تحت دوحة شفشاون الوارفة والضاربة في جذور التاريخ المغربي، ضربت جمعية أصدقاء المعتمد قبة الشعر الخضراء في موعد جديد متجدد مع المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث في دورته 36، والذي يعد أعرق مهرجان شعري وطني وعربي، بشعار:» الإقامة شعريا في وطن موحد» أيام 15 16 17 يناير 2026، والذي تضمن مجموعة من الفعاليات والفقرات. وقد شهد المهرجان حفل افتتاحه الرسمي بحضور عامل الإقليم زكرياء حشلاف ورئيس جماعة شفشاون محمد السفياني والمندوب الإقليمي لوزارة الشباب والثقافة والتواصل بتطوان العربي المصباحي والمنتخبين وغيرها من الشخصيات الرسمية بالإضافة إلى المشاركين شعراء ونقاد وفنانين، والجمهور الذي حج بكثافة إلى دار الشباب. وقد ألقى رئيس الجمعية الشاعر والإعلامي عبد الحق بن رحمون كلمة افتتاحية رحب فيها بالجميع، شاكرا الداعمين والمشاركين الذين لبوا الدعوة. ثم وقف عند شعار هذه الدورة الذي» يعكس المثل العليا للأمة المغربية، وقوة الأدب الهائلة في تعزيز الوحدة الوطنية، عبر تجسيد الهوية المشتركة بقيمها وتاريخها وتأكيد الوعي بالقضايا الوطنية، وكذا تحفيز المشاعر ومنحها شعورا بالانتماء والافتخار».ثم استعرض برنامج المهرجان الغني بفقراته من ورشات وندوة نقدية، وجلسات شعرية وعروض فنية ومعرض الديوان الشعري المغربي، ما يحقق الأهداف المتوخاة من هذه التظاهرة الثقافية الوطنية عبر تمكين الجمهور الواسع من الاطلاع على جديد الإبداع الشعري الوطني واستشراف آفاقه والاحتفاء بالشعر والشعراء، وكذا التعريف بما راكمته شفشاون من مكتسبات ثقافية تعكس تاريخها الأدبي والفني العريق». وختم الرئيس كلمته بالتأكيد على أن « الشعر سيكون نار القرى التي نجتمع حولها مستدفئين بحرارتها هذه الأيام الشتوية المباركة بمطر السماء على ربوع بلادنا الطيبة». وبعدئذ أقيمت الجلسة الشعرية الأولى التي أدارتها الشاعرة مريم كرودي باقتدار والتي شارك فيها الشعراء: أمينة المريني، علال الحجام، مراد القادري، محمد عبد الغفور العزاوي، وسعيد كوبريت. ليختتم اليوم الأول بحفل بهيج تميز بأقوى اللحظات التي عرفت تكريم شعراء وشاعرات اعترافا بما كان لهم من بصمة خاصة في المشهد الشعري والأدبي والإعلامي الوطني ، وهم: فاطمة برودي، عبد الحميد جماهري، لطيفة المسكيني، الزبير خياط، جمال أماش، مريم أطويف والفاعل الجمعوي الأستاذ عبد السلام تحايكت (عضو سابق بمكتب الجمعية) وقد تشرف عامل الإقليم بتقديم «درع الإبداع» لهم. وفي صباح اليوم الموالي جرت أطوار ندوة نقدية بفضاء مكتبة البلدية مناهل العرفان، سيرها باقتدار الشاعر والإعلامي سعيد كوبريت بحضور ثلة من النقاد المغاربة المرموقين لمقاربة موضوع» آفاق وهويات شعرية مغربية»، والتي ركز فيها الناقد نجيب العوفي على حضور الجسد في الشعر المغربي النسوي وتمظهراته الإيروتيكية، مبرزا كيف يساهم هذا الشعر في تفكيك الثنائية الجندرية بين الأنثوي والذكوري. ثم أشار إلى حساسية ثيمة الجسد في النص الشعري الأنثوي لما يثيره من صدمة للقارئ، متسائلا هل هي اختراق لطابو الجسد، أم هروب من الواقع العربي الساخن، معتبرا أن هذا الحضور الكثيف للجسد ظاهرة حديثة مرتبطة بتحرر النسوية الجديدة وتأثير هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي.وقد رصد أربعة أبعاد لذلك: البعد الجمالي السيميائي للجسد، البعد الإيروتيكي الشهوي، البعد التمردي ضد المركزية الأبيسية والبعد التنفيسي عن مكبوت الجسد.وختم بالإشارة إلى نماذج من شاعرات مغربيات جسدن هذه الرؤية في أعمالهن، مثل:مالكة العاصمي ( شيء له أسماء)، وفاء العمراني (فتنة الأقاصي)، ثريا ماجدولين (سماء تشبهني قليلا) وإكرام عبدي (لن أقارب النوارس)، وبأن كتابة المرأة لجسدها وإضاءته وتعريته وإخراجه من التعتيم التاريخي هي عمل على تحريره رمزيا. أما الناقد عبد الغني عارف فقد ركز في مداخلته الموسومة ب» الشعر اليوم: الهوية والجدوى» على إشكالية هوية الشعر وجدواه في عالم قيد التحول، متسائلا عن ضرورته وقدرته على تشكيل هوية مستقلة، وخلص إلى أن الشعر عوالم من الدهشة يصعب ضبطه والإحاطة به، وأنه رغم من يرى عدم ضرورته ،إذ يمكن للحياة أن تستمر بدون شعر وشعراء، يظل عند آخرين حاجة رمزية تمنح للإنسان المعنى والهوية. كما اعتبر القصيدة مرآة لحياة الشعوب وأن الشعر يعيد خلق الوجود ويحقق التوازن للحياة ويجعل الشعراء سادة الكون من خلال سلطة اللغة والرمز، وهو حنين وحلم لا يموت في القلب والذاكرة يحفظ الجمال من النسيان ويبقينا أطفالا دائما. أما الشاعر والناقد محمد العناز فقد ساهم بمداخلة عنوانها «قلق الهويات في الشعر المغربي وتأويل المتخيل الرمزي»، استهلها بمناقشة قلق الهوية في الشعر المغربي من خلال المتخيل الرمزي، معتبرا أن الهوية الشعرية عبور بين جغرافيات ثقافية ورؤى مختلفة، والمتخيل بالنسبة له هو مجموعة من التشخيصات والتمثلات التي نحملها معنا. وتوقف الناقد أيضا عند هوية المهمش في تجربة الشاعر منير بولعيش في مساءلة مصير مدينة طنجة من خلال ديوانه «لن أصدقك أيتها المدينة» وقد ساهم تعدد المرجعيات الثقافية لدى الشاعر في صوغ هويته الشعرية. كما توقف عند المتخيل الصوفي في شعر أمينة المريني من خلال ديوانها «سفر العاشق» إضافة إلى انفتاح المتخيل الشعري على التشكيل واقتصاد اللغة والمنظور السوريالي إلى الجسد الذي يروم تدمير هيمنة النسق الذكوري في تجارب نسوية معاصرة كالشاعرتين فاطمة الزهراء بنيس ونعيمة فنو… وخلص إلى أن الشعر المغربي يتميز بتعدد الهويات وغنى المتخيل. فيما قدم الشاعر والناقد إسماعيل العلالي مقاربة لسانية لشعر محمود درويش، مستثمرا اللسانيات الجنائية لتفكيك بنية ضمير المتكلم وتحليل البصمة الصوتية في النصوص، لإثبات صوت المتحدث أو المؤلف خاصة في الأعمال المشتركة، كما هو الحال في قصيدة» رسالة إلى جندي إسرائيلي» بين محمود درويش ومعين بسيسو، وانتهى إلى أن صوت المتكلم في شعر درويش يتحول إلى تعدد أصوات يعكس ثراء التجربة الشعرية. وفي مساء ذلك اليوم، أقيمت الجلسة الشعرية الثانية بمشاركة الشعراء والشاعرات أحمد بنميمون، عبد القادر العلمي، عبد العالي الدمياني، فاطمة الزهراء بنيس، سلوى المجاهد، وشعيب العسيري التي أدارتها الشاعرة والإعلامية ليلى بارع باقتدار.واختتمت هذه الجلسة بحضرة الشعر الحساني التي أنارتها الشاعرة مريم أطويف بقصائدها المتعددة التيمات بما فيها قصائد التبراع، لتعقبها الجلسة الشعرية الثالثة التي أدارها الشاعر والناقد إسماعيل العلالي بحرفية والتي شارك فيها الشعراء والشاعرات: مخلص الصغير، جمال أزراغيد، محمد بن يعقوب، ليلى بارع، عبد الجواد الخنيفي، مريم كرودي وعبد الحق بن رحمون. واختتمت الجلسة بموعد مع الزجل شارك فيه الزجالان عزيز ريان وبوعزة الصنعاوي. وبهذا اختتمت فعاليات المهرجان بإلقاء رئيس جمعية أصدقاء المعتمد بشفشاون عبد الحق بن رحمون كلمة ختامية أكد فيها بأن المهرجان لم يكن إلا» عرسا إبداعيا أشعّت فيه نجمة الشعر في علياء سماء شفشاون التي جعلت من أمير القول منذ ثمانية وستين عاما مدينة تحتضن كل شواعر وشعراء المغرب ونقاده وإعلامييه وكل محبي الشعر» . وبالموازاة مع فعاليات المهرجان تميزت هذه الدورة عن الدورات السابقة بتنظيم ورشات التمرين على الكتابة الشعرية لفائدة ثلاث مؤسسات تعليمية بالمدينة؛ حيث أطر الشاعر والناقد والروائي عبد الغني عارف ورشة بالثانوية التأهيلية أحمد الإدريسي،كما أطر الشاعر والناقد الزبير خياط ورشة بالثانوية التأهيلية الإمام الشادلي للتعليم الأصيل، في الوقت نفسه الذي أطرت فيه الشاعرة ولإعلامية مريم كرودي ورشة بالثانوية الإعدادية المشيشي، وكل ذلك تحت شعار:»الإبداع الشعري في قلب الحياة المدرسية». وما ميز هذه الورشات التي أقيمت في الوقت نفسه الإقبال الكبير من طرف التلاميذ الذين تجاوز عددهم مائة مستفيد، وتقديم المؤطرين عروضا مبسطة حول مميزات الكتابة الشعرية العربية، والتدريب على إنجاز نصوص شعرية والاستماع إلى ما أبدع في الورشات من نصوص. كما تميزت أيضا بفقرة ماستر كلاس «شاعر في مؤسستنا»، حيث حل الشاعر ورئيس بيت الشعر بالمغرب مراد القادري بالثانوية التأهيلية ظهار بن عياد بشفشاون لعقد لقاء مع التلاميذ والحديث عن الكتابة الشعرية بصفة عامة وتجربته بصفة خاصة والمسارات التي سلكها والتأثيرات التي تعرض لها، وكذا فائدة القراءة التي تسهم في تثقيف الإنسان وصقل موهبته .