يوم بيوم نور الدين مفتاح يكتب: بولس والتزحلق على الرمال نور الدين مفتاح نشر في 27 فبراير 2026 الساعة 1 و 54 دقيقة لنا ما لا يعد من المؤاخذات على أسلوب الرئيس الأمريكي في تدبير علاقاته الخارجية، وفي عبثه بالقانون الدولي وخصوصا ما جرى بفنزويلا من اختطاف لرئيس البلاد مادورو وزوجته حيث يقبعان في أحد السجون الأمريكيّة، ولكن، لن تجد مغربيّا واحدا لا يقدر ما قام به دونالد ترامب لقضية الوحدة الترابية المغربية منذ ولايته الأولى، باعترافه بالسيادة عليها، وكذا وقوفه، وبلاده حاملة القلم في مجلس الأمن، وراء أكثر القرارات الحاسمة للنزاع والفاتحة لباب الأمل في إغلاقه نهائيا، بل لقد تم التنصيص في القرار التاريخي2797 على أن الولاياتالمتحدةالأمريكية ستكون راعية لمفاوضات تطبيق هذا القرار وهو ما يتم حاليا. نور الدين مفتاح [email protected]
واحد من أهم الرجال بالنسبة للمغرب اليوم، هو أمريكي من أصل عربي يدعى مسعد بولس. هذا اللبناني الأصل، المسيحي الأورتدكسي، يحمل في جيبه مفتاح حل واحد من أقدم النزاعات الترابية في العالم. ويقود منذ شهور حركة ديبلوماسية حثيثة لحلحة قضية الصحراء.
بولس كان تاجر شاحنات جمع ثروته في نيجيريا، وقفز إلى الدائرة الحميمية لقمرة قيادة العالم عندما تزوج ابنه مايكل بولس الابنة الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تيفاني، سنة 2012. وقد انخرط في الحملة الانتخابية لترامب حاشدا أصوات العرب في عدد من الولايات المتأرجحة، وبعد فوز صهره، أصبح في دائرة المقربين جداً وعُين ككبير مستشاري الرئيس للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في يناير 2025.
هذا الرجل الذي لا يتحدث عربيا إلا بلهجة لبنانية قحة، وجد أمامهُ في أقصى هذا المغرب الكبير معطيين حاسمين، الأول هو اعتراف ثابت للإدارة الأمريكية بمغربية الصحراء، والثاني قرار من مجلس الأمن غير مسبوق يحمل رقم2797 يعتبر الحكم الذاتي الحقيقي في الأقاليم الصحراوية أساسا لحل قضية الصحراء. وقد وصلت درجة أهمية هذه الانعطافة بالنسبة للمغرب أن جعل يوم 31 أكتوبر عيداً وطنيا سيتم الاحتفال به كل سنة ابتداء من2026 في انتظار عيد وطني جديد يتزامن، إن شاء الله، مع التوقيع على اتفاق الحل النهائي للقضية في القريب المنظور.
لنا ما لا يعد من المؤاخذات على أسلوب الرئيس الأمريكي في تدبير علاقاته الخارجية، وفي عبثه بالقانون الدولي وخصوصا ما جرى بفنزويلا من اختطاف لرئيس البلاد مادورو وزوجته حيث يقبعان في أحد السجون الأمريكيّة، ولكن، لن تجد مغربيّا واحدا لا يقدر ما قام به دونالد ترامب لقضية الوحدة الترابية المغربية منذ ولايته الأولى، باعترافه بالسيادة عليها، وكذا وقوفه، وبلاده حاملة القلم في مجلس الأمن، وراء أكثر القرارات الحاسمة للنزاع والفاتحة لباب الأمل في إغلاقه نهائيا، بل لقد تم التنصيص في القرار التاريخي2797 على أن الولاياتالمتحدةالأمريكية ستكون راعية لمفاوضات تطبيق هذا القرار وهو ما يتم حاليا.
يبدو أن هذه القوة التي لا حدود لها في البيت الأبيض هي التي كانت ضرورية لنزاع لا حدود لسورياليته، وبكل الصراحة الممكنة، فلولا الترامبية ما كنا لنصل اليوم إلى ما نحن فيه. إنه ليس الحل النهائي، ولكنها بوادر غير مسبوقة بالمقارنة مع الزمن الذي كانت فيه الأممالمتحدة وحدها من تتحمل عبء الوساطة في هذا النزاع المفتعل.
ولنبق في الصراحة أيضا، فالقطعة الأهم على رقعة النزاع هي الجزائر رغم ادعائها بأنها غير معنية، ومنذ ولاية ترامب الثانية، وقع تغيير ملموس جدا في السلوك الجزائري. والذي تابع الحوار الأخير للرئيس عبد المجيد تبون ضمن حواراته الدورية مع الصحافة الجزائرية سيقف على هذا المعطى، بحيث إنه نادراً ما لا يذكر المغرب بسوء في مثل هذه اللقاءات. الرئيس تبون لم يذكر المغرب أصلا حتى عندما طرحت عليه أسئلة حول العلاقات الدولية والإقليمية لبلاده، وقد تحدث عن روسياوأمريكا وإيطاليا وفرنسا والسعودية وقطر والكويت ومصر وليبيا ودول الساحل، ولم يتحدث عن المغرب ولم يطرح عليه المحاوران قضية الصحراء رغم أنها تعرف تطورات آنية.
ولكن الأكثر أهمية من كل هذا، هو مشاركة الجزائر، من مستوى رفيع، في المحادثات السرية التي احتضنتها العاصمة مدريد الأسبوع ما قبل الماضي بمقر السفارة الأمريكية، وبإشراف من المستشار مسعد بولس ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا. إنها أول مرّة يحضر فيها وزير خارجية جزائري إحدى جولات المفاوضات الخاصة بالصحراء على الإطلاق، إضافة إلى رئيس الديبلوماسية الموريتانية، وبالطبع المغرب وجبهة البوليساريو. وقد كانت هناك محادثات سابقة للقاء مدريد احتضنتها بسرية أيضا واشنطن ولم يرشح عنها أي شيء.
ومن المؤشرات المطمئنة أيضا، عودة الدفء للعلاقات الجزائرية الإسبانية التي ضربتها عاصفة ثلجية إثر انحياز مدريد للوحدة الترابية المغربية، بمعنى أن مدريد لم تغير موقفها والجزائر تراجعت عن تصلبها، وحسنا فعلت.
ولابد أن نذكر أن الجزائر، وأمام واحد من أكثر القرارات الأممية قربا من الطرح المغربي، اكتفت بعدم المشاركة في التصويت ولم تصوت ضد القرار، بل خرج وزير الخارجية الجزائري السيد عطّاف في التلفزيون حينها بلغة هادئة يناقش الأوراق التي قدمها المغرب كتصور أولي للحكم الذاتي سنة2007 وقال إن ثلاث صفحات لا يمكن أن تشكل مشروعا لحكم ذاتي. ومن خلال ما تسرب من لقاء مدريد الأخير، فالمغرب تقدم بمشروع مفصل من40 صفحة، ولا نعرف بالضبط ما هو رد الطرف الآخر على هذا المشروع، ولكن الأهم أن الاجتماع تم تحت مظلة القرار 2797 ولابد أن تكون الورقة الأساسية على طاولة المحادثات هي المشروع المغربي.
لا يخفي دونالد ترامب أن القوة هي مفتاح تدبيره للنزاعات، ويعتبر أن أقوى جيش في العالم بميزانية سنوية تصل إلى ألف مليار دولار لابد وأن يحسم دون أن يضطر للقتال. إنها قوة الردع التي يستعملها بديبلوماسية غير مسبوقة في شمال إفريقيا، فبلاده التي اعترفت بالسيادة المغربية على الصحراء هي التي استطاعت أن توقع أكبر اتفاقية عسكرية وأمنية مع الجزائر، هذا في الوقت الذي استدعت الجزائر سفراءها من باريسومدريد بسبب مواقف من الصحراء المغربية أقل من موقف واشنطن.
ولنفهم الضغط الأمريكي الحاسم لحلحلة الملف الشائك، لابد أن ننتبه إلى أن أيا من المبعوثين الأمريكيين لمنطقة «مينا» لم يزر المغرب ومنهم ويتكوف الذي صرح عقب زيارته للجزائر السنة الماضية بأن أزمة العلاقات بين الجزائر والمغرب ستحل في غضون 60 يوماً. ليس المهم 60 أو 600 يوم ولكن المهم هو أن هذه الولاياتالمتحدة بموقفها المساند رسميا للمغرب تستطيع أن تكون أنجع وسيط في نصف قرن من تاريخ هذا النزاع بين الجارين المغاربيين الكبيرين.
نفس الشيء يمكن أن يقال عن السيد مسعد بولس الذي زار الجزائر أكثر من مرة دون الرباط. وهذا مفهوم جدا، فالديبلوماسي لن يبذل جهدا لفتح باب مفتوح، والباب المغلق الذي يحتاج للمفتاح هو الذي يوجد في الجزائر ويستحق هذه الزيارات المكوكية الأمريكية.
أمريكا فهمت جوهر الموضوع وانكبت عليه بكل القوة الترامبية المعروفة، وهو أنه لا حل لقضية الصحراء إلا بحلحلة العلاقات الثنائية المغربية الجزائرية، وهذا الورش جار لا محالة، بحيث إن هذا المفتاح الذي نتحدث عنه يوجد في قصر المرادية وليس في المحادثات السرية الجارية، وأما المشور السعيد فقد قال كلمته فيما أصبح يعرف في أدبياتنا بسياسة اليد الممدودة.
في حوار الرئيس الجزائري المشار إليه آنفا، كان هناك خيط ناظم اقتصادي يخفي وراءه رسائل هامة. الرئيس يقول إن الدخل القومي الجزائري لا يتجاوز 170 مليار دولار، وطموح بلاده أن تكون الجزائر صاعدة، وللوصول إلى ذلك لابد أن يصل هذا الدخل إلى 400 مليار دولار. وتحدث عن ثلاثة مشاريع استراتيجية، منها غار جبيلات الذي تم ربطه بميناء وهران، والذي سيوفر حسبه مليارات الدولارات، خارج مداخيل المحروقات، إضافة إلى منجم للفوسفاط. ولا يهم ما سبق أن تحدثنا عنه بخصوص الاتفاقيات التي ربطت المغرب بالجزائر حول منجم الحديد ببشار خصوصا، لأن الأهم هو هذا الأفق الاستراتيجي الذي يجعل الجزائر اليوم ترسم ملامح مستقبل تنموي بعيدا عن أغلال الماضي، وعن جعل عنفوان البلاد مرتبطا بأنفة غير مبررة اتجاه جار يبدو كخطر في كل خطوة تطور لديه في نظر جاره. فهل يمكن الوصول إلى 400 مليار دولار مع تسخير كل إمكانيات الدولة الجزائرية الخارجية للمواجهة من أجل جبهة البوليساريو والحل موجود وتدعمه كل القوى الكبرى في العالم والأممالمتحدة ومجلس الأمن؟!
قد لا يكون الرقم مهما، ولكن في الموازنة الجزائرية للعام الجاري، تم تخفيض الدعم المباشر الذي تقدمه الدولة لجبهة البوليساريو من 900 مليون دولار إلى حوالي 120 مليار دولار، وهذا مؤشر مشجع، والخبراء في بلاد الأمير عبد القادر يعرفون أن أسهل طريق للوصول إلى الطموح الجزائري المشروع هو إعادة بناء العلاقات المغربية الجزائرية، وعلى أسسها يتم بناء مغرب كبير تكون فيه شجرة السياسة مثقلة بالثمار الناضجة التي تسقط تلقائيا لترفع التنمية في مغرب بخمس دول مع إنهاء مأساة مواطنينا في مخيمات المعاناة.
في حوار مع قناة "فرانس 24" قبل أيّام، قال مسعد بولس لما سئل عن علاقات الولاياتالمتحدةبالجزائر بأنها ممتازة، وأشار إلى الاتفاقية العسكرية الأمنية التي أبرمت بين البلدين، وعندما سئل عن وضعية الولاياتالمتحدة كوسيط وكمعترف بمغربية الصحراء قال بأن سقف المفاوضات هو أخفض من سقف الموقف الأمريكي، وهذا يؤخذ بعين الاعتبار، ولكن الأهم في تصريحاته هو قوله إن «المفاوضات لن تستمر إلى ما لا نهاية» وأن «واشنطن ترفض تضييع الوقت».
واضح من خلال كل هذه المؤشرات أن شيئا مختلفا بصدى التشكل، أو على الأقل هناك مقاربة مغايرة لما عرفه الملف منذ نصف قرن. إنها مقاربة مختلفة تماما لمقاربة الأممالمتحدة رغم أنها تجري تحت مظلتها. وعموما حتى إذا لم يكن تفاؤلنا في محله، فإن انتظارنا لن يطول، كما حصل خلال عقود، وسنعرف نهاية هذا الفصل الذي نتمنى فيه أن يتناول الكلمة دونالد ترامب في البيت الأبيض ويقول هذا هو النزاع التاسع الذي استطعت أن أضع حداً له، وتوقع اتفاقات عودة إخواننا من تندوف إلى الساقية الحمراء ووادي الذهب، ويعلن على أول زيارة ملكية أو رئاسية بين الجزائر والمغرب، وينطلق قطار التحدي: إننا أقرب من أي وقت مضى لتحقيق هذا الحلم العزيز، ومعه لن يكون هناك خاسر بالمطلق، وإن هي إلا الأرباح تتقاسمها الشعوب وهي تستحق وأكثر.