تم يوم الخميس الماضي دفن جثمان الراحلة كريستين السرفاتي المناضلة الحقوقية ورفيقة درب المناضل الراحل ابراهام السرفاتي في قريتها بجوفونس في منطقة لوب الفرنسية. كريستين فضلت أن يتم تشييع جنازتها في قريتها بدل أضواء العاصمة الفرنسية أو المراسيم المغربية، وذلك بحضور ابنائها وعائلتها. وحضر هذا التأبين حوالي 150 من الحضور من المقربين وحوالي 20 من المناضلين المغاربة وأصدقاء الراحلة، وعدد من رفاق الدرب المغاربة منهم إبراهيم أوشلح ومحمد المباركي وسفيرة فلسطين بالاتحاد الأوربي ليلى شهيد. كريستوف ابن كريستين، ذكر في تأبينه لأمه الخصال النضالية والإنسانية للراحلة وأهم ما كشف عنه هو اختيار والدته النضال بالمغرب «والدتي اختارت النضال بالمغرب، وكانت عضوا فعالا في قيادة منظمة الى الأمام المغربية». وأضاف في الكلمة التي ألقاها بمبادئها وخصالها النضالية، قال» إن كريستين لم تتردد في الدفاع عن عائلة أوفقير وقالت بضرورة الفصل بين الجنرال وعائلته». ساهمت كريستين في ترسيخ شخصية ذات مبادئ لا يمكن لأي أحد أن يتناساها. حدثتني كريستين عن مواجهتها لمعارضة شرسة من طرف المغاربة المناضلين لما طرحت الدفاع عن عائلة الجنرال أوفقير. وفرضت الفصل بين الجنرال وأولاده الأبرياء مما قام به هو كعسكري.» ليلى شهيد ذكرت هي الأخرى الصداقة التي جمعتها بالراحلة وكيف تشكلت هذه الصداقة بالمغرب وقالت « كم ترجيت من كريستين أن تدعم السجناء الفلسطينيين كما دعمت المعتقلين بالمغرب وكانت تجيبني دائما سوف أقوم بذلك، إذا لم يعد هناك أي سجين رأي مغربي». إبراهيم أوشلح وهو مناضل حقوقي، وأحد رفاق الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي والمقاوم الفقيه البصري ، ذكر في تدخله كيف كان التعارف مع ابراهام السرفاتي وكذلك مع رفيقة دربه كريستين التي خاضت العديد من المعارك الحقوقية مع المغاربة. «تعرفنا على كريستين مدة ثلاثين سنة، وكانت رفيقة ومؤازرة لمعركتنا في أوربا من أجل حقوق الانسان بالمغرب، معركة إطلاق سراح السرفاتي، ثم عودته الى المغرب خاضتها الحركة الحقوقية المغربية بشراسة، وساهم فيها مناضلون اتحاديون بفعالية، الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي طرح بإلحاح قضية ابراهام السرفاتي مع الملك الراحل الحسن الثاني. نتمنى أن يكون غدا في مدينة من مدن المغرب شارع باسم كريستين السرفاتي، وذلك اعترافا بهذه المعارك التي خاضتها الى جانب الحقوقيين المغاربة.» أما ابنة الراحلة ليزا فقالت إن أمها «اختارت أن تدفن في قرية جوفونسي، بعيدا عن اضواء العاصمة الفرنسية والمراسيم المغربية، وسط العائلة والمقربين، رجعت كريستين الى الأصل، المناضلة التي واجهت في عنفوان شبابها الاحتلال النازي حيث كان والدها أول وال يعينه الجنرال دوغول لتمثيله في المناطق المحررة بالنورماندي، وذلك بعد نزول الحلفاء و اندحار القوات الالمانية في صيف 1944.وبعد ذلك تولى مسؤولية جامعة كاين، واختارت كريستين في ما بعد الانفصال عن زوجها الاول وهو قاض بالمحاكم الفرنسية بعد أن عين لمحاكمة الثوار الجزائريين، وفضلت الشعب الجزائري على زواجها.» وأضافت ليلى شهيد : « تعرفت على كريستين في الرباط ، كنت أنذاك أقيم مع زوجي برادة في شقة صغيرة بأكدال ،أقامت في بيتي كريستين، هذا البعبع الذي كان يخيف الاجهزة الامنية. كنت أعتقد أن لها شكلا مخيفا لكن اكتشفت انها امرأة وإنسانة عادية، نحيفة القامة وشعرهااشقر وعيناها زرقاوان، لكن كانت لها شخصية وقوة إقناع غير عادية، وأقنعتني بسرعة أن أساعدها في الاتصال بإبراهام الموجود بالسجن. وأن استعمل الجلباب والنقاب وتسللت ضمن عائلات المعتقلين لتسليم القفة الى ابراهام المعتقل وأيضا خطابات ورسائل كريستين. بعد أن قلت للحرس إنني لا أتوفر على بطاقة هوية.» وأضافت «كنت أعرف الابواب التي فتحتها كريستين لابراهيم أوشلح ولرفاقه في فرنسا، وأقول لكم ّأنتم المناضلون المغاربة كنتم منظمين وفعالين واستعملتم قدرات كريستين وغيرها في معركتكم، وكم ترجيت كريستين أن تقوم بنفس العمل تجاهنا نحن الفلسطينيين، فنحن أيضا لنا معتقلون سياسيون.» أما ابن العسكري عقا الذي شارك في انقلاب الصخيرات فقال «أريد الاشادة هنا بالدور الذي لعبته كريستين لمساندتنا خصوصا بعد هروب والدي من معتقل «بي اف 3 «ناحية الرباط سنة 1976 صحبة الحسين المانوزي والكولونيل عبابو والاخوة بوريكات، لولا كريستين لما تجرأت أن أتكلم عن والدي «. لمباركي باسم الجمعيات المغربية الحقوقية والأحزاب الديموقراطية بالمهجر أضاف أن :» كريستين رفيقة درب المناضلين المغاربة بالمهجر ساهمت في كل المعارك لإدانة الاستبداد والخروقات البشعة لحقوق الانسان في بلادنا ، اتسمت علاقتها مع كل المناضلين بالحب والاحترام والتقدير، كانت ضمن طليعة التضامن الأوربي مع نضال الشعب المغربي من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان، اختارت أن يقرن اسمها باسم ابراهام السرفاتي سجين الرأي ببلادنا. ساهمت بشجاعة في كشف طبيعة النظام المخزني. «، كما أن «عضويتها بمنظمة الى الامام عارضها العديد من المناضلين باعتبارها ليست ذات اصل مغربي وهذا الموقف كان يؤلمها كثيرا، خاصة أنه يأتي من رفاق في النضال.» وطالب ابراهيم أوشلح في كلمته « ننحني إجلالا لروح سيدة شاركت معنا محنة النضال لحقوق الانسان ببلادنا ،فتحت لنا أبوابا عديدة هي ورفاق لها، لا يمكن نسيانهم، فرنسوا ديلا سودا، الاميرال انطوان سونجينيتي والمحامي ألان مارتيني والمحامي موريس بيتان، كل هؤلاء كانوا أصدقاء للشعب المغربي على غرار الفرنسيين الاحرار في عهد الاستعمار. فتحوا لنا أبواب قصر الاليزيه والبرلمان الاوربي ونظموا معنا ندوات ومؤتمرات ولقاءات صحفية ،سلطنا جميعا الاضواء على خروقات حقوق الانسان في بلادنا، وكشفنا جميعا عن وضعية الاختفاء القسري وتازمامارت وقلعة مكونة وغيرها. ساهم هذا العمل في أن يختار النظام نهجا آخر ويفرج عن معتقلي تزمامارت ويعلن العفو في يوليوز 1994 لتشق البلاد أجواء أكثر صفاء ولنتجنب مناطق الزوابع. أود هنا أن أشير الى الدور الذي قام به الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي في معركة إطلاق سراح ابراهام السرفاتي ورجوعه. اشتغلت معه وهو وزير أول في هذا المجال، وقد ألح على الملك الراحل حول الموضوع إلا أن الملك الراحل الحسن الثاني رفض نهائيا عودة ابراهام، قائلا «إن هناك في تندوف معسكرا يسجن فيه ضباط من قواتنا المسلحة ويحمل هذا المعسكر اسم ابراهام السرفاتي، فإن رجع ابراهام للمغرب رحلت عنه أنا». ورغم هذا الإلحاح لم يتمكن من إقناعه بهذه العودة. بعد هذه الفترة، عمل الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي وعباس بودرقة بذكاء ومرونة من أجل رجوع ابراهام السرفاتي، وتمكنوا من إحباط مخططات ادريس البصري وسعيه لإفشال هذه الدعوة وهذا ما شهدت به كريستين في وثائق مكتوبة، وفي اعتذار وجهته الى عبد الرحمان اليوسفي». في هذا التأبين قدم الشاعر المغربي الانصاري قصيدة رثاء حول الفقيدة ، كما تمت أيضا قراءة أشعار محمد درويش.