المغرب والسنغال: المبادلات التجارية تتجاوز 3 ملايير درهم واللجنة العليا تراهن على مضاعفتها حل رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو، في وقت مبكر من صباح أمس الاثنين، بالعاصمة الرباط، في زيارة رسمية تكتسي أبعادا سياسية واقتصادية واضحة، تزامنا مع انعقاد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المشتركة للتعاون المغربي السنغالي، في سياق إقليمي ودولي يتسم بارتفاع المخاطر الاقتصادية وتزايد الرهانات المرتبطة بالأمن الغذائي، والطاقة، واستقرار سلاسل التوريد. وقد حطت طائرة رئيس الحكومة السنغالية بمطار الرباط حوالي الساعة السابعة صباحا بتوقيت غرينيتش، حيث كان في استقباله نظيره المغربي عزيز أخنوش، إلى جانب عدد من المسؤولين المغاربة، في استقبال يعكس أهمية هذه الزيارة على مستوى العلاقات الثنائية والرهانات الاقتصادية المصاحبة لها. وخلال المباحثات التي جمعت رئيسي الحكومتين، أكد الجانبان حرص المملكة المغربية وجمهورية السنغال، وسعيهما المتواصل نحو الارتقاء بالتعاون المشترك إلى مستويات متعددة الأبعاد، وفقا لتطلعات قائدي البلدين، جلالة الملك محمد السادس، وفخامة الرئيس باسيرو ديوماي فاي. كما شدد الطرفان على أن المغرب والسنغال سيظلان وفيّين لروح الأخوة والتضامن والاحترام التي كرسها كل منهما لفائدة القارة الإفريقية، والتنويه بدور الجالية المغربية المقيمة في السنغال، والجالية السنغالية المقيمة في المغرب، في إغناء الشراكة المتميزة بين البلدين. وأشاد رئيس الحكومة بالروابط الإنسانية والدينية والاقتصادية الوثيقة التي تجمع البلدين، والتي تتضح جليا من خلال الزيارات الثمانية التي قام بها جلالة الملك إلى السنغال. كما أبرز الدور المحوري الذي تضطلع به جمهورية السنغال في المبادرات الملكية الرامية لترسيخ التنمية في إفريقيا، لاسيما المبادرة الملكية لتعزيز ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي. ويرافق عثمان سونكو وفد حكومي وازن يضم وزراء قطاعات استراتيجية، من ضمنهم وزير الشؤون الخارجية والسنغاليين بالخارج الشيخ نيانغ، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار داوودانغوم، ووزير الصناعة والتجارة سيرين غيي ديوب، ووزير الاقتصاد والتخطيط والتعاون عبد الرحمن صار، إضافة إلى وزير الفلاحة وتربية الماشية والسيادة الغذائية مابوبا دياني، وهو ما يمنح لهذه الزيارة بعدا عمليا يتجاوز الطابع البروتوكولي، ويؤشر على رغبة دكار في تعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الرباط في مجالات إنتاجية حيوية. وتنعكس متانة هذا التعاون بشكل واضح في تطور المبادلات التجارية بين البلدين، التي واصلت منحاها التصاعدي خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتكامل نسبي في البنيات الإنتاجية وبحضور متزايد للمقاولات المغربية في أسواق غرب إفريقيا. ففي سنة 2024، بلغت الصادرات المغربية نحو السنغال ما يناهز 2.5 مليار درهم (147 مليار فرنك إفريقي)، مسجلة ارتفاعا بنسبة 19.2% مقارنة بسنة 2023 التي سجلت 2.10 مليار درهم (123.4 مليار فرنك إفريقي)، وذلك بعد زيادة قوية بلغت 33.6% بين سنتي 2022 و2023. وتعكس هذه الأرقام توسع الطلب السنغالي على المنتجات المغربية، خاصة الأسمدة، والمنتجات الصناعية، والمواد الغذائية المصنعة، وهي قطاعات يرتبط جزء مهم منها بسلاسل قيمة إقليمية تقودها شركات مغربية فاعلة. في المقابل، سجلت واردات المغرب من السنغال بدورها تطورا ملحوظا، وإن بوتيرة أبطأ، إذ بلغت حوالي 410 ملايين درهم خلال سنة 2024 (24.7 مليار فرنك إفريقي)، بزيادة قدرها 26.2% مقارنة بسنة 2023 التي لم تتجاوز خلالها 330 مليون درهم (19.6 مليار فرنك إفريقي). ويعزى هذا الارتفاع أساسا إلى تحسن واردات المغرب من المنتجات السنغالية ذات المنشأ البحري والغذائي، في سياق يتسم بارتفاع الطلب الداخلي على المواد الأولية الغذائية، وتزايد كلفة الاستيراد من الأسواق البعيدة. ويكشف هذا التطور في المبادلات التجارية عن اختلال بنيوي في الميزان التجاري بين البلدين لفائدة الصادرات المغربية، لكنه في الآن ذاته يعكس مستوى متقدما من الاندماج الاقتصادي، حيث يشكل المغرب منصة صناعية ولوجستية رئيسية داخل القارة، بينما تظل السنغال شريكا أساسيا في تزويد الأسواق الإقليمية بالمنتجات الفلاحية والبحرية. كما ينسجم هذا المسار مع التوجه المغربي نحو تعزيز حضوره الاقتصادي في إفريقيا جنوب الصحراء، من خلال الاستثمار، ونقل الخبرة، وتطوير الشراكات الصناعية والطاقية. وتندرج زيارة الوفد السنغالي في هذا الإطار الاستراتيجي، حيث ينتظر أن تشكل اللجنة العليا المشتركة فضاء لتقييم الاتفاقيات القائمة، واستكشاف مجالات جديدة للتعاون، خاصة في قطاعات الفلاحة، والصناعة الغذائية، والطاقة، والتعليم العالي، في ظل التحديات المرتبطة بتغير المناخ، وتقلب أسعار المواد الأولية، والحاجة إلى تعزيز السيادة الغذائية والطاقية. كما تكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي يعرفها الاقتصاد السنغالي، وسعيه إلى تنويع شراكاته وتعزيز موقعه داخل الفضاء الاقتصادي لغرب إفريقيا. وتأتي هذه الدينامية الثنائية في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصادات الإفريقية، بفعل تشدد الأوضاع المالية العالمية وارتفاع كلفة التمويل، ما يجعل من التعاون المغربي السنغالي خيارا عمليا لتقاسم المخاطر وتعزيز الاستثمارات المتبادلة، في أفق بناء شراكة اقتصادية أكثر توازنا واستدامة، قادرة على تحويل التقارب السياسي والتاريخي بين البلدين إلى مكاسب اقتصادية ملموسة للطرفين.