مجلس أكادير يصادق على برمجة فائض    "بعد فوات الآوان".. موتسيبي: "أحداث نهائي "الكان" غير مقبولة وسنجري تعديلات وعقوبات رادعة حفاظا على نزاهة الكرة الأفريقية"    انفراجات المرتفع الآصوري تُعيد "الاستقرار" لسماء المغرب الأسبوع المقبل    أسلحة بيضاء تطيح ب 4 أشخاص بالعيون    لجنة دعم منكوبي تاونات تدعو إلى إعلان الإقليم منطقة منكوبة بعد أضرار جسيمة خلفتها التساقطات والانجرافات    باتريس موتسيبي ينفي تأجيل كأس إفريقيا 2027    بوانو: إيقاف المحامين لإضرابهم وحوارهم مع رئيس الحكوم تم بفضل وساطة برلمانية        رقم معاملات "اتصالات المغرب" يقفز إلى أكثر من 36 مليار درهم سنة 2025    دعم متضرري الفيضانات: 6 آلاف درهم للأسر و15 ألفا للإصلاح و140 ألفا لإعادة البناء    طنجة…توقيف شخص مشتبه تورطه في ارتكاب جريمة قت.ل عمد داخل مؤسسة استشفائية    شفشاون .. تعبئة متواصلة لاستعادة حركة السير بشكل طبيعي بالطرق والمسالك القروية    فرقة الحال تتألق بمسرح محمد الخامس    رمضان على "تمازيغت": عرض غني من الدراما والوثائقيات يلامس الواقع وأسئلة المجتمع    تحذيرات خبراء : "أطعمة تقتل الإنسان ببطء وتوجد في نظامنا الغذائي"    غدا السبت يوم دراسي بمقر الحزب حول «التنمية العادلة: الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين شرعية الاختيار وفعالية الإنجاز»    حصيلة دعم متضرري "فيضانات آسفي"    هل يبدأ إنييستا فصلاً جديدًا من مسيرته من المغرب؟    رئيس مجلس النواب يجري مباحثات مع رئيس المجلس الدستوري لجمهورية تشاد    حقينة سد وادي المخازن تتراجع إلى 156% .. والأمطار تنذر بحمولات إضافية    العرائش: عالم آثار ألماني يقود بعثة لإثبات فرضية "ميناء غارق" قبالة السواحل المغربية    آسفي : التساقطات الأخيرة تنعش الآمال بموسم فلاحي واعد        انطلاق موسم دوري رابطة المقاتلين المحترفين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2026            الارتفاع يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الجمعة    توظيف مالي مهم من فائض الخزينة    ترامب يهدد إيران بعواقب "مؤلمة جدا" في حال عدم التوصل لاتفاق حول برنامجها النووي    نمو بنسبة ٪؜11 في تمويل الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر بالصين خلال 2025    نيويورك.. الشعبة البرلمانية المغربية تشارك في جلسة استماع أممية لتعزيز التعاون متعدد الأطراف    سفير روسيا: تعاون اقتصادي متماسك مع المغرب رغم العقوبات الغربية    المغرب، ضيف شرف السوق الأوروبية للفيلم في مهرجان برلين الدولي    قنطرة بني عروس... روح المسؤولية والتعبئة الجماعية في الموعد حتى تعود لآداء دوره    وزارة التربية الوطنية تعتمد توقيتاً دراسياً خاصاً بشهر رمضان للموسم 2025-2026    أمطار رعدية وثلوج ورياح قوية.. تحيين نشرة إنذارية يضع عددا من مناطق المملكة في مستوى يقظة برتقالي    "الكاف" تحدد موعد قرعة ربع نهائي دوري الأبطال وكأس الكونفدرالية    آخر موعد لرحلات الإمارات من الجزائر    واشنطن تعزز الوجود البحري قرب إيران    العثور على جثة الأم المفقودة في فاجعة سيول بني حرشن بإقليم تطوان    الوجه الشيطاني لجيفري إبستين .. أسرار جزيرة الرعب    إصابات وإجلاء آلاف السكان جراء اضطرابات جوية بإسبانيا والبرتغال        هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    مهرجان برلين الدولي للفيلم 2026.. مديرة السوق الأوروبية للفيلم: المغرب مركز استراتيجي للإنتاجات السينمائية الدولية    العصبة تكشف برنامج الجولات 13 و14 و15    لجنة تبحث اختيار الرباط عاصمة للإعلام    الكونفدرالية الأفريقية.. أولمبيك آسفي يشدّ الرحال إلى الجزائر لمواجهة اتحاد العاصمة في صراع الصدارة    فيلم عن "مصورة أفغانية" يفتتح مهرجان برلين    أبحاث أمريكية: النوم المتأخر يهدد صحة القلب    دراسة علمية تكشف طريقة فعالة لتقليل آثار الحرمان من النوم    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوسيع نطاق جراحات العيون للحد من حالات العمى الممكن تجنبها    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في المتابعة الجنائية لقادة البوليساريو أمام المحكمة الوطنية الاسبانية

لقد تتبع الرأي العام الدولي والوطني في الأسبوع الماضي,تقديم ضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني في مخيمات تندوف, لشهاداتهم عما اقترفته قيادة البوليساريو في حقهم أمام المحكمة الوطنية الاسبانية، التي تعتبر بالمناسبة أعلى هيئة قضائية في نظام العدالة الجنائية في الدولة الاسبانية، هو حدث جدير بالاهتمام والتوقف عند دلالاته ومقاربته من زاوية القانون الدولي الجنائي، خصوصا وأنه سبق المحكمة الوطنية الاسبانية أن فتحت ملفات مماثلة للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني بالشيلي والهندوراس والأرجنتين، في سياق سيادة القانون ومناهضة الافلات من العقاب والكشف عن الحقيقة وتحديد المسؤوليات وإثبات الوقائع.
القراءة القانونية لقرار استدعاء بعض ضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني, المرتكبة من طرف قادة البوليساريو منذ سنة 1979 في مخيمات تندوف، مثل الضحية الداهي أكاي، رئيس جمعية مفقودي "البوليساريو" والضحية سعداني ماء العينين، التي تم ترحيلها كباقي الأطفال المحتجزين بمخيمات تندوف إلى كوبا وهي في الخامسة من العمر، يؤكد بما لا يدعو الى الشك أو الالتباس, أولا, أن العدالة الإسبانية قبلت الشكاية التي تقدم بها الضحايا ضد قادة البوليساريو ومجموعة من ضباط الأمن والجيش في الجزائر في 14 دجنبر 2007, وثانيا, فالمحكمة الوطنية الاسبانية تعتبر أن ما تم ارتكابه من طرف قيادة البوليساريو في حق الأسرى و المدنيين المحتجزين بمخيمات تندوف فوق التراب الجزائري مثل التعذيب بشتى صوره بدنيا أو عقليا و العقوبات الجماعية والتشويه وأخذ الرهائن تتوفر فيها أركان الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، التي تستدعي تحريك آليات المتابعة الجنائية ضد المسؤولين في جبهة البوليساريو كشكل من أشكال الكشف عن الحقيقة وجبر الاضرار الفردية والجماعية ومناهضة الافلات من العقاب.
1 - المرجعية القانونية المتعلقة بحماية المدنيين المحتجزين
في مخيمات تندوف
إن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تمثل حجر الزاوية لضمان حماية المدنيين المحتجزين بمخيمات تندوف من جرائم البوليساريو، وذلك بتحريم الاعتداء على المدنيين أو مهاجمة أو تدمير المنشآت الضرورية لحياة المدنيين . فالباب الثاني والباب الثالث من الاتفاقية الرابعة لجنيف يشكلان مرجعية اساسية للقانون الدولي الانساني تفرض على البوليساريو كطرف في النزاع على الصحراء المغربية ضمان السلامة الجسدية والأمنية للمدنيين المحتجزين بتندوف وحمايتهم من جميع أساليب القتل والترهيب و التخويف والأعمال الانتقامية، كما ان البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 يقضي بأن توفر البوليساريو مواد الإغاثة والأدوية والمواد الأساسية الضرورية للبقاء على قيد الحياة للسكان المدنيين المتواجدين في مخيمات بتندوف.
هذا في حين أن العديد من التقارير الدولية تؤكد على ان البوليساريو تفرض حصارا على المدنيين وتحجزهم في معتقلات بالمخيمات بهدف منعهم من التنقل و مغادرة اماكن الاحتجاز وتمنع عنهم ابسط المستلزمات الضرورية مما يؤدي الى ارتفاع معدل الوفيات في صفوف الأطفال والنساء و تجويع المدنيين في تندوف، وهو ما يؤكد بما لا يدعو إلى الشك أن هناك سياسة ممنهجة من طرف البوليساريو تندرج في اطار الاعمال الانتقامية) (les représailles تروم ارتكاب انتهاكات جسيمة في حق المدنيين بتندوف بالرغم من ان مقتضيات القانون الدولي الانساني تلزم البوليساريو باتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين بإنشاء مناطق وأماكن آمنة تأوي النساء والأطفال والعجزة وتأمين المواد الغذائية ومواد الإغاثة الضرورية لصحة المدنيين والحوامل والأطفال، وهو ما يثير المسؤولية الجنائية الفردية للمسؤولين في جبهة البوليساريو.
وما دمنا نتحدث عن مبدأ تأمين نقل مواد الإغاثة والمواد الضرورية للمدنيين المحتجزين بتندوف، فالعديد من التقارير تؤكد ايضا عدم وصول مواد الاغاثة للمدنيين بالمخيمات ، كما ان العديد من المرضى خضعوا للتحقيقات الأمنية في المستشفيات الجزائرية وكان السؤال الأبرز للمستجوبين حسب شهادات المرضى حول ماهي الدواعي والاسباب التي تدفع الى مغادرة مخيمات تندوف.
إن منع وصول مواد الإغاثة الإنسانية والدواء للمدنيين المحتجزين في مخيمات تندوف يشكل انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني، فالمادة 14 من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 تمنع تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب وتمنع حرمان وصول المواد الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة مثل المواد الغذائية والأدوية ومواد الإغاثة الأولية.
إن هذه الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها قادة البوليساريو في حق المدنيين المحتجزين بمخيمات تندوف يشملها اختصاص المحكمة الجنائية الدولية من حيث الموضوع وفقا لنص (المادة5) و هي:
-الجرائم ضد الإنسانية: التي تشمل مجموعة من الأعمال المرتكبة في إطار سياسة ممنهجة وواسعة النطاق تهدف احتجازالسكان المدنيين بالمخيمات وفرض حصار عليهم يمنع عنهم مواد الاغاثة و استعمال اسلوب التجويع في اطار الاعمال الانتقامية les représailles.
-جرائم الحرب: وتشمل جرائم الحرب وفقا لأحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية:
-الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وتشمل الأفعال التي ارتكبتها البوليساريو حسب العديد من الشهادات والتقارير الدولية و التي ادت الى قتل و تعذيب واحتجاز تعسفي واختطاف ومحاكمات خارج القانون و الترحيل القسري لاسباب عسكرية في حق المدنيين بتندوف وعدم انشاء اماكن آمنة لحماية المرضى والمسنين والاطفال والنساء وعدم تسهيل مهمة اللجنة الدولية للصليب الاحمر لتأمين البعثات الصحية وزيارة المعتقلين والمحتجزين وتأمين مرور المواد الغذائية والأدوية.
الانتهاكات الجسيمة المرتكبة من طرف البوليساريو ضد الاسرى المغاربة الذين يعتبرهم القانون الدولي الانساني في الاتفاقية الثالثة فئة تستدعي الحماية من جميع اشكال المعاملة المهينة والحاطة من الكرامة واحترام شرفهم ومعتقداتهم وشعائرهم الدينية واعادتهم الى وطنهم بعد وقف إطلاق النار.
والعديد من شهادات الضحايا تؤكد على فصول مأساوية من التعذيب والانتهاكات الجسيمة في سجن الرشيد الذي يضم طبقات تحت الارض بمثابة قبور للأسرى والمدنيين المعتقلين والتي كانت تصفهم البوليساريو بكليبات الفولة والذين تم استغلالهم في البناء والطبخ والعديد منهم ما زال يحمل اثار التعذيب الجسدي والنفسي بفقدان الذاكرة والاعاقة الذهنية والجسدية .
2 - المحكمة الوطنية الإسبانية
والمتابعة الجنائية للانتهاكات الجسيمة المرتكبة من طرف البوليساريو
في حق المدنيين المحتجزين بتندوف
في الحقيقة، وبناء على ما سبق، إن مسألة تحريك الدعوى الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية بالنسبة للإنتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني المرتكبة بأمر وعلم من طرف المسؤولين في قيادة البوليساريو ممكنة بواسطة ثلاث آليات منصوص عليها في مقتضيات اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية:
تحريك الدعوى الجنائية من طرف إحدى الدول الأطراف المصادقة على اتفاقية روما بإحالة قضية الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني المرتكبة في تندوف أمام المدعي العام وفق المادة 14.
- تحريك الدعوى الجنائية من طرف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ، إذا قام من تلقاء نفسه في التحقيق في جرائم البوليساريو المرتكبة في تندوف.
-إحالة مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة, قضية ارتكاب الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني في حق المدنيين المحتجزين في تندوف إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.
فتحريك الدعوى الجنائية ضد قادة البوليساريو كما سبق ذكره هي آلية متاحة بدول الاتحاد الأوروبي مثل اسبانيا برفع دعوى جنائية من طرف جمعيات الضحايا والمحتجزين بتندوف أمام المحكمة الوطنية باسبانيا كدولة مصادقة على المحكمة الجنائية الدولية وتأخذ بمبدأ النظام القضائي الشامل. حيث يمكن للمحاكم الوطنية للدول الاطراف في اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية والتي تأخذ بمبدأ الاختصاص الوطني الشامل ومنها طبعا المحكمة الوطنية الاسبانية , محاكمة قادة البوليساريو بسبب ارتكابهم للجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب المنصوص عليها في (المادة5) من النظام الأساسي لاتفاقية المحكمة الجنائية، خصوصا وان المادة الاولى من الاتفاقية تعطي الاولوية للمحاكم الوطنية للمتابعة الجنائية في هذه الجرائم ولا ينتقل الاختصاص الى المحكمة الجنائية الدولية الا في حالتي عدم وجود ارادة سياسية للمتابعة او فشل النظام القضائي الوطني.
ومن تم, فالمحكمة الاسبانية مؤهلة للبت في قضية الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني بمخيمات تندوف , ولكن على شرط وضع ضحايا هذه الانتهاكات او المنظمات حقوق الانسان للشكاوى. مع العلم ان التشريع الجنائي الاسباني أدمج تعريف الجريمة المرتكبة ضد الإنسانية وجريمة الحرب في القانون الجنائي وتحديد العقوبات التي تطبق على الأشخاص الذين ارتكبوا الجرائم الدولية أو أعطوا أو أمروا بارتكابها مهما كانت صفتهم الرسمية وإحالتهم على المحاكم الوطنية لضمان عدم إفلاتهم من العقاب وفق القاعدة الفقهية "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".
فمبدأ مناهضة الافلات من العقاب يعتبر عنصرا أساسيا لتحريك آليات المتابعة الجنائية في حق المسؤولين السياسيين والعسكريين للبوليساريو الذين أمروا بارتكاب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي استهدفت المدنيين المحتجزين والأسرى في مخيمات تندوف، خصوصا وأن العدالة الجنائية الدولية لا تأخذ بالاعتداد بالصفة الرسمية التي لا تعفي من المسؤولية الجنائية، كما أنها لاتشكل في حد ذاتها، سببا لتخفيف العقوبة و تحدد المسؤولية الجنائية الفردية لكل شخص ارتكب الجرائم التي تدخل نطاق اختصاص المحكمة، سواء أمر أو حرض أو قدم المساعدة أو ساهم بأي شكل في ارتكاب الجرائم ضد الانسانية و جرائم الحرب.
وهو ما يفسر قبول قاضي المحكمة الوطنية الإسبانية بالشكاية التي تقدم بها في 14 دجنبر 2007 مجموعة من الضحايا ضد قادة البوليساريو، بتهمة ارتكاب جرائم الإبادة والاختفاء القسري والبالغ عددهم 29 شخصا، منهم الممثل الحالي للبوليساريو بالجزائر وممثلها السابق في إسبانيا، إبراهيم غالي، المتواجد حاليا بالجزائر ووزير الإعلام المزعوم في "الجمهورية الوهمية" أحمد بطل، ووزير التربية المزعوم البشير مصطفى السيد، والممثل الحالي للانفصاليين بإسبانيا جندود محمد. كما تتابع المحكمة الوطنية الإسبانية محمد لوشاع الممثل السابق للبوليساريو في جزر الكناري والذي توفي مؤخرا بلاس بالماس، وخليل سيدي محمد ما يسمى بوزير المخيمات، ومحمد خداد المنسق الحالي مع المينورسو والمدير العام السابق للأمن العسكري، بتهمة تعذيب المدنيين في مخيمات تندوف .
وفي هذا الصدد تتضمن اتفاقية روما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية مجموعة من المبادئ الأساسية تقوم عليها المساءلة الجنائية لقادة البوليساريو:
ا - المسؤولية الجنائية الفردية (المادة 25)
ان للمحكمة اختصاص مباشر على المسؤولين السياسيين والعسكريين للبوليساريو. فقادة البوليساريو الذين ثبت ارتكابهم للجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة هم مسؤولون عنها بصفتهم الفردية وفقا للنظام الأساسي، حيث يسأل الشخص جنائيا في حال قيامه بما يلي : ارتكاب هذه الجريمة، سواء بصفته الفردية، أو بالاشتراك مع آخر، الأمر بارتكاب، أوالحث أو التحريض أو المساعدة على ارتكاب الجريمة .
ب- عدم الاعتداد بالصفة الرسمية (المادة 27) يطبق هذا النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية، وبوجه خاص، فإن الصفة الرسمية للمسؤولين في الحكومة المزعومة البوليساريو ، لا تعفيهم بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي، كما أنها لا تشكل، في حد ذاتها، سببا لتخفيف العقوبة.
ج- مسؤولية القادة العسكريين (المادة 28 ) إن القادة العسكريين في البوليساريو مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب افراد القوات التي تخضع لإمرتهم و سيطرتهم الفعليتين.
3 - المسؤولية القانونية للجزائر وواجب حماية المدنيين المحتجزين بتندوف.
إن مقتضيات القانون الإنساني المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبرتوكولان الإضافيان لعام 1977 تتضمن عدة مقتضيات تتعلق بإثارة المسؤولية القانونية للجزائر, فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني المرتكبة في حق المدنيين المحتجزين بتندوف .
إن المادة الأولى المشتركة تؤكد بأن الدول الأطراف ومنها الجزائر طبعا تتحمل مسؤولية الالتزام بتفعيل وإعمال الوسائل القانونية والتدابير اللازمة لقمع انتهاكات القانون الدولي الإنساني ومعاقبة مقترفي الجرائم الدولية فوق اراضيها.
ويخصص القانون الدولي الإنساني جزءا مهما من أحكامه لاتخاذ تدابير وقائية و قمع الانتهاكات الجسيمة المرتكبة فوق أراضي الدول الاطراف. وبناء على ذلك فالجزائر تتحمل مسؤولية تطبيق "قاعدة محاكمة المجرم أو تسليمه".
ففي قضية ارتكاب البوليساريو للانتهاكات الجسيمة في حق الاسرى و المدنيين المحتجزين بتندوف ان مسؤولية الدولة الجزائرية قائمة بموجب القانون الدولي الانساني الذي يلزم الدول الاطراف أن تحيل المتهمين بارتكاب جرائم ضد الانسانية و جرائم الحرب فوق اراضيها الى محاكم وطنية أو تسليمهم إلى طرف متعاقد لمحاكمتهم إذا توفر على أدلة اتهام كافية لإدانتهم.
فالمادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة تلزم الدولة الجزائرية بملاحقة المتهمين وتقديمهم إلى المحاكمة. فهذه القاعدة لا ترتبط بسيادة الدول حيث يمكن لهذه الأخيرة التنازل عنها في علاقاتها المتبادلة و إنما ترتبط بحقوق أشخاص وأفراد محميين. وتأكد الطابع المطلق لنظام الالتزام بمنع ارتكاب الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني أيضا في (المادة 25) من اتفاقية جنيف الأولى و(المادة 82) من اتفاقية جنيف الثانية، وقد كانت (المادة 148) من الاتفاقية الرابعة صريحة بشأن التزام الدولة, حيث نصت على: "أنه لا يجوز لأي طرف متعاقد أن يتحلل من التزاماته أو يحل طرفا متعاقدا آخر من المسؤوليات التي تقع عليه، أو على طرف متعاقد آخر فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة المشار إليها في (المادة147)، ومنها القتل العمد، التعذيب، المعاملات غير الإنسانية والتجارب البيولوجية، إحداث الآم فظيعة عن قصد والمس الخطير بالسلامة الجسدية والصحة، الاختطاف، النقل القسري، الاعتقال التعسفي أو غير المشروع، أخذ الرهان..."وهي كلها متوفرة في الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها البوليساريو في تندوف في حق الاسرى والمدنيين المحتجزين.
فالدولة الجزائرية مسؤولة قانونيا أولا عن ضمان وضع قواعد القانون الإنساني موضع التطبيق والمتعلقة بحماية المدنيين المحتجزين في تندوف وثانيا باتخاذ جميع التدابير الوقائية اللازمة لمنع ارتكاب الجرائم ضد الانسانية في حق هذه الفئة المحمية بموجب الاتفاقية الرابعة و ثالثا بمحاكمة أو تسليم في اطار التعاون القضائي كل شخص وردت معلومات تثبت تورطه في ارتكاب جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية في حق المدنيين المحتجزين بتندوف .
وفي هذا الشأن فالعديد من التقارير والشهادات لأفراد من الجيش الجزائري مثل الضابط السابق والصحفي أنور مالك والعديد من ضحايا جحيم معتقلات تندوف, قدمت شهادات حول انتهاكات حقوق الانسان في مخيمات تندوف تؤكد على المسؤولية المشتركة للجزائر والبوليساريو في ارتكاب التعذيب في حق معتقلين مغاربة وموريطانيين واجانب, اضافة الى انتهاك الاعراض والمتاجرة بالاطفال في مخيمات تندوف.
وتجب الاشارة في الأخير الى أن مجموعة من الجمعيات الصحراوية وجهت في السابق رسالة الى الامين العام للامم المتحدة تحمل المسؤولية للجزائر والبوليساريو, بشأن الأوضاع غير الانسانية للنساء في مخيمات تندوف, تطالب من خلالها بتشكيل لجنة تحقيق دولية حول ملابسات الحصارالمضروب على المدنيين والحرمان من الحق في التعبير والحق في التنقل وحق العودة الى الوطن الأم وضرورة الكشف عن مصير العشرات من المختطفين والمفقودين.
(*) أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق
بجامعة القاضي عياض بمراكش


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.