مجلس الجالية يشيد بالتعليمات الملكية بتسهيل عودة مغاربة العالم الى أرض الوطن بأسعار مناسبة    "التعاون الإسلامي" تؤيد الحوار بين مدريد والرباط    حصري..حميد شباط يعلن نهاية علاقته بحزب الاستقلال    إسبانيا تبحث عن وساطة أمريكية مقابل تشبث المغرب بموقفه    انتخابات الجزائر: تحطيم رقم قياسي في نسبة امتناع غير مسبوقة من التصويت!!    رسمياً: بينيت رئيساً للوزراء في إسرائيل خلفاً لبنيامين نتانياهو    في لقاء شهد 8 أهداف.. الوداد ينتصر على حسنية أكادير ويعزز صدارته لترتيب "البطولة"    تشكيلة الرجاء الأساسية أمام نهضة بركان    بلاغ جديد من الديوان الملكي.. ترتيبات خاصة للمواكبة رهن إشارة الجالية على متن البواخر التي تؤمن العبور    ظروف تربوية وصحية جيدة في الدورة العادية للامتحان الوطني الموحد بجهة الشرق    وزير التعليم يخرج عن صمته بخصوص حصوله على الجنسية الإسبانية في عز الأزمة بين مدريد والرباط    منظمة الصحة العالمية لاتستبعد فرضية تسرب فيروس كورونا من مختبر    السعودية تفاجئ الجميع بقرار جديد بخصوص حج المرأة    سقوط إريكسن أعاد الى فابريس موامبا ذكريات مروعة    الكشف عن اسم أول زعيم عربي سيزور البيت الأبيض في عهد بايدن    هل يلعب المغرب ورقة الغاز ؟.. تفاصيل اتفاقية اقتربت نهايتها تستنفر الجزائر ومدريد    البيجيدي يرفض إستقالة مصطفى الرميد ويعلن تشبثه به    أكادير : السلطات تحجز كمية هامة من "الزعيترة"، و"فاخر" العرعار والاركان، وأعمال عنف تعقب الحادث.    هذه تواريخ نصف نهائي عصبة الأبطال الإفريقية    وهبي "يستعيد" الرحامنة من خال الهمة.. قال: "نرجس لم يبق معه أحد"    التوزيع الجغرافي لحالات "كورونا" خلال ال24 ساعة الماضية    ''النموذج التنموي الجديد .. قراءات متقاطعة'' موضوع ندوة تفاعلية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بمراكش    أداء سيء ومنتخب بدون روح.. هذا ما يريده لقجع من خليلوزيتش في اجتماع ثنائي    بعد الأمر الملكي.. "لارام" تعلن عن أسعار تفضيلية لفائدة الجالية المغربية    عجز الميزانية في المغرب يتجاوز 24 مليار درهم خلال 5 أشهر الأولى    إنجلترا تتفوق على كرواتيا في "يورو 2020".. فيديو    لجنة حقوقية بمراكش تطالب بإطلاق سراح الراضي والريسوني    بعد استيلائها على 300 مليون.. محامية بمكناس تجر موظفة بالمحكمة للقضاء    الأمريكان يعلنون بشكل مفاجئ وقف استخدام ملايين الجرعات من اللقاح المضاد لكوفيد-19 نوع جونسون آند جونسون.    الجامعة الملكية للكانوي كاياك تكشف حقيقة قرار تأجيل الجمع العام    مجموعة قمة السبع .. أبرز نقاط الاتفاق والاختلاف بالمسودة شبه النهائية    دوري باريس ل"الكراطي".. المغربية ابتسام سادني تحرز الميدالية الذهبية وتتأهل إلى أولمبياد طوكيو    20 مليون كمامة فاسدة تجتاح ولاية ألمانية    من يكون الشاعر العراقي سعدي يوسف المثير للجدل الذي فارق الحياة في لندن؟    الجزائر تنتظر نتائج الانتخابات التشريعية وسط موجة مقاطعة واسعة    وفاة الشاعر العراقي الشهير "سعدي يوسف"    الملك يأمر بإعتماد أسعار مناسبة ومعقولة لنقل مغاربة العالم لزيارة بلدهم    طقس حار وأجواء مستقرة .. هذه هي توقعات أحوال طقس اليوم الأحد 13 يونيو    سوس تستعد لاستقبال 500 ألف إسرائيلي    فيلم "عائشة" يمثل المغرب في الدورة 22 لمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة    هذه حصيلة تلبية مجمع الفوسفاط لحاجياته بعيدا عن المياه الجوفية    "نادي الريف" يسلط الضوء على اهتمام الإعلام بالإنتاجات السينمائية الأمازيغية    جرسيف..الأنابيك والوكالة البلجيكية للتنمية تنظمان ورشا تكوينيا في تخصص "المناجر كوتش"    بُرج محمد السادس .. 810 من العُمّال في ورش البناء على مدار الساعة لتشييد أطول برج في إفريقيا    حكامة الثقافة: المنحدر الخطير    استمرار احتجاجات عنيفة في العاصمة تونس ضد انتهاكات الشرطة    المطربة الشعبية هدى في احدث كليباتها الغنائية " صاحبة العروسة "    بقيمة 100 مليون دولار..قرض جديد من البنك الدولي للمغرب    إصابة 14 في إطلاق نار بأوستن عاصمة ولاية تكساس الأمريكية    بعد أن كانت نسبة المشاركة في المساء4% أصبحت فجأة30%.. الجزائر بلد المعجزات!!    رئاسة النيابة العامة والقيادة العليا للدرك في لقاء تواصلي -فيديو    لقاء بالدار البيضاء مع غابرييل بانون حول روايته الأخيرة "ربوتات نهاية العالم"    حكاية عملة الملك فاروق "سيئة السمعة" وعمليات استخباراتية وملايين الدولارات    "لجنة الحج" تحتفظ بنتائج القرعة للموسم القادم    فيديو.. "التوفيق" يوضح حول إلغاء موسم الحج ومصير لوائح قرعة العام الماضي    وفق الحسابات الفلكية.. هذا موعد أول أيام عيد الأضحى في المغرب    مفتي مصر يعلق على قرار السعودية اقتصار الحج على المواطنين والمقيمين بأعداد محدودة    بعد قرار السعودية.. وزارة الأوقاف تكشف مصير نتائج القرعة السابقة لموسم الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ألبير كامو: عاشق أم دونجوان؟
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 07 - 05 - 2021

لعبت المرأة بزخم حضورها الفكري، الجسدي، المادي، الروحي، الإيروسي، المعنوي، العاطفي، النفسي، دورا كبيرا في صياغة النموذج الذي جسَّده كامو: الإنسان، الفيلسوف، الروائي، المسرحي، المناضل التحرري، الذي ناهض بشفافية كبيرة عبثية وسيزيفية الوجود؛ بنفس الحدة التي واجه بها المنظومات السياسية التوتاليتارية، مثلما عكستها بامتياز، خلال سياقه التاريخي، أنظمة أوروبا الشرقية البيروقراطية المتوارية خلف واجهة عدالة الشيوعية.
بدءا، من دائرة أول امرأة اكتشفها في حياته وهي أمّه عاملة التنظيف التي أحبها بالمطلق حد الجنون، المنحنية باستمرار على دلوها لتلميع أراضي الغرف، وقد قصم الفقر والعوز ظهرها، مرتدية باستمرار بذلة رمادية أو سوداء، صماء وأمِّية، بجانب صعوبات على مستوى الكلام. أوصاف حزينة تضمنتها مسودته ''الرجل الأول'' غير المكتملة فصولها، التي عثر عليها حين وفاته، انتهاء بنسق علاقته الغرامية الخالدة، قلبا وعقلا، مع الفنانة المسرحية والسينمائية ماريا كازارس، مرورا بصداقات نسائية عدة، لم تكن حقيقة عابرة، على الأقل تلك التي كشفت عنها حكايات وسير تناثرت هنا وهناك، كما الشأن مع «كاثرين سيليرز»، «سيمون هي Hé''، ''كريستيان غاليندو''، ''باتريسيا بليك''، ''ميMi «، دون إغفال أو مجرد سهو غير مقصود، لذكرى انتظام لقاءاته خلال فترة معينة مع سيمون دي بوفوار حول مائدة عشاء في مطعم ''ليب'' سان جيرمان، وإن لم يرتق الأمر إلى مستوى شغف غرامي بالمفهوم الذي عاشه كامو مع باقي النساء، بسبب رفض صاحب كتاب ''الإنسان المتمرد''(1951) الانسياق وراء النزوع الدونجواني لصديقة سارتر.
مغامرات عاطفية مكتملة الشروط، وجدانيا وذهنيا، نسجت باستمرار منطلقاتها وارتداداتها؛ ذهابا وإيابا، حول دائرة زواجه الرسمي من فرانسين فور، أمِّ طفلتيه كاترين وجين. عازفة بيانو رائعة يصعب مجاراتها بخصوص موسيقى باخ، ومختصة في الرياضيات .امرأة فاتنة، متحفظة جدا وقليلا ماتكشف عن سلوك ماجن، تزوجها كامو سنة 1940 .
أقول، يظل تأويل موضوع الحب عند كامو متعددا يصعب جعله ممتثلا لخلاصات قراءة واحدة، مادامت تتسامى مناحيه عن هواجس الدونجوانية عند حدود مقتضياتها المضطربة ذات الحس الشهواني المبتذل. أيضا، في ذات الوقت، هنا تكمن المفارقة المدهشة، استمر كامو شخصا حرا، ضمن سياق مختلف، كأنه امتثل على طريقته لمقولة القديس أوغسطين : «فلتعشق ثم اصنع ما تشاء».
لايخفي كامو عشقه للنساء وماتمثله المرأة من انفتاح صوب وجهة العالم والحياة، فيتطلع نحو العثور معها على صداقة عميقة جوهرية وأساسية. يجعله حضورها قادرا على استيعاب ذاته وخفايا لغزه الخاص، هكذا يرتبط شغفه اللانهائي بالحب بسعادة تجعله حرا منتشيا بالحب والحنان.
شكَّل لديه الحب، حلقة مفصلية بناءة إلى جانب العبث والتمرد، بهدف استتباب معاني المقاومة قصد تحديه الحياة والموت ثم الزمان. كان باستمرار، قريبا جدا من الموت، مهددا بنهاية باكرة قبل الأوان، جراء متاعبه الصحية الناجمة عن إصابته بداء السل، إضافة إلى تعب مضمار معاركه الفكرية.
إنه شخص قلق ومعذب، لايهنأ له بال، تقض مضجعه هواجس متباينة المشاريع، يكابد لاطمأنينة دائمة على حد تعبير فردناندو بيسوا.عزلته الذهنية، بعد أن تخلى عنه رفاقه القدامى مثل سارتر، بوفوار، ميرلوبونتي..إرهاقه الجسدي والنفسي، يستشفهما القارئ تماما من عباراته المصحوبة بشعور السلبية :''أحس هذا الصباح كما لو أني أجوف»، ''الحقيقة أنا مجرد شخص أبله، فقد لاحظت بأني فقط بصدد مخاطبة نفسي''، ''أنا فارغ وأجوف»، ''أنا قارب مترهل يسحبه موج، مبتعدا عن شاطئ رملي قبيح''، ''أعاني حالة كآبة يميزها إحباط كلي وحزن كئيب''...
هكذا، بلورت المرأة أفقا كي يحيا الحياة وفق ممكنات المقاومة والتمرد، لذلك كتب كامو سنة 1950 :''مايفعله كل واحد منا على مستوى عمله وحياته، لايقوم به وحد، بل وحده حضور يشعره بالصحبة''. وهي الصحبة التي عثر عليها في الانكباب على الكتابة والشغف بالمسرح، ثم معاشرة نساء مميزات وذكيات شكلن له سندا وجوديا، يتحدى معهن ومن خلالهن الحياة والموت والزمان، مع وفائه الشفاف لهن مثلما فعلن بدورهن نحوه على طريقتهن، لاسيما حيال زوجته فرانسين، التي أحبها حبا عميقا، بحيث تحمل مسؤوليته كزوج و أبٍ ؛ رغم كونه منح ذاته حق أن يعيش علاقات عاطفية كثيرة خارج إطار الزواج.
في خضم ذلك، تظل أهم علاقة طبعت حياة كامو على جميع المستويات، تلك التي جمعته بالفنانة المسرحية والسينمائية ماريا كازارس المنحدرة من أصول إسبانية، ابنة آخر رئيس حكومة للجمهورية الإسبانية؛ نفيت أسرتها إلى فرنسا سنة.1936
غرام استثنائي، متوقد، ملتهبة أبعاده، صار بالإمكان إدراجه تاريخيا منذ إزالة اللثام عنه بفضل وثيقة الرسائل، إلى جانب أشهر الصداقات الغرامية التي حافظت على هيبة فرادتها النوعية في تاريخ الإنسانية، وقد دونت مراسيم للحب، ووضعت أبجديات لإتقان فن العشق والارتقاء به نحو مدارج السمو والكمال والإبداع.
إذن، إقرار من هذا القبيل، أضحى ثابتا بكيفية جلية للعموم على نحو واضح منذ سنة 2017،عندما وافقت كاترين كامو(ابنة كامو)، كي تصدر دار النشر غاليمار مجلدا ضخما تضمن بتفصيل مختلف المراسلات العاشقة المتبادلة بين كامو وعشيقته كازارس لمدة خمس عشرة سنة؛ طيلة الفترة الممتدة بين(1944-1959 ).
عمل هائل، أزاح السرية والخصوصية عن زهاء ثمانمائة وخمس وستين رسالة غرامية، ضمها كتاب سميك قارب ألفا وثلاثمائة صفحة. تنبغي الإشارة في هذا المقام إلى أن وديعة الرسائل، مكتملة، توصلت بها كاترين كامو من طرف كازارس قبل وفاتها سنة 1996، عن طريق الشاعر روني شار.
التقى كامو وكازارس لأول مرة في باريس يوم 6يونيو 1944،عند ميشيل ليريس بمناسبة تنظيم الأخير للقاء فني بهدف مناقشة مسرحية لبيكاسو .لقاء، حدث عشية إنزال قوات الحلفاء على شاطئ نورماندي .يبلغ عمر كازارس آنذاك واحدا وعشرين سنة، بينما قارب كامو عقده الثالث، متزوجا مثلما سبق ذكره من فرانسين فورFaure، وأبا لطفلتين توأم، غير أنه يعيش وحيدا في باريس لأن زوجته لم تغادر وهران. أيضا أنهى آنذاك نشاطه الصحفي في جريدة ''نضال'' كي يتحول صوب مغامرة جديدة اسمها ''نضال حر'' صحبة باسكال بيا. صار حينها كاتبا مشهورا، بعد إصداراته المتمثلة في عمليه: ''الوجه والقفا''(1937)، الغريب(1942) ، ثم عضوا ضمن لجنة القراءة في غاليمار.
بدورها، ابتدأت كازارس خلال تلك الحقبة مسارا مسرحيا بدا منذئذ واعدا.وقد تمكنا فعلا، من خلال سرد هذه الرسائل، من استعادة جل المغامرات المسرحية لكازارس وعلاقاتها مع كبار الممثلين ومدراء الفرق المسرحية .اعتبرت حقا، واحدة من أكبر ممثلات التراجيديا في فرنسا إبان القرن العشرين. قدمت أدوارا مهمة تحت إشراف مخرجين، من قيمة ''جان فيلار''، ''جان كوكتو»،''جورج لافيلي»، ''باتريس شيرو''. وجسدت فوق خشبة المسرح المفاهيم العميقة التي انطوت عليها مسرحيات كامو وجان جنيه.
احتاج ألبير كامو وجوديا لماريا كازارس، فجاء صدفة لقاؤهما الثاني عند إحدى نقط عبور شارع سان جيرمان الباريسي، بعد قطيعة دامت ثلاث سنوات، نظرا لطبيعة الظروف الأسروية لكامو. هكذا أمدته كازارس الصلبة، الشجاعة، الودودة، بالطمأنينة، فهي بمثابة ''قوة شمسية'' تدرك كيفية العثور على الكلمات المناسبة ، شجعته كي''يمضي في سبيله''حتى النهاية مثلما قالت له، حينما أرغمه السياق أساسا على خوض معارك ضارية ضد سارتر وفرانسيس جونسون، إضافة إلى ظروف مرض زوجته ومعاناته اليومية بدوره من نوبات اختناق نتيجة مضاعفات داء السل.
يستحيل قراءة الرسالة الأخيرة التي بعث بها كامو إلى حبه الكبير يوم 30 دجنبر 1959، دون الإحساس بانقباض ينمّ عن الشؤم. نعم وردت جملة «الرسالة الأخيرة'' بكيفية منذرة : ''إلى اللقاء، جميلتي.أنا سعيد جدا لفكرة لقائك بحيث أبتسم وأنا أكتب إليك ذلك. أقبِّلك وأحضنك غاية يوم الثلاثاء، حيث أبدأ ثانية''.
غير، أن كامو لن يعود أبدا إلى باريس، لأنه توفي مباشرة جراء حادثة سير مميتة بعد أن اصطدمت، بقوة، السيارة – نوع فاسيل فيغا- التي يقودها صديقه ميشيل غاليمار بشجرة جنوب بلدة ''فونتينبلو''.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.