تطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر وتكرم العياشي أبو الشتاء في "ربيع الشعر"    نادي المحامين بالمغرب يهدد باللجوء إلى القضاء في حال احتفال السنغال بلقب الكان في فرنسا    المديرية العامة للأمن الوطني تنعي شهيد الواجب رشيد رزوق    تصعيد إيراني وتحركات أميركية مترددة    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية وزخات رعدية محليا قوية مصحوبة بحبات البرد يومي الجمعة والسبت بعدد من مناطق المملكة    الخطوط المغربية تدشن خطاً جوياً مباشراً بين بروكسل وتطوان    جددت المملكة المغربية وجمهورية كوستاريكا، اليوم الجمعة بالرباط، التأكيد على التزامهما بإرساء علاقاتهما الثنائية ضمن دينامية جديدة قائمة على حوار سياسي مهيكل وتعاون معزز    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    مدينة الدار البيضاء تحافظ على صدارة المراكز المالية في القارة الإفريقية    بطولة UNAF: أشبال الأطلس على موعد مع مواجهة حاسمة أمام الجزائر    الارتفاع يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    إحباط تهريب دولي للكوكايين بالكركرات    مراكش.. إلقاء القبض على شخص فرض على سائق سيارة تأدية مبلغ مالي مقابل ركن سيارته في الشارع العام بدعوى توفره على "رخصة"    أمطار رعدية وتساقطات ثلجية بالمغرب    مفوض للأمم المتحدة يطالب بالعدالة وإنجاز التحقيق الأمريكي في الضربة على مدرسة إيرانية    "واشنطن بوست": أمريكا استخدمت المئات من صواريخ توماهوك في إيران    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    شَغَبُ المَاءْ                الصين تمضي قدما في سباق الفضاء بإطلاق قمر تجريبي جديد إلى المدار    إدانة الرابور "الحاصل" بثمانية أشهر حبسا نافذا    ميسي يحدد مصيره.. سكالوني يؤكد دعمه قبل كأس العالم    معاقبة غارناتشو لاعب تشيلسي بسبب السرعة الزائدة        أرباب المقاهي يطالبون بإلغاء الساعة الإضافية بسبب تداعياتها على أنشطتهم    "بلطجة وإهانة".. نادي المحامين بالمغرب يهاجم ندوة الاتحاد السنغالي بباريس        القضاء الأمريكي يوقف حظر ترامب على "أنثروبيك"    إطلاق دراسات تهيئة منطقة لوجستية بالعرقوب قرب الداخلة لمواكبة مشروع الميناء الأطلسي    عجز السيولة البنكية تجاوز 133 مليار درهم عند متم فبراير 2026    لجنة من "فيفا" تتفقد جاهزية أكادير لاحتضان مباريات مونديال 2030    النفط ينخفض بعد تمديد المهلة لإيران من طرف ترامب لكن الأسعار لا تزال مرتفعة    "العدالة والتنمية" ينتقد استمرار غياب أخنوش عن دورات جماعة أكادير وطريقة تدبير المشاريع بالمدينة    الحرس الثوري يستهدف إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج بالصواريخ والمسيّرات    أمطار مرتقبة في توقعات اليوم الجمعة بالمغرب    هجوم يستهدف ميناء الشويخ بالكويت    المغرب يستعد لمونديال 2030... لكن مطاراته لا تزال تعاني: طوابير، تأخير وخدمات تُغضب المسافرين    السجن 18 عاما غيابيا للباحث الإسلامي طارق رمضان في قضية اغتصاب بفرنسا    برنامج "المثمر" يحسّن الإنتاج الحيواني لآلاف مُربي الماشية في المغرب    مجد "الغاروم" المغربي    تصاعد مقلق للسل خارج الرئة في المغرب    هل فشل العمل الجمعوي في المغرب أم فشلنا في فهمه؟    الحملات الانتخابية السابقة لأوانها فضحت واقع الأغلبيات الهجينة    الحكامة الترابية في زمن المخاطر... من تدبير الكوارث إلى هندسة الوقاية الاستباقية    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    بنسعيد: وتيرة التطور في الذكاء الاصطناعي تتجاوز آليات المراقبة الأكاديمية    توقيف المغني Gims رهن التحقيق.. هل تورط في شبكة دولية لتبييض الأموال؟    فاس.. عرض "نوستالجيا" يغوص بالجمهور في أبرز محطات تاريخ المملكة    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انتحار
نشر في البوصلة يوم 19 - 10 - 2009

" ربُّ خُذني إلَيْكَ ، فَقَد تَأخَّر القبرُ عَنّي .. و تَعبتُ .." قالَ هذا لِنفسِهِ بانكِسارٍ تَجَلّى في تَقطيبٍ حالِكٍ يَستَبِدُّ بِوَجهِهِ المُدلَهِم بِغُبنٍ مُلازِمٍ ..و أَضافَ مُتَبَرِّمًا :"تَعِبْتُ فَقَد سَئِمتُ عذاباتي تَتناوَبُني في العُمرِ الذي هُوَ لِلْخَيْبَةِ .."وَضَعَ يَدهُ على صَدرِهِ كَأَنَّهُ يُواسي قَلبًا زُجاجِيًّا آذَتهُ الأَيامُ كَثيرًا و لَم يَرحَمْهُ الأَنامُ يَومًا ، تَنَهَّدَ عن صَدرٍ حَرِجٍ مُتَمتِمًا بِأَسًى فادِحٍ : "كَم قَد اِرتاعَت ، يا رَبُّ ، نَفسي ، فَحَتّى مَتى؟
" ثُمَّ وَمَضَ بَريقٌ غريبٌ في عَيْنَيْه و قالَ :" إذا تَأَخَّرَ القبرُ فَلِمَ لا أُسرِعُ إِلَيه ؟" .. أَبْهَرَتهُ الفِكرةُ رغمَ قَسوَتِها فَقام مُسرعًا وَهوَ يُرَدِّد : "لا تُؤجِّل مِيتَة اليَومِ إلى الغَدِ ".. أَسرَعَ نَحوَ الطريقِ التي خَمَّن أنَّه سَيَجدُ المَوتَ فيها . أكَّدَ لِنفسِهِ مُتأَلِّما و مُشجِّعا في نَفسِ الوقتِ : "هَؤُلاء الذئاب مَلَلتُ قُبحَهُم فَما رأيتُ يَومًا واحدًا هانئًا مَعَهُم ، و المالُ عزَّ فَعَزَّ مَعه الأصحابُ حتى الحبيبَةُ غَدَرت ، و لا عَمَلَ فَلا أَحد يَقبَلُني فَأنا فَلاحٌ أَطرَدَهُ القَحطُ و الجَرادُ المُلَوَّنُ مِن أرضِه فأَطرَدَهُ الناسُ مِن دُنياهم . فَلِمَ أُضايِقُهم ؟ أَلَسْتُ عِبئًا عَلَيهم ؟ فَلأَتْرُكها لَهُم لِيَمرَحوا و يَلهُوا.."
سَارَ بِخفَّةٍ و لَكن بِرَهبَةٍ بَدَأَت تَسري في جِسمِهِ .. اِستَعَدَّ لِعبورِ الطريقِ المُزدَحِمةِ بالسياراتِ و ضجيج مُحَرِّكاتِها و مُنَبِّهاتها لا تطغى على ضوضاءَ أُخرى بداخِلِهِ ..تَساءَلَ فَجأَةً :" و لِمَ يَحذَرُ مُنتَحِرٌ ؟ أَلَيسَ يَبحَثُ عن المَوتِ .. ؟" و نَظَرَ في العرباتِ المارةِ بِسُرعَةٍ و تابَعَ مُتَنَوِّعَ أشكالِها و ألوانِها و فَكَّرَ :"هَل تَصلُحُ إِحداها لِلمَوتِ ؟ "خاطَبَ نَفسَه مُشتَرٍطًا :" لا يَجب أن يَكون سائقها امرأَةً . لقد داسَت إحداهُنَّ قلبي فلا تَدوس أُخرى جَسَدي .." و لكنَّه سرعانَ ما تراجَعَ :" لَعلَّ السيارةَ لا تَقتُلني فأعيش مَشلولا أو مَبتورَ الأطرافِ و هؤلاء لَم يقبَلوني سليمًا فَما تُراهُم فاعِلين بي و أنا كَذلكَ ؟ ثُمَّ إِنّي سأُصبِحُ عاجزًا ساعتَها حتى على المَوتِ .." أسرَعَ عِندَ فُرصَةِ ابتعادِ السياراتِ يَقطَعُ الطريقَ بل لَم يَتَرَدَّد عن العَدْوِ عندما لاحَظَ اقتِرابَ سَيارةٍ بِسرعَةٍ مفاجِئَةٍ .. ولَعَن سائقَها الأهوجَ و أَلحَقَ اللعنَةَ بِسِبابٍ :" اللعينُ يُريدُ قَتلي .. "
واصل سيرَهُ بَعد أن استعاد هُدوءَ تَنفسه فَوصَل إلى سكةٍ حَديدِيَّةٍ مُمتَدَّةٍ على الأرضِ في سُكونٍ و اطمِئنانٍ ، و فَكَّرَ الرجُلُ :" أَلَيسَ القطارُ وسيلةً مضمونَةَ النتائج ؟ رأيتُ هذا يَحدُثُ كثيرًا في الأفلام .. نَعم هُو القطارُ .." و لكنَّه تَخيَّل الصورةَ فَبَدَت له فَظيعَةً جِدًّا وهو يَرى جَسَدَه مُتناثِرًا بَيْنَ العجلاتِ و العرباتِ و الطريقِ فَاستَبعَدَ الفِكرَةَ قائِلا لِنَفسِهٍ : " لَقد عِشتُ حَياتي كُلَّها مُعذَّبًا أَفَلا أستَحِقُّ ميتَةً أَكثَرَ رحمَةً ؟ "
و مضى نحوَ الأمامِ و سارَ بُرهَةً فَمَرَّ على قنطرة فَوقَ النهرِ الذي يَشُقُّ أطرافَ المدينَةِ و تَوَقّفَ لِيَرتاحَ فَقَد أَتعَبَه المشيُ و أَرهَقَهُ الهمُّ . و نَظَرَ في الماءٍ المُتراقِصِ و ظلَّ يَنظرُ مَلِيًّا ثُمَّ قال بَعدَ حينٍ بِصَوتٍ مُتَهَدِّجٍ تَتجاذَبُهُ انفِعالاتٌ شَتَّى:" وجدتُ الحَلَّ ، إِنَّه الماءُ : أَلَيْسَ مَصدرَ الحياةِ ؟ فَلِمَ لا يكونُ مَصدَرَ المَوتِ أيضًا ؟ إِنَّه لطيفٌ : سَيُحيطُ بالجسمِ في رِفقٍ و يَكتُم أنفاسي في لِينٍ " هكذا فَكَّرَ مُشجعًا نَفسَهُ .. و أضافَ بِعَزمٍ : "الآن ". و امتَدَّت يداهُ بِحَرَكَةٍ عَفوِيَّةٍ في جِيوبِهِ فَوَجَدَ بَقِيَّةً حَقيرَةً مِن مالٍ ، أخرَجَهُ و فَكَّر في أنَّه ذاهِبٌ إلى مَكانٍ لَن يَحتاجَ فيه إلى ذَلِكَ الشيءِ فَألقاهُ جانبَ القنطَرَةِ وَ قال كَمَن يُخاطِب جَمعًا حِذوَه: " أَلستُم تُريدونَ المالَ ؟ فَلتَأخُذوهُ . "
و مَضى يَتَخَيَّلُ سقوطَهُ في الماءِ و أَحسَّ بِرعدَةٍ و قشعريرَةٍ و هوَ يَرى اختِناقَهُ و احتِباسَ الهواءِ في صَدرِهِ و خَمَّنَ أَنه سيتخبطُ بِيَدَيْه و قَدَمَيْهِ و لَعَلَّهُ سيطلُب المساعَدَةَ ، فَأحَسَّ بِخَجَلٍ مِن خَوفِهِ و قَد تَجَلّى لَهُ .. صمت حينًا مِنَ الدهرِ، ثُمَّ أَشرَقَ وَجهُهُ بِنورٍ جَديدٍ إذ التَمَعَت في ذِهنِهِ فِكرَةٌ جَديدَةٌ ، جَديدَةٌ تَمامًا :" مَاذا لَو يُحاوِلُ مِن جَديدٍ أَن يَتَصالَحَ مَع الحَيَاة ؟" . أَعجَبَتْهُ الفكرَةُ و قال لِنفسِه :" لابَأسَ مِن المُحاوَلَةِ .. ثُمَّ إنَّني أستَطيعُ الانتحارَ إِن فَشِلتُ هَذهِ المرةَ ." أَحَسَّ بِطُمَأنينَةٍ وهوَ يَعدِلُ عَن الارتِماءِ في الماءِ الذي أَصبَحَ ساكنًا تَحتَهُ كَأنَّما قَد خابَ أَملُه في استقبالِ هذا الضيفِ في أَعماقِهِ . التَقَطَ المالَ الذي كانَ قَد ألقاه و أَخَذَ طريقَ العودَةِ و بَدَأت طُبولٌ لِلفَرَحِ تَدُقُّ في مسامِعِه فَتصم أُذنَيهِ عن دَوِيِّ الحياةِ مِن حوله .. و التقطت عيناه الكليلتان بالفرحَةِ ، الدنيا مِن حَولِهِ فَرآها جَميلةً فزادَت فرحَتُهُ لأنَّه لَم ينتَحِر و استنشَقَ الهواءَ بِمِلءِ صدرِهِ فَوَجَدَهُ نَقِيًّا صافِيًا رغم تَلوثه بِدُخانِ السياراتِ و الأنفاسِ الموبوءَةِ و أسعَدَتهُ الحياةُ بُرهَةً إِذ رأى في وجودِهِ نِعمَةً لا ينبغي التنازُلُ عَنها بِسُهولَةٍ ..و أخذ يُحدِّثُ نفسَه بِصَوتٍ مُرتَفِعٍ كَأَنَّهُ بِمُفرَدِه في الكَونِ فَقَال :" أما المرأَةُ فسَأَتَّخِذُ غيرها ، و أما العَمَلُ فسأعودُ إلى الأرض أزرعُها بِعزمي و أَسقيها بِعَرَقي و أَمّا الناسُ فَسَيَكونُ صَبري صَخرَةً تُحطِّمُ دناءَتَهم .." و ارتفع الدوِيُ عالِيًا عالِيًا في أُذُنَيْه مِثلَما ارتَفَعَ هُوَ عَن الدنيا من حَولِهِ فَطارَ سابِحًا في أحلامِه و اقتَرَبَ في سَيرِهِ مِنَ السكةِ الحديدية الثابتَةِ في مكانِها دومًا ، و لَمْ يَنتَبه إلى جَلَبَةٍ شديدَةٍ تَسبقُ كتلةً حديديةً بشعَةَ المنظَرِ و اللون تُقبِل بِجَشَعٍ مُرعبٍ ..
و ارتفَعَت صَرَخاتٌ في الأنْحاءِ القَريبَةِ لِأُناسٍ شاهَدوا جَسَدا تُمزِّقُهُ العَجلاتُ المُتَتابِعَةُ بِشراسَةٍ فَظيعةٍ و تُفَتِّتُهُ فَتَذروا فُتاتَهُ نُثارًا على جَوانِبِ العرباتِ و عَلى الأَرضِ المُحيطَةُ ،اِنتَفَضَ الرجالُ يَضطَربونَ في أَماكِنهم إذْ لَم يَعرِفوا تَمامًا ما الذي يُمكِنُ ُفِعلُهُ ، أَمّا النسوةُ فَأسرَعنَ يُشِحْنَ بِوُجوهِهُنَّ عَن ذَلك المنظَر حتى لا يَرينَ المَوتَ المُتَناثِرَ و يُخفينَ أَعيُنَ الصبيانِ بِهَلَعٍ و لَكنَّ صَيحَةً مَبتورةً كانَت قَد بَلَغَت كُلَّ الآذان .
..........................
فيصل الزوايدي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.