعية وتهدّم البنيات بفعل ارتفاع منسوب المياه في الأنهار. ويُذكر في هذا السياق كثرة الأنهار والأودية التي تميز بها المغرب الأقصى، مثل: نهر تانسيفت، ونهر نكور، ونهر زيز، ووادي فاس، ووادي سبو، ووادي أم الربيع، ووادي سوس.
ولذلك اهتم المرابطون ببناء القناطر والسدود اتقاء لمخاطر السيول. وفي هذا الصدد يقول الإدريسي: "كان الأمير علي بن يوسف بن تاشفين قد بنى على هذا النهر قنطرة عجيبة البناء متقنة الصنع… ثم لم تلبث غير أعوام يسيرة حتى أتى عليها السيل فهدمها وحمل أكثرها ورمى بها في البحر".
وشهدت مدينة طنجة سنة 532ه/1137م سيلًا عظيمًا دمّر الدور والجسور، "وأدى إلى هلاك خلق عظيم من الناس والدواب". كما عرفت سنة 536ه/1141م أمطارا طوفانية بالمناطق الشمالية دامت خمسين يوما دون انقطاع، خاصة بمدينة فاس والجبال المجاورة لها، فتسببت في فيضانات عارمة، حيث "حملت الوديان، وأكل وادي فاس باب السلسلة، وفتقت جزيرة مليلة، وأكل البحر طنجة حتى الجامع…"، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار، فبلغ ثمن السطل من الشعير ثلاثة دنانير، ورطل الحطب دينارا.
كما شهدت فاس وضواحيها في السنة نفسها أمطارا غزيرة أدت إلى فيضانات مهولة، حيث اشتد البرد وهلك عدد من عساكر تاشفين بردا وجوعا بسبب انقطاع الطرق. وبلغت شدة الوضع أن أحرق الجنود السروج وأواني الخشب للتدفئة، ولم يتمكنوا من تثبيت أوتاد الأخبية لرخاوة الأرض، وغرقت الدواب في مرابطها، وكثر الموتى في الضعفاء.
وخلال الفترة الموحدية، ضرب فاس سيل عظيم سنة 626ه/1228م أدى إلى انهدام سورها الشرقي وسقوط ثلاث بلاطات من جامع الأندلس، وتخريب عدة دور بعدوة الأندلسيين. ويقول صاحب الاستقصا: "وفي سنة ست وعشرين وستمائة كان السيل العظيم بفاس، هدم من سورها القبلي نحو مسافتين، وهدم من جامع الأندلس نحو ثلاث بلاطات…"
إن الكوارث الطبيعية، كالفيضانات، لم تكن أحداثا عابرة يمكن تجاوزها، بل كانت ظواهر ذات آثار ديموغرافية واجتماعية واقتصادية عميقة، أحدثت شروخا واضحة في بنية المجتمع.
وقد وضعت هذه الأزمات سلطات المغرب الأقصى الوسيط في واجهة المسؤولية، حيث كان السكان ينتظرون تدخلها للتخفيف من آثارها. فكانت الدولة تبادر إلى تقديم الإعانات، وفتح مخازن الطعام للعامة، وتوزيع الأموال على المتضررين، إضافة إلى بناء المارستانات والقناطر والسدود، التي وإن بدت بسيطة من حيث الوسائل، فقد لعبت دورا مهما في حماية الأرواح والتخفيف من آثار الكوارث.
ولم تكن الفيضانات وحدها ما يهدد مغاربة العصر الوسيط، بل شهدت المنطقة كذلك الجوائح والأوبئة والجفاف والمجاعات، إضافة إلى الزلازل والحرائق وانتشار الجراد، فضلا عن الثورات والفتن، وهي كلها أحداث تركت آثارا عميقة في المجال والسكان، وشكلت مادة تاريخية غنية تعكس تنوع مقاربات التدخل لدى السلطة، وكذلك لدى الفقهاء والمتصوفة.
إن استحضار هذه الأحداث من التاريخ لا تروم مجرد السرد، بل تفتح أفقا للفهم: فالتحديات التي نعيشها اليوم ليست غريبة عن هذا المجال، بل هي جزء من ذاكرته العميقة. وما تغيّر هو الوسائل، أما الرهان فبقي هو نفسه: كيف يحمي الإنسان مجاله، ويخفف من وطأة الطبيعة حين تشتد. فالتاريخ في هذه اللحظات لا يُقرأ من أجل الماضي فقط، بل من أجل الحاضر أيضا.
لائحة المصادر والمراجع :
الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس، بيروت، 1975. الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مطبعة بريل، 1866. ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق إحسان عباس، بيروت، 1980. البيذق، أخبار المهدي بن تومرت وبداية دولة الموحدين، الرباط، 1971. الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، الدارالبيضاء، 1954. بولقطيب الحسين، جوائح وأوبئة مغرب عهد الموحدين، منشورات الزمن، 2002.