يوم بيوم نور الدين مفتاح يكتب: ساعة من الجحيم نور الدين مفتاح نشر في 5 مارس 2026 الساعة 11 و 20 دقيقة حلّ الشهر الفضيل بكل ثقله الديني والثقافي والمجتمعي، وتغير معه إيقاع اليومي جذريّا، وتزينت الليالي بسمر من نوع خاص، وعلا الروحي في الأماكن كلها وفي حنايا الأضلع. ورغم مشقة الصيام، فلا يحظى أي شهر من أشهر الله بكل هذا التكريم والتعظيم والتقدير الذي يحظى به الشهر الفضيل، أهله الله علينا جميعا بالمزيد من […] نور الدين مفتاح [email protected]
حلّ الشهر الفضيل بكل ثقله الديني والثقافي والمجتمعي، وتغير معه إيقاع اليومي جذريّا، وتزينت الليالي بسمر من نوع خاص، وعلا الروحي في الأماكن كلها وفي حنايا الأضلع. ورغم مشقة الصيام، فلا يحظى أي شهر من أشهر الله بكل هذا التكريم والتعظيم والتقدير الذي يحظى به الشهر الفضيل، أهله الله علينا جميعا بالمزيد من العطاء ومن دفء المحبة وسكينة الروح وطمأنينة الأنفس، وبالسلام والوئام وحسن الختام.
إلا أن الذي يجعل رمضان الكريم بالنسبة للمغاربة أكرم وأرحم وأعظم، هو العودة الميمونة للساعة الطبيعية المتوافقة في المغرب الأقصى مع توقيت غرينيتش. ومنذ اليوم الأول للتخلي عن الساعة الإضافية تجد المغاربة لا يتحدثون إلا عن إحساس مثير هو مزيج من الراحة والحيوية غير المعهودة، بل يحس المرء وكأنه ولد من جديد. نعم، لهذه الدرجة تغير ساعة زائدة لعينة حياة شعب كامل وكأنها خرجت من جحيم. وفي موضوع الساعة هاته، يجتمع الخصوم، ويتلاقى المختلفون حول موقف واحد منها وهو النفور والاستهجان والإحساس بالظلم، فلا يمين ولا يسار ولا محافظة ولا حداثة ولا لون ولا حزب يوافق على هذا القهر البيولوجي السنوي، ورغم ذلك فالساعة الإضافية صامدة طيلة العام باستثناء رمضان، ولهذا، وفي هذه الأرض المباركة، أصبح للشهر الفضيل فضلان، فضل الصيام لله الذي قال إن «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به»، وفضل الرجوع للساعة البيولوجية وما أحلاه من رجوع وما أوجعه من فراق بعد العيد!
لقد كانت 2018 سنة مشؤومة بكل المقاييس، ففيها اتخذ واحد من أسوأ القرارات وهو المتعلق بهذه الساعة الجحيمية، وكان حينها السيد محمد بنعبد القادر هو الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإصلاح الإدارة وأشياء أخرى. وبعد أن كان المغرب يتحول للساعة الإضافية كل صيف حتى أصبحت هذه الساعة تسمى بالصيفية، تقرر أن تصبح الساعة الرسمية للمملكة هي الساعة الصيفية، ولنمزح قليلا مزاحاً مرّاً، نقول إن هذا الفأل السيء جعل المغرب منذ ترسيم الساعة الصيفية كساعة رسمية للمملكة يعيش جفافاً متواصلا لسبع سنوات ولم ينقطع إلا في شتاء هذه السنة.
كان المبرر سخيفا جدّاً: قال الوزير إن الحكومة التي كان يترأسها الطبيب سعد الدين العثماني، اكتشفت أن تغيير الساعة في السنة لأكثر من مرّة يضر بصحة المغاربة، وذلك بتأثيرها على جودة نومهم! والحل؟ أن نمنع هذا التغيير بالحفاظ على غير الطبيعي! هذا المنطق الأعوج لم يكن ليقنع أحداً، ولذلك، سارت التبريرات والوعود بالدراسات، وقدمت حجج أخرى ينطبق عليها بالضبط مَثل الحق الذي يراد به باطل.
قيل إننا في علاقات استراتيجية مع شركائنا الأوربيين ولا يمكن أن تكون ساعتنا بعيدة عنهم، وقيل إن الأساس هو الاقتصاد في استهلاك الكهرباء الذي يثقل كاهل ميزانية الدولة، وقيل إن الهدف هو اقتصاد المحروقات التي تكلفنا ماليا وبيئيّا، ولكن كل هذه الحسابات كان ينقص فيها حساب واحد وهو الكلفة المجتمعية لقرار جائر يؤديه المغاربة من صحتهم وراحتهم الجسدية والنفسية يوميّاً. وحتى الحجج المادية السابقة لم تصمد بعدما خرجت نتائج الدراسات مفحمة لمن اتخذ القرار وأصر عليه لثماني سنوات متتالية لحد الآن. فعن الكهرباء تبين أن اعتماد الساعة الإضافية لم يوفر سوى0,2٪ من الاستهلاك العادي الذي بلغ سنة2018 حوالي 38 جيكاواط – ساعة تقريبا. وأما الطاقة فتبين أن ما تم توفيره من80 مليار درهم من الواردات السنوية تقريبا لم يتجاوز الواحد في الألف !!ونفس الشيء بالنسبة للبيئة حيث لم تسجل الدراسات كنسبة انخفاض لانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون إلا0,02٪ .
يبقى الشركاء في الخارج، وهؤلاء نتبادل معهم المصالح كما يتبادلونها مع دول قد تحتسب الفوارق الزمنية بينهم بعشرات الساعات، ولو كان هذا هو المنطق السليم كان على الصين مثلا أن تقسم البلاد إلى مساحات زمنية تتوافق مع الأركان الأربعة للأرض، والشريك الرئيسي لأوروبا هي الولاياتالمتحدةالأمريكية وبينهما من4 إلى5 ساعات كفارق زمني.
الديموقراطية ليست فقط هي الطريقة التي تفرز بها السلطة وكيفية توزيعها وتوازنها. الديموقراطية في العمق هي احترام الشعب بالشفافية والجرأة في الإفصاح عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء قرارات تمس صميم حياته اليومية. وفي موضوعنا، وإلى حد الآن، لا أحد يعرف السبب الحقيقي وراء هذا التغيير الخطير الذي تعتبر كلفته المجتمعية باهظة جدّاً. الشيء الوحيد الذي يعرفه المغربي أن الحجج السالفة الذكر واهية جدّاً، وعندما تغيب الشفافية، تزدهر الروايات، ومن هذه الروايات أن الذي اشترط هذه الساعة كان هو كارلوس غصن عندما كان رئيسا لشركة رونو، قبل أن ينزلق به القدر إلى فار من العدالة، وكان يشرف على واحد من أكبر الاستثمارات الخارجية التي استقطبتها المملكة لحد الآن وأصبحنا بموجبها نعد من كبار مصدري السيارات في إفريقيا. هل هذا صحيح؟ الله أعلم، وحتى إن كان هذا صحيحا، فقد يتفهم مغاربة هذا المعطى، ولكن، أن تفرض تغيير سنة الله، وتحول بقرار سياسي القدر البيولوجي، وتجعل الأطفال خلال شتاء طويل يستيقظون ويخرجون في الظلام، وأن تفرض على ملايين الناس أداء كلفة يومية من صحتهم وراحتهم دون أن يعرفوا سبب ذلك، فهذا بالضبط هو ما يعمق الكفر بالسياسة، وبجدوى المؤسسات والانتخابات، وبمعنى الانتماء المشترك.
أنا لا أعتقد أن موضوع هذه الساعة هو موضوع هامشي يتحدث عنه الناس كل رمضان عندما يُسخنهم الكرفس في الحريرة. لا، هذا موضوع كشاف لعمق العلاقة بين من يحكمون والشعب بكل فئاته، ولو أجري استفتاء غدا حول هذا الموضوع لكان99,99٪ من الناس ضد ساعة الحكرة، والغريب أن أسباب فرض هذه الساعة التي لا نعرفها ليست قضية دولة هي أكبر من عقول العوام، أو حجرة في بنيان الثوابت نخاف سقوطها، ورغم ذلك، يتم التعامل معها بإبهام القضايا عالية الحساسية، وبعناد غير مسبوق وتعال مهين.
ما هو هدف السياسة في النهاية، إنه إيجاد الوسيلة المثلى لإسعاد الناس، أو على الأقل توفير الاختيارات الأقل سوءا عندما يعز الحسن، فلماذا يفرض على المواطن المغربي، إضافة إلى الضرائب التي لا يستفيد منها أصلا في المدرسة والصحة العمومية، أن يؤدي ضريبة أخرى هي ساعة غير بيولوجية منهكة ومكلفة، ولماذا نضحي برفاهية الناس وبمردوديتهم أيضا وندعي أننا نسوس الناس لما فيه مصلحتهم؟
الساعة غير البيولوجية مفسدة بإجماع المغاربة، والاستمرار فيها إهانة لملايين المواطنين، فالله خلقنا في خط غرينيتش، فاتركونا في خط غرينيتش الله يرحم لكم الوالدين، لأنكم بالدارجة الفصحى «عيقتم» ورمضان كريم.