انتهت، يوم الأحد، محادثات غير معلنة حول ملف الصحراء، احتضنتها السفارة الأمريكية في مدريد، من دون عقد مؤتمر صحافي مشترك، وسط ترقب لبيان رسمي مرتقب من واشنطن، بحسب ما أفادت مصادر مطلعة. ووصفت المصادر غياب أي إعلان علني بأنه "متوقع" بالنظر إلى حساسية المرحلة وطبيعة النقاشات السرية. وأوضحت المصادر أن معظم الوفود المشاركة غادرت مقر الاجتماع عقب انتهاء المحادثات، في حين واصل الوفد الأمريكي مشاوراته داخل السفارة لصياغة بيان ختامي منفرد يُنتظر أن يصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية أو البيت الأبيض في وقت لاحق.
وبحسب معطيات متقاطعة، أفضت المشاورات إلى توافق إجرائي أولي يقضي بإنشاء لجنة تقنية دائمة تضم خبراء قانونيين وسياسيين، تعمل تحت إشراف مشترك أمريكي–أممي، وتتولى دراسة الجوانب العملية والتنفيذية المرتبطة بأي اتفاق إطار محتمل بين المغرب وجبهة البوليساريو. وأشارت بعض المصادر إلى أن هذه اللجنة ستعنى خصوصاً بالقضايا المؤسساتية والإدارية المرتبطة بمقترح الحكم الذاتي. وفي السياق ذاته، تحدثت مصادر مطلعة عن اتفاق مبدئي على عقد جولة جديدة من المفاوضات المباشرة في العاصمة الأمريكيةواشنطن خلال شهر ماي المقبل، بهدف التوصل إلى "اتفاق إطار" سياسي يمهّد للمرحلة التالية من المسار التفاوضي، في ما تصفه أوساط دبلوماسية بخارطة طريق جديدة للمباحثات. غير أن الروايات حول طبيعة التوافقات التي تحققت خلال اجتماع مدريد تباينت. ففي حين أفادت مصادر بأن المبادرة المغربية المحدّثة للحكم الذاتي، في صيغتها التقنية الموسعة، جرى اعتمادها كمرجعية أساسية للنقاش الفني في هذه المرحلة، أشارت مصادر أخرى إلى أن المقترح المغربي لا يزال يواجه تحفظات، وأن الخلافات الجوهرية، ولا سيما حول مفهوم تقرير المصير، ما زالت قائمة. ويتمسك المغرب، وفق طرحه الرسمي، باعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية صيغة لتجسيد تقرير المصير، في حين تؤكد جبهة البوليساريو تمسكها بالتفسير القانوني الكامل للمبدأ، بما يشمل خيار الاستقلال. كما تختلف التقديرات بشأن موازين القوة التفاوضية، إذ ترى بعض المصادر أن البوليساريو حافظت على موقفها خلال النقاشات التقنية، بينما تشير أخرى إلى تعرض المغرب لضغوط دبلوماسية متزايدة في هذا المسار. ولم يخلُ الاجتماع، بحسب مصادر دبلوماسية، من توترات رمزية، أبرزها فشل مسعى أمريكي لالتقاط صورة جماعية تضم مسؤولين من المغرب والجزائر إلى جانب الجهة الراعية، في خطوة فُسرت على أنها تعكس استمرار الحساسيات السياسية بين الأطراف، وحرص بعض الوفود على تفادي أي إشارات قد تُفهم على أنها تغيير في المواقف المعلنة. ويأتي هذا الاجتماع في سياق تحوّل أوسع يشهده مسار النزاع، مع تصاعد الدور الأمريكي في رعاية المفاوضات، مقابل تراجع نسبي للقنوات الأممية التقليدية، رغم مشاركة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا. ويستند هذا المسار إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر الماضي، والذي دعا إلى مفاوضات مباشرة بين الأطراف، واعتبر أن التوصل إلى "حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق" يظل هدف العملية السياسية. وتشير معطيات دبلوماسية إلى أن واشنطن فرضت قدراً عالياً من التكتم على هذه الجولة، مشترطة أقصى درجات السرية لرعايتها، في حين اقتصر دور الحكومة الإسبانية على تسهيل انعقاد اللقاء من دون انخراط مباشر في مضمونه. وقد تولى تنسيق الاجتماع كل من مسعد بولس، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا، وممثل الولاياتالمتحدة لدى الأممالمتحدة مايكل والتز. ويقترح المغرب منح الصحراء، التي كانت مستعمرة إسبانية سابقة ويخضع معظمها لسيطرته منذ عقود، حكماً ذاتياً موسعاً تحت سيادته، في حين تواصل جبهة البوليساريو المطالبة بتنظيم استفتاء لتقرير المصير. وتشارك الجزائر وموريتانيا بانتظام في هذا النوع من المشاورات، في إطار ما تصفه الأممالمتحدة بدول الجوار المعنية بالنزاع. وبينما تؤكد واشنطن أن تسوية قضية الصحراء تمثل أولوية في سياستها تجاه شمال أفريقيا، انطلاقاً من اعتبارات الاستقرار الإقليمي والأمني، تبقى نتائج محادثات مدريد رهينة ببيانات رسمية مرتقبة، في وقت يرى مراقبون أن هذه الجولة تشكل محطة ضمن مسار تفاوضي جديد تسعى الولاياتالمتحدة من خلاله إلى كسر الجمود الطويل الأمد الذي يطبع هذا الملف. وبين ضغط أمريكي متصاعد، وتراجع نسبي لدور الأممالمتحدة، وتمسك الأطراف بمواقفها الجوهرية، تبدو محادثات مدريد محطة ضمن مسار تفاوضي جديد تسعى من خلاله واشنطن إلى كسر الجمود التاريخي للنزاع، وفرض مقاربة تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كقاعدة تفاوضية أساسية، وسط رهانات سياسية ودبلوماسية متزايدة في الأسابيع المقبلة.