في تفكيك و«تفكير» الموقف السويدي من قضيتنا الوطنية، الكثير من عناصر الجدة وعتبات التحول العميق، وأي قراءة لهذا الموقف، لا يمكن أن تغفل بأنها شكلت قلعة متحركة في خدمة الأطروحة الانفصالية، بل شكلت هذه القناعة في دعم الانفصاليين قاعدة أملت عليها مواقفها الرسمية، كما كانت وراء تحركاتها في المحافل الدولية، والمنظمات غير الحكومية وفي الأوساط التي تمثل أيديولوجيا ساستها كما هو حال الأممية الاشتراكية والشبيبة الاشتراكية الدولية المعروفة اقتضابا باليوزي«YUSI». لقد وقعت السويد رهينة الانفصاليين، الذين صاروا أصحاب الدار، بل إن الرهينة وقعت في غرام سجانها الأيديولوجي، وطورت «متلازمة تندوف» على غرار ما حدث في ما يُعرف بمتلازمة استوكهولم «syndrome de stockholm» نسبة إلى حادثة حدثت في العاصمة السويدية حين سطت مجموعة من اللصوص على بنك «كريديتبانكين Kreditbanken»، هناك في عام 1973، واتخذوا بعضاً من موظفي البنك رهائن لمدة ستة أيام، خلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفياً مع الجناة، وقاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم. وهناك محطات وتواريخ لها دلالة في متابعة مواقفها، جعلت تندوف «متلازمة» سويدية خلقت للمغرب الكثير من المتاعب في منطقة لها حضورها السياسي والرمزي والعالمي هي المنطقة الإسكندنافية. وقد توترت العلاقات أكثر من مرة، تجاوزت فيها حدود الخلاف الديبلوماسي المرتبط بمناسبات بعينها، من قبيل التصويت في مجلس الأمن أو مواقف داخل الاتحاد الأوروبي وغيرها. وكانت مواسم 2012/ 2016 ذات منحنى تصاعدي في التوتر بين ستوكهولم والرباط، وقتها أعلنت الدولة الإسكندنافية نيتها في التصويت على إعلان دعم دولة الانفصال، بإيعاز من اليسار الراديكالي ومساعدة من اليمين المتطرف. ويمكن أن نصنف هاته الأزمة بالتوصيف الذي أطلقته المملكة على الموقف السويدي بأنه «عدواني»، ويمكن كذلك أن نخلده بأزمة «إيكيا»، عندما رفض المغرب القرار بفتح فرع «إيكيا» بالدارالبيضاء في شتنبر 2015. وتحرك الشارع المغربي ضد هذه الخطوة، كما تنقلت وفود مغربية نحو مملكة السويد لنفس الغرض. وحصل أول تحول، كشفه تطور الموقف السويدي حينها وإعلان المملكة الشمالية أن «مواصفات الدولة لا تنطبق على جمهورية تندوف الوهمية»، وأغلقت الملف بعد توتر حاد للغاية. وقوة الموقف السويدي، لا تكمن هنا في تغليب المصلحة والعقل والقانون الدولي فقط، بل في التخلي عن دعم الجمهورية وحامل مشروعها الوهمي. وقد خبرنا دولة السويد من قبل مدافعا قويا عنهما، ويشهد كل الذين حضروا منظمات ومؤتمرات الأممية الاشتراكية، وشبيبة العالم الاشتراكي من المناضلين في الاتحاد الاشتراكي وشبيبته ما كانت تقدمه من دعم قوي، لا يقف عند المساندة الديبلوماسية، بل تولت رعاية الآلة الدعائية والحربية للانفصاليين، من تمويل تحركات البوليساريو وشبيبته، وضمان تذاكر السفر والإقامة والتواجد في الهيئات القيادية لهاته المنظمات، مع حشد التأييد في أوساط اليسار، نظرا لما كان للتجربة السويدية من تأثير على النخب الأوروبية أساسا واللاتينية داخلها ، كما هو حال المجلس الأممي ومجلس القيادة الشبيبية. والسويد، إضافة إلى ما سبق، ثالث دولة إسكندنافية تلتحق بالتحالف الأوروبي والغربي المحتضن للمبادرة المغربية، الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بعد فنلندا(غشت 2024) والدانمارك (شتنبر 2024)، ونكون نحن قد سجلنا اختراقا قويا في منطقة كانت تبدو محصنة ضد الخطاب المغربي أو الحقيقة المغربية. ولعل أهم شيء، في تقدير العبد الضعيف لربه، هو أن السويد اقترن اسمها واسم مدينة صغيرة من مدنها، بالمعايير المعتمدة دوليا في الحكم الذاتي، وهي المعايير التي وضعتها لجنة «لاند»، والتي تم تدوينها كتوصيات معتمدة من لدن «منظمة السلم والتعاون الأوروبية». وتعد «توصيات لاند « نسبة إلى لاند، وهي مدينة توجد في أقصى جنوبالسويد، احتضنت في سنة 1999 مناقشات دولية حول الحكم الذاتي وتعرف بمدينة التفكير أو الأفكار ، وبهذا المعنى يمكن أن نستخلص القول بأن السويد وجدت في الحكم الذاتي المغربي، كما سيتم تحيينه وتفصيله بقرار ملكي سيادي، ما يتلاءم مع مجهود دولي أوربي احتضنه ترابها، ومن ذلك الحكم الذاتي وما يقدمه من ضمانات دستورية، وثقافية ومساهمة في القرار الترابي . إن دعم السويد هو في العمق دعم للإطار المرجعي الدولي من أجل إقامة نظام ديموقراطي حقيقي وذي مصداقية للحكم الذاتي الدامج، وبناء على ما سبق يمكن القول، إنها تدعم التطابق بين المبادرة المغربية والمعايير الدولية كما وضعتها هي وتبنتها أوروبا والهيئات الدولية ومنها الأممالمتحدة.