سعيد، ألم نتعاهد على اللقاء؟ ألم تقل لي أننا سنلتقي يوم الحادي عشر من يناير وأنك سوف تلقي كلمة في جمعٍ من زملائك وأصدقائك. لقد رتب أصدقاؤك مكانا يليق بك ووضعوا لك كرسيا في علٍّ لكنك أخلفت الموعدا. أخلفته ووضعوا بَدَلَكَ شالا أسْودَا. شالُ صديقك الفنان الفوتوغرافي حسن نديم. كنا ننتظرك في الحفل فإذا بنا نلتقي جسدك وقد فارقه النَفَسُ بالمقبرة. لماذا قررت، وهكذا دون علم منا أن تَنْقُضَ العهدَ وأنت العَاهِدُ الوفيُّ الذي لم ينكثِ العهد أبدَا، لماذا قررت أن تسلك طريقا غير الذي سلكه أصدقاؤك وزملاؤك عشية ذاك الأحد الحادي عشر من يناير؟ كنا قد تواعدنا على اللقاء في ذاك اليوم. كنت أود أن اسمعك؛ أن أسمع كلماتك التي تَسْحَبُ، كما عادتك، خيوطها من قلبك الصادق. لا تتساهل مع الكلمات، لا تتركها تسير بك حيث أراد الذوق العام. تصغي لقلبك قبل جموع القراء. تجعل القارئ يَحارُ حيث الاستماع إلى كلماتك تَجُرُّهُ إلى وديان التيه. لماذا حرمتنا ذاك المساء من الْتِحافِ كلامك؟ ألهذا الحد قسونا عليك أم قسوت على نفسك أم قست علينا وإياك الحياة؟ أخلفت الموعدَ إياه وستخلف الموعد الآتي. ألم تُواعدني على الحضور في اليوم الذي سنخصصه للراحل عبد الكبير الخطيبي حيث سنقدم عددا جديدا من مجلة أصدقاء ديونيزوس والذي سيقترح على القراء ترجمتك لألف ليلة والليلة الثالثة؟ قلت أنك سوف تكون حاضرا. بل وأنجزت ترجمة لذلك النص الذي استعصى على مترجميه المشارقة والذي ألبسته أنت حُلَّةً من روحك جَعَلَتْهُ يزداد بهاء. لكنك لن تكون حاضرا. عرفت ذلك عندما تكلمت مع عبد لله، صديقك ورفيقك وأخوك…وأجابني وكأنه يكلمني من مَجَرَّةٍ بعيدة. تكلم وكأنه رافقك إلى مكان إقامتك الجديدة. قال لي أنه جالس بقرب رأسك وأنك نائم. هكذا بدا لي عبد الله طفلا يتخيل عالما آخر يقيم فيه الآن وإياك. كلمات عبد الله، الصدوق والفنان، جعلتني أفهم لأول مرة عبارة أن الفنانين والشعراء لا يموتون، بل يغلقون أجفانهم وينامون وتبقى كلماتهم وأشكالهم وألوانهم وأنغامهم ترفرف فوق أرواحنا وتلف عالمنا بدون توقف. نَمْ، إذن، قرير العين، فصورك الفنية في شعرك وترجماتك هنا بيننا، لا تتوقف على الإشارة إلى أنك هناك، تَنْحَني برفق لتنظر إلى عالمنا الفاني.