شهدت الخزانة البلدية بالحي المحمدي بالدار البيضاء، الأحد 14 مارس 2026 حوالي الساعة العاشرة مساء، تنظيم لقاء قرائي فكري لتقديم المنجز الأخير للروائي للكاتب عبد الرحمان شكيب» حدائق درب مولاي الشريف»، حيث شكلت هذه اللحظة القرائية التي نظمت من طرف الصالون الثقافي «مجمع الخوت» و «جمعية السلام» بتنسيق مع مقاطعة الحي المحمدي، مناسبة ثقافية حاول من خلالها عدد من المتدخلين قراءة مساحات التأويل الممكنة لما بين سطور السيرة الروائية لشكيب، و ما يمكن أن تسمح به من توليد لقراءات بدا أن المشترك بينها، كان هو الاحتفاء بسردية راهن صاحبها على جعلها كتابة روائية للحفر في الذاكرة الجمعية لفضاء تاريخي اسمه درب مولاي الشريف، عبر ما تسمح به -بطبيعة الحال- حدود جدلية الواقع والمتخيل ومساحات الذاتي والموضوعي في هذا النوع من الكتابات السردية. مع العلم أن اللحظة القرائية سمحت نسبيا بفتح نقاش حول الآفاق الممكنة، لهكذا سرود عن الذاكرة الجمعية للمجال عموما يمكن الإمساك بثلاثة محاور موضوعاتية ظهر أنها حركت نسبيا أنفاس هذه اللحظة القرائية الخاصة. درب مولاي الشريف وسلطة ذاكرة المجال تأخذ رواية «حدائق درب مولاي الشريف» قيمتها على الأقل أثناء لحظة التلقي الأولى من طرف القارئ من كونها تحيل مباشرة إلى ارتباطها باسم مجال ترابي تاريخي، يصعب تجاوز مساحته الأصيلة في ذاكرة الوجدان الشعبي للمغاربة محليا و جهويا إن لم نقل حتى وطنيا، إنه درب مولاي الشريف، هذا الفضاء ذو الحمولة التاريخية التي تجعل من الصعب على أي كاتب خوض غمار الكتابة عنه بسهولة، واستنطاق ذاكرة الجمعي الدفينة في ثنايا التجربة الوجودية لسكانه، تجربة تقاطع في تشكيلها بعدا الزمان والمكان على نحو جدلي إن لم نقل جد خاص( جزء من مداخلتي الكاتب والمسرحي إدريس كصرى والناقد الكاتب حسن نرايس). يكفي فقط هنا استحضار ما تحمله سيميائية عبارة درب مولاي الشريف بالحي المحمدي وما تختزنه ذاكرة الاسم بالتعبير البارتي، من شحنات سياسية قوية على حد تعبير إدريس كصرى في المخيال الشعبي المغربي ككل، كفضاء شكلت إحدى زواياه المعتمة في زمن من أزمنة تاريخنا السياسي معتقلا رهيبا لإسكات أصوات مغربية حلمت بمعانقة قيم الحرية والكرامة الاجتماعية. مع العلم أن سرديات اليومي وتشابك العلاقات الاجتماعية وعراقة تشكلها على مدى عقود من الزمن التاريخي قد منح لدرب مولاي الشريف عبقا تاريخيا ووجدانيا جد خاص يصل إلى حد التماهي مع تجارب عيش مجتمعية داخل مدن عربية عتيقة كالقاهرة وبغداد بما يعني ذلك إنتاجا ديناميا لكم هائل من الأحداث والعلاقات الإنسانية تقاطعت فيها أوجاع ألم المعيش اليومي بآمال الهروب و الانعتاق من سلطة القهر الاجتماعي، و و ما يشكل دلاليا لأي كاتب أرضية لتوليد كتابات سردية واعدة متفاعلة مع هذه المحكيات من ذاكرة الجمعي( جزء من مداخلة الكاتب عبد الرحمان شكيب ونرايس). حينما يحفر السرد في ذاكرة الجمعي اتجهت أغلب كلمات المتدخلين في هذا اللقاء القرائي، إلى محاولة تفكيك الأبعاد الدلالية والجمالية التي يمكن التقاطها ما بين سطور رواية عبد الرحمان شكيب، حيث شكل عنوان هذه الأخيرة لوحده بالنسبة للبعض، خصوصا لهؤلاء الذين عايشوا محكيات الألم والوجع الاجتماعي والقلق السياسي داخل درب مولاي الشريف ارتباكا محط تساؤل قلق عند التلقي، لم يكن لينجلي نسبيا إلا بفضل ما جاء من تأكيد على أن دلالة «حدائق درب مولاي الشريف»، هي تعبير عن احتفاء السارد داخل الكتاب نفسه بذاكرة شخوص وأعلام وأمكنة كان لها وقعها الكبير في إعطاء معنى جمالي وأفق إنساني شعبي مغيب للتجربة الوجودية داخل هذا الفضاء( جزء من حديث عبد الرحمان شكيب والفاعل الجمعوي محمد الزاوي)، خاصة إذا علمنا أن شكيب حاول في نفس السياق، داخل متن العمل، أن يجعل من انغراسه المعيشي المبكر في زمكانية الفضاء منطلقا لتوليد سردية الحكي واستنطاق الذاكرة من موقع الكاتب الذي سعى جاهدا للكتابة عن تجارب الذات عبر تسليط الضوء الروائي أكثر على محكيات الغير (جزء من أحاديث نرايس وشكيب والزاوي)، مستندا في ذلك على لغة روائية خاصة تجعل القارئ يتمثل ذاكرة سرديات شعبية منغرسة في الوجدان الجمعي لدرب مولاي الشريف، بأسلوب يحول المألوف إلى مساحة لمعانقة دهشة التلقي والاكتشاف ويجعل المحكيات عن شخوص الأمس، مدادا لبعث فعل كتابة فوتوغرافية فضائية تحكي عن ذاكرة التجارب بمنطق البعدية التي ضمنت إلى حد ما مطلب العمق الإنساني في الحكي السردي ( جزء من حديث للكاتب والإعلامي محمد أبو يهدة وكصرى). تثمين الكتابة السردية عن ذاكرة فضاء الحي المحمدي يبقى من المفيد الانتباه إلى القيمة النصية والتوثيقة التي ما فتئت تنطق بها كتابات نختار أن نسميها مؤسسة لم لا، وأصحابها اختاروا منذ سنوات التعبير السردي عن تاريخية الذاكرة الجمعية للحي المحمدي عموما ودرب مولاي الشريف على وجه الخصوص، وهي كتابات نصية كما أشار أبو يهدة في تطور مستمر، ما يستلزم بذل الجهد لتفكيكها، قصد استنباط وقراءة تأويلاتها الممكنة تثمينا لذاكرة الإنسان والفضاء بهذا الحي العريق النابض بعراقة التجربة الإنسانية في عمقها المغربي الشعبي والوطني. ضمن هذا الإطار لا يمكن إغفال الدور الطلائعي الذي تقوم به هنا عدد من جمعيات المجتمع المدني، في تثمين و احتضان عدد من الممارسات الإبداعية التي تذهب في هذا النسق السردي، حسب ما يستشف من حديث للكاتب والقاص حسن برما، دونما الحاجة للتذكير بأن هذا النوع من الكتابات التي يتقاطع فيها الحكي بالتوثيق والسرد عبر مساحات متداخلة ومتشابكة تعبر نسبيا على أنها قادرة على الرفع من وعي المتلقي بالقيمة التاريخية الشعبية لفضاء كالحي المحمدي، مثل كتابات حسن نرايس على حد قول عبد الرحمان شكيب، دون أن ننسى بطبيعة الحال متون أخرى لكتاب أمثال مصطفى أسخور ونجيب التقي وحسن برما وحسن حبيبي وأحمد طنيش وإدريس كصرى وآخرين -و ربما أخريات- يعملون ويعملن عبر كتابتهم على ترميم الذات حسب تعبير نرايس في عمقها الجمعي المعتز بالمكان والمكتشف في نفس الآن لعمق وجودية المعيش الشعبي بكل الفضاء بما يعزز من قيم الانتماء والاستثمار الرمزي التنموي. ونعتقد أن إنجاح مثل هذه التجارب على مستوى الكتابة لن يستقيم بشكل كبير دون التفكير في فتح ورش ثقافي حقيقي رسمي ومدني يحفر في أركيولوجيا ذاكرة عدد من الأحياء ذات الحمولة التاريخية، مثل درب السلطان وسباتة وسيدي عثمان والمدينة القديمة بالدار البيضاء بالإضافة لمدن أخرى، خصوصا التركيز على حفظ الذاكرة الجمعية لعدد من البنايات والتجمعات التي تعرضت مؤخرا للهدم خاصة في البيضاء، على اعتبار أن تثمين ذاكرة هذه الفضاءات يظل مدخلا أصيلا لرد الاعتبار وبناء مستقبل الأجيال المغربية القادمة على قيم الاعتراف بالمشترك الجمعي والعمق التاريخي لكل المجال،