يوم بيوم نور الدين مفتاح يكتب: الإعلام الحربي نور الدين مفتاح نشر في 19 مارس 2026 الساعة 11 و 25 دقيقة يستمر العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران وسط ترقب عام مما ستؤول إليه هذه الحرب التي تهدد السلم العالمي. وحين يطرح ملايين المتابعين للحرب السؤال حول تطوراتها، يكون الاصطدام بمتقابلتين: فمن جهة، هناك صنبور مفتوح بلا توقف على الأخبار، خصوصا من طرف القنوات الإخبارية على مدار الساعة، ومن جهة ثانية لا نرى بالملموس صورا […] نور الدين مفتاح [email protected]
يستمر العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران وسط ترقب عام مما ستؤول إليه هذه الحرب التي تهدد السلم العالمي. وحين يطرح ملايين المتابعين للحرب السؤال حول تطوراتها، يكون الاصطدام بمتقابلتين: فمن جهة، هناك صنبور مفتوح بلا توقف على الأخبار، خصوصا من طرف القنوات الإخبارية على مدار الساعة، ومن جهة ثانية لا نرى بالملموس صورا للضربات والاستهدافات إلا لماماً. أي أننا نتابع الحرب ولكن في نفس الوقت لا نرى شيئا عن الحرب!
وفي الوقت الذي يتوالى فيه المراسلون من أكثر المناطق سخونة في العاصمة طهران وبقية المدن الإيرانية، وفي بغداد ولبنان وإسرائيل ودول الخليج وواشنطن وغيرها، ويبدو وكأننا بصدد حرب مكشوفة ينقلها من عين المكان زملاء في مناطق خطرة، يتبين من خلال التمحيص قليلا أن ما يقوم به المبعوثون الخاصون في غالبه الأعم ليس إلا تحصيلا للمعطيات المتاحة، والشيء الوحيد الإضافي الذي يقدم للجمهور هو هذا الحضور الميداني التحليلي. وبالتالي، تتحول وسائل الإعلام المفترض أن تكون حَكما بين روايات الأطراف إلى مجرد ناقل لهذه الروايات وواضع لها في سياقها، مع العجز التام عن القيام بالدور الأساسي للصحافي وهو التأكد من صحة الأخبار.
يقول المهاجمون لإيران إنهم ضربوا 5000 هدف، وفي جل الشاشات العالمية، لا نرى بالكاد إلا نيرانا ودخانا بعيدا من خلال كاميرا هاوية أو فيديو مواطن. وتؤكد طهران أنها تضرب أهدافا في إسرائيل يوميّا، ولا نرى أيضا في أكبر القنوات إلا متابعة بعيدة لكاميرا عن ضوء في السماء، ويبدأ المراسل في التنجيم عما إذا كان الصاروخ قد اعترض أو سقط أو تفرقت بعض شظاياه. نفس الشيء يقع في الضربات المؤسفة على دول الخليج، إيران تقول إنها تضرب القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة، والمستهدفون يؤكدون أن الأمر يتعلق بضرب أهداف اقتصادية ومدنية. فهل العيب في كفاءة الزملاء أم في استقلالية وسائل الإعلام، أم أن طبيعة الحرب التي ليس فيها اشتباك على الأرض، بل تدور بصواريخ باليستية فرط صوتية، هي التي تجعلنا أمام تغطيات عالمية بلا حقيقة؟
أعتقد أن هناك ما هو أعمق من هذا بكثير، والعدوان الذي يقوض اليوم الأسس التي توافق عليها المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وانبثقت عنها الأممالمتحدة هو نفسه الذي يقوض السلطة المضادة في الديموقراطيات للسلط المؤسسة تنفيذيا وتشريعيا وقضائيا. إن استهداف الإعلام في أكبر الديموقراطيات على عهد ما يمكن أن نسميه بالمستبدين في الدول المتقدمة كان ظاهرة ملازمة لما عرفناه مؤخرا من تغيير جذري في العلاقات الدولية، خصوصا مع إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدةالأمريكية لولاية ثانية، واستمرار نتنياهو على رأس أسوأ حكومة متطرفة في تاريخ الكيان الصهيوني.
لقد كانت علاقة دونالد ترامب مع الصحافة جد متوترة، حيث أهان صحافيين أمام الملأ، ووصف صحافية مرافقة بالطائرة الرئاسية من صحيفة «بلومبورغ» ب«الخنزيرة» فقط لأنها سألته عن قضية «إبستين»، ورفع دعاوى قضائية وشكاوى ضد وسائل إعلام منها شبكة «سي. بي. سي نيوز» و«واشنطن بوست» وغيرهما. وعموما كان شعاره هو ما نشره على منصته بأن الصحافة «حقا عدوة الشعب»!
لقد انعكس هذا بالطبع على تدبير دونالد ترامب للرقابة الإعلامية الضرورية في الديموقراطية على القرارات العامة، وخصوصا الكبرى منها، ولا أكبر من شن حروب كالتي نعيشها اليوم. فقبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، احتج عشرات الصحافيين الأمريكيين بمغادرة مكاتبهم في البنتاغون، مع التخلي عن تصاريح عملهم، على القيود التي فرضتها الإدارة على تغطيته الشؤون العسكريّة. وتتمثل هذه القيود في التعهد بعدم جمع أو نشر أي معلومات غير مصرح بها رسميا مع الموافقة المسبقة قبل النشر.
هم أربعون صحافيا ظلوا لسنوات مكلفين بتغطية كل الشؤون العسكرية وقد غادروا لتندلع الحرب على إيران بدون شهود موضوعيين.
وفي الجهة المقابلة والمشاركة في العدوان، نجد أن بنيامين نتنياهو يعتبر الحرب على الإعلام جزءا من حربه «المقدسة» من أجل الاحتلال والهيمنة، ولعل أبرز ما حدث تزامنا مع حرب الإبادة الجماعية على غزة، هو إصدار قانون يقيد التصوير والنشر خلال الحرب، ويحظر تصوير عمليّات القصف أو اعتراض الصواريخ، ويمنع نشر الصور أو مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأعمال العسكرية. وتصل عقوبة مخالفة هذا القانون إلى ثلاث سنوات سجنا.
ومعروف أن الحكومة المتطرفة لبنيامين نتنياهو منعت طيلة مدة الحرب على غزة دخول وسائل الإعلام الأجنبية للقطاع، وأغلقت مكاتب الجزيرة حتى في رام الله. بل إن نتنياهو خاض حروبا ضد الصحافة الإسرائيلية نفسها، وفرض عقوبات على صحيفة «هآرتس» وحرمها من الإشهار العمومي! هذا النتنياهو هو الذي قتل 257 صحافيا خلال الحرب على غزة، وهو الذي يريد اليوم أن يستمر في العدوان بدون شهود ولا حقيقة إلا حقيقة الناطقين الرسميين باسم العدوان.
هكذا نعيش حقيقة هذه الحرب غير المسبوقة التي يقودها شخصان خطيران على الأمن والسلم العالميين، يجاهدان كي تظل روايتهما هي الموجه لرأي عام لا يستحق في نظرهما إلا الحجر، فما هي أصلا أهداف الحرب؟ أي لماذا اندلعت؟ لا يمكن أن نجد تحقيقا صحافيا حقيقيا، وليس عجزا في وسائل الإعلام، ولكن لأن المنظومة التي بنيت في واشنطن وتل أبيب كان هدفها بالضبط هو التعتيم وخلط الأوراق. والغريب أن سياسة التضليل هاته أصبح لها عنوان جديد، وهو أن ترامب مثلا سيحوز الرقم القياسي في الحديث اليومي لوسائل الإعلام عبر التاريخ، ولكن، خلف هذا الإسهال، هناك نيّة السيطرة على المشهد وتكريس رواية واحدة وتعويم الحقيقة وسط أمواج من الهذيان. وقد ذكر الرئيس الأمريكي أكثر من سبب لهذه الحرب المجنونة، وأكثرها إثارة هو أن إيران كانت على وشك أن تهاجم الولاياتالمتحدةالأمريكية!
على الأقل، خلال جريمة جورج بوش الابن في حربه على العراق، تجشم هذا الرئيس الذي ضربت بلاده على عهده في تفجيرات 11 شتنبر 2001 الأليمة عناء الذهاب إلى مجلس الأمن و «لياقة» فبركة وزير الدفاع حينها كولين باول لوثائق تدعي امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل. أما اليوم، فهناك رئيس يخرج في أي مكان ويقول أي كلام ثم يشن حربا تقلب الشرق الأوسط.
والغريب أنه في غياب الشهود الموضوعيين على ما يجري، نصبح في عالم من أفلام الخيال العلمي، فترامب الذي هاجم صحيفة «نيويورك تايمز» في يونيو الماضي لأنها قالت إن الضربة الأمريكية للمفاعلات النووية الإيرانية في حرب الإثني عشر يوماً لم تقض على السلاح النووي لطهران، هو نفسه اليوم الذي يبرر العدوان بأن إيران كانت على وشك امتلاك القنبلة النووية! وسواء تعلق الأمر بسبب الحرب أو أهدافها أو مجرياتها، فإن الخبر الوحيد الذي يراد لنا أن نحكم به على ما يجري هو ما تصنعه البروباغندا الأمريكوصهيونية. هذه البروباغندا هي نفسها التي اشتغلت بشكل محموم خلال الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها إيران قبل الحرب. وفي الوقت الذي يعترف فيه المعنيون بأن الموساد و «سي. آي. إي» مزروعة في مفاصل الدولة ومدسوسة وسط الشعب الإيراني، فإنهم يبنون على الاحتجاجات التي أججوها رواية القمع الوحشي، والنظام الذي يقتل الشعب. والغريب أيضا أن أرقام الضحايا تصبح لعبة بحيث نسمع مرة عن 800 ف 8000 ثم يصل الرقم لتبرير العدوان إلى ادعاء قتل إيران ل 34000 متظاهر! ولا صورة ولا دليل ولا سجل إلا ما يقوله المحللون في البلاطوهات الغربية، وجلهم قريبون من الصهاينة ومن الترامبية!
أنا لا أزكي هذا النظام الإيراني، ولكن الحقيقة مطلوبة سواء اتجاه نظام دموي أو نظام إنساني، فنحن نتابع حرباً على شعب من أجل قلب نظام في قلب الشرق الأوسط، في الوقت الذي تعتبر أم القضايا في هذا الشرق الأوسط هي الاحتلال الغاشم لفلسطين. أي أن المشكلة ليست في إيران اليوم ولكن في تل أبيب التي تحلم بإسرائيل الكبرى، وتجر أمريكا وراء هذا السراب الذي ينذر بخراب عالمي، مع محاولات جبارة لأن يتم كل هذا بلا شهود، وبالتضليل والتعتيم والمغامرة التي تصل إلى حدود المقامرة، فاللهم الطف.