يوم بيوم نور الدين مفتاح يكتب: رسالة من تحت الماء نور الدين مفتاح نشر في 19 فبراير 2026 الساعة 22 و 30 دقيقة إلى حدود كتابة هذه السطور، قد يصل عدد المرحلين من أقاليم العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة ومناطق أخرى ما يناهز ال200 ألف مواطنة ومواطن! هذا رقم مهول، فالمسيرة الخضراء لسنة 1975 شارك فيها 350 ألف مواطن تطلب تموينهم معجزة ماتزال تتحدث عنها الأدبيات بانبهار. الرقم مهول وكان يتطلب مجهودا لوجستيكيا جبارا، […] نور الدين مفتاح [email protected]
إلى حدود كتابة هذه السطور، قد يصل عدد المرحلين من أقاليم العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة ومناطق أخرى ما يناهز ال200 ألف مواطنة ومواطن! هذا رقم مهول، فالمسيرة الخضراء لسنة 1975 شارك فيها 350 ألف مواطن تطلب تموينهم معجزة ماتزال تتحدث عنها الأدبيات بانبهار.
الرقم مهول وكان يتطلب مجهودا لوجستيكيا جبارا، وهو ما تم القيام به باقتدار بمشاركة كل الإدارات المعنية، وعلى رأسها الإدارات التابعة لوزارة الداخلية ورجال القوات المسلحة الملكية. إن الجيش المغربي كباقي جيوش العالم له مهام حصرية تتعلق بالدفاع عن حوزة الوطن وعن سلامة حدوده وعن سيادته من أي استهداف خارجي مسلح، ولكن، في الاستثناء، تنتفي القاعدة، وينخرط الجيش في التعبئة الوطنية، وهذا جرى قبل ست سنوات في جائحة كورونا ويجري اليوم في هذا الغرب الغارق وفي قلبه مدينة القصر الكبير الحزينة.
إن الأرواح دائما هي الأغلى مهما كانت قيمة الممتلكات المادية، وهذه العمليات الميدانية الناجحة والناجعة جنبت بلادنا فواجع وجنائز بالجملة، وهذا لوحده كافٍ للقول بأن الإقدام والعمل الجاد للمؤسسات يمكن أن يهزم غضب الطبيعة ويعيد للمواطن الطمأنينة الناجمة عن الثقة في قوة تدخل الدولة والإحساس بفعاليتها.
كل هذا، وللأسف، لن يعفينا من تقليب الموضوع من أوجهه الأخرى. فنجاعة التدخلات لمواجهة الكارثة لم تقابلها كالعادة قوة في الفعل الوقائي، بل إن ما أوصلنا إلى حد اللجوء إلى الحلول المتطرفة كالإجلاء، يحتاج إلى مساءلة المتدخلين المتعددين في موضوع بالغ الخطورة والحساسية.
وفي ملف غلاف هذا العدد، يتحدث معنا خبيران – لئلا يقول قائل إن الجميع أصبح متخصصا في الهيدرولوجية وهما معا يخلصان إلى أن عمليات استباقية كان بإمكانها أن تجنبنا هذا الحل الضروري والقاسي المتمثل في إخلاء مدينة كاملة من السكان، وأجزاء من مدن وقرى أخرى في الغرب.
الموضوع ينقسم إلى شقين، واحد تدبيري آني والثاني استراتيجي. فعن الأول، يعود التساؤل حول حقينة سد وادي المخازن، والسبب الذي أخَّر معالجة خطر امتلائه قبل أن يتحول من جدار يقي الساكنة إلى أكبر خطر عليها: «إن العودة القوية للأمطار بعد الجفاف لا تؤدي وحدها إلى الفيضانات» خلاصة صادمة يخرج بها الخبير في علم المناخ محمد سعيد قروق، وهي في نفس الوقت ترد على يقينيات بعض «سدود» الحق في المساءلة الذين يهاجمون منتقدي مدبري الشأن العام، ويرفعون يافطة أن الكوارث الطبيعية تقع في العالم كله!
«إن ما وقع في حوض اللوكوس – يقول قروق وبالخصوص في مدينة القصر الكبير، يعكس أخطاء بشرية متراكمة في تدبير سد وادي المخازن، حيث ترك السد يصل إلى نسبة ملء قصوى، بدل اعتماد تفريغ تدريجي عندما بلغت نسبة الملء مستويات تحذيرية، ما فرض لاحقا تصريفات اضطرارية ذات أثر مباشر على المناطق القريبة».
وللتفصيل أكثر، ننقل في ملفنا خلاصات الخبير في الموارد المائية محمد بازة الذي يقول: «إن السماح بوصول سد وادي المخازن إلى نسب ملء مرتفعة في وقت مبكر من الموسم المطري عطل وظيفة السد الأساسية في الوقاية من الفيضانات! «كيف؟ «بلوغ السد نسبة 70٪ منتصف دجنبر – يقول بازة- ثم تجاوزه 80٪ قبل نهاية الشهر، كان يستوجب تفريغا تدريجيا لخلق سعة احتياطية بدل تركه يصل إلى الامتلاء الكامل منذ 6 يناير، وهو ما جعل أي واردات لاحقة تتحول مباشرة إلى تصريفات ذات أثر مباشر على المجال الحضري». ومن سوء الحظ أن هذه ليست المرّة الأولى التي تخون فيها الفطنة المسؤولين في إدارات الماء، حيث يذكر الخبراء بأن فيضانات2010-2009 التي خلفت ضحايا في الأرواح كانت لنفس السبب. أي اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب وإلا تكون الكلفة باهظة.
كلفة هذه الأخطاء الجسيمة يؤديها الجميع اليوم، فالابتهاج بإنجاز عمليات إجلاء بمستوى عالمي لا يمكن أن يخفي الألم الفظيع الذي تخلفه هذه المآسي الإنسانية، فخروج الناس من ديارهم وأغلبهم في حالة هشاشة قاسٍ ومكلف، سواء بالنسبة للذين استقبلوا في الخيام أو الذين نزلوا ضيوفاً عند الأغيار. كل هؤلاء منكوبون ومهزوزون نفسيا وملفوفون لحد الآن بخوف لن يشفوا منه إلا بعد سنوات. بل، وسط هذه الآلاف من المرحلين، هناك آلاف القصص الإنسانية التي لن تستطيع أي تدخلات أن تكفكف دموعها. ولهذا، وحتى في هذه اللحظات التي تكون فيها الأولوية للإنقاذ لا يجب أن يسكت الانتقاد، لأن الأخطاء من الجسامة بحيث لا تحتمل التأجيل. وعموما، ليس هناك وقت للكلام ووقت للسكوت في مثل هذه المآسي التي تضطر فيها الدولة لإجلاء الآلاف من الناس المعلقين بين الأمل والأنين، ومعهم ملايين القلوب الخافقة من أجلهم والمتضرعة للعلي بأن يخفف عنهم ما ثقل على أكتافهم.
المؤلم أكثر، هو أن هذه الفاجعة عندما تنتهي ويعود الناس إلى ديارهم، ستبدأ فاجعة أكبر عند إحصاء الخسائر، خصوصا وأن المنطقة فلاحية بامتياز. لن تبقى هناك أراض ولا محاصيل ولا بضائع تجار ولا دور بغير حاجة للإصلاح، أي أن الدماء قد تجمدت في عروق الدورة الاقتصادية، وهذا سيحتاج إلى مجهود أكبر من مجهود الإجلاء.
إن هذه الوضعية بالمنطق والعقل تحتاج تلقائيا إلى تفعيل التضامن الوطني، وأول آلياته القانونية هي ضرورة إعلان المناطق المعنية مناطق منكوبة، إلا أن ما يبدو بديهيا هو اليوم في حكم المستحيل ما دامت الدولة لم تعلن حتى منطقة الحوز التي ضربها زلزال خلف 3000 قتيل تقريبا منطقة منكوبة.
ولنفهم أكثر معنى «المنطقة المنكوبة» لابد من الرجوع إلى البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لسنة 1977 والذي ينص على أن «من بين شروط الإعلان عن منطقة منكوبة أن تكون تأثيرات الكارثة قد ألحقت خسائر فادحة على مستوى البنية التحتية والأرواح، وتعذر على السلطات المحلية تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان».
وبغض النظر عن هذا التأطير القانوني، يبقى لرئيس الحكومة في المغرب، باستشارة الوزراء المختصين في الموضوع، كامل السلطة التقديرية في إعلان الغرب أو مدينة القصر الكبير منطقة منكوبة، وهذا الإعلان وحده هو الطريق إلى استفادة المتضررين من صندوق التعويض عن الكوارث. لن يقول رئيس الحكومة- حسب تعريف اتفاقيات جنيف- إن المغرب لم يستطع تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان بإعلانه الغرب منطقة منكوبة، إلا أن هذه الأنفة غير المبررة مضرة بساكنة متضررة أصلا، إضافة إلى أن الأصوات الحقوقية الوطنية ارتفعت اليوم أكثر من أي وقت مضى من أجل أن يتحمل رئيس الحكومة مسؤوليته بعد الكارثة لتضميد جراح المنكوبين في انتظار ساعة المحاسبة.
فالسيد عزيز أخنوش الذي ذرف الدموع في مؤتمر حزبه بالجديدة بسبب دفعه للخروج من قمرة قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، كان أولى به وبصحبه وحلفائه أن يذرفوا الدموع على المواطنين المنكوبين الذين لم يبق لهم، بعدما فاضت الأرض بسبب التقصير، إلا الله وهو نعم المولى ونعم النصير.
الأغرب من إعلان مستعص للغرب والقصر الكبير كمناطق منكوبة، ومن صندوق كوارث محكم الإغلاق، هو أن السيد رئيس الحكومة لم يكلف نفسه حتى عناء زيارة هذه المناطق. وهذا لعمري أكبر إهانة للمواطنين وللشعب المغربي! هذه الزيارة لها معاني الاعتبار من طرف مؤسسة تحكم المغاربة على أنهم بشر يستحقون التفاتة رمزية تعني الكثير. وفي هذا العالم الغربي الذي يعطوننا الدروس به، لا يمكن أبداً تصور أن يقع ما وقع في القصر الكبير دون أن ينزل رئيس الحكومة لتفقد المتضررين ومواساتهم حتى ولو احتجوا عليه أو رموه بالوحل! إنه شرف تحمل المسؤولية لا ذل الاختباء في المكاتب الفارهة والناس تموت كمداً.
عموما، أعتقد أن الأمر اليوم أكبر من فاجعة وسوء تدبير يستوجب المحاسبة، بل هو، وهذه هي النقطة الثانية، خطأ تقدير استراتيجي عندما تم تجميد مشروع الطريق السيار المائي الذي كان من المفروض أن يربط بين الأحواض ليوازي بينها، وحتى وأن المشروع قد برمج عقوداً من قبل لمواجهة الجفاف، فإنه في حالة سد وادي المخازن مثلا كان سيجنبنا الكارثة التي نعيشها لأنه كان سيوجه فائض الواردات المائية في هذا السد إلى سد دار خروفة شبه الفارغ خلال هذه الفترة الحرجة.
«إنها كلفة تأجيل تنفيذ المشاريع الاستراتيجية يقول الخبير بازة فالطريق السيار المائي كان يمكنه أن يلعب دوراً وقائيا غير مباشر، في لحظة كان فيها النظام المائي في أمس الحاجة إلى المرونة. فمشروع صمم لمواجهة الجفاف، تحول غيابه إلى عامل يفاقم كلفة الوفرة المفاجئة، ويبرز أن تدبير الموارد المائية لا يقاس فقط بقدرة التخزين أو التفريغ، بل بمدى تكامل الشبكات التي تسمح بتوزيع الماء حين يفيض، وليس فقط حيث يصبح نادراً» وهنا يطرح السيد الخبير سؤال القرن: «لكن! من يدفع الثمن؟.»
بالطبع، الحال يغني عن السؤال. ولكن إذا كان من لا يد له في القرار هو الذي يدفع هذا الثمن الباهظ، فعلى صاحب القرار الخاطئ أن يحاسَب، وهذا هو ثمن المسؤولية إذا كنا نتمثل الدستور في الربط بين هذه المسؤولية والمحاسبة. وفي انتظار ذلك، كل التضامن الكبير مع إخواننا في الغرب، واللهم الطف في ما جرت به المقادير.