في إطار احتفاله بمرور 25 سنة على تأسيسه، ينظم مسرح الأبيض والأسود سلسلة من الأنشطة الثقافية والفنية للاحتفاء بالرصيد المسرحي للمؤلف والمخرج المسرحي إدريس كصرى، عموماً، وبصدور كتابه المسرحي الجديد، على وجه الخصوص، والصادر عن دار سليكي أخوين بطنجة تحت عنوان «نقوش على الخواء (ثلاث سمفونيات للكعب العالي)». ويضم الكتاب، الذي أنجز لوحة غلافه الفنان محمد أمين كصرى، ثلاثة نصوص مسرحية هي: «نقوش على الخواء»، «فوانيسي يا بحر»، و«مونودراما مسودات بيضاء». وهي نصوص يعتبرها المؤلف، كما جاء في كلمته التقديمية، خلاصة إقامة إبداعية على خط التماس بين المسرح من جهة، وكلٍّ من الشعر والرواية من جهة أخرى، بما تتيحه هذه الإقامة من مدايات للحلم والكتابة، وما يرافقها من مغامرات جمالية بين سردية الرواية وحركية المسرح. فالقارئ لهذه النصوص يجد نفسه، كما يقول الروائي حسن برما في قراءة للعرض المسرحي «نقوش على الخواء»، الذي قُدم ضمن الدورة الخامسة لمهرجان المسرح بالحي المحمدي، تحت عنوان: «نقوش على الخواء: نص مسرحي فصيح بجماليات الفضح والإدانة»، موزعًا بين مواقف متعددة؛ إذ يقول: «وأنا غارق في مطاردة معاني العرض المسرحي ومحاولة تفكيك خطابه ورسائله، وجدتني موزعًا بين مواقف مختلفة؛ مرة أقول هذا موقف نقدي فني يتموضع من فن الرسم والتشكيل على وجه الخصوص، ومرة أقول هذه قصيدة شعرية فاتنة تضفي عليها روعة الإلقاء وتقمص البطلين للحالة الوجدانية التي تفرضها اللحظة المسرحية مسحة إبداعية تحلق في سماوات التخييل الواسعة، ومرة أقول إن هذا العرض غني بعمقه الفلسفي الوجودي وضبطه للمعنى الحقيقي للفن وتبعات الصراع المفترض بين المبدع وموضوع إبداعه... وفي المحصلة، صرت أمام عمل جاد أعادنا إلى زمن توهج المسرح المغربي، حين كانت ملاحم وعناوين تحارب التفاهة، وتمنحنا فرجة فاتنة تُنمّي لدى المتلقي حاسة التفاعل الإيجابي، وتدعوه للاستمتاع بتشخيص احترافي متمكن». وبقراءة متأنية لنصوص الكتاب، يلاحظ القارئ أنها تتقاطع في كون المرأة محورًا أساسيًا لها، وهو ما يوضحه المؤلف المسرحي إدريس كصرى بقوله: «قد أكون كتبت عن المرأة، وقد أكون كتبت للمرأة، لكنني قطعًا لم أكتب بالمرأة ولا عبرها، على غرار كثير من الكتابات والإنجازات الفنية التي عرفتها الساحة الفنية والأدبية في تلك الآونة، والتي ركبت موجة حقوق المرأة لأغراض لا تغيب على أحد». ويضيف: «إن نصوص هذه الأضمومة تتوحد في رغبة بطلاتها في الحضور بما يميزهن من شموخ في التعاطي مع من يلاقين وما يلاقين من قضايا وجودية؛ من بياض في مسرحية «نقوش على الخواء» التي تنهي انتظارًا دام ثلاثين سنة داخل مشغل رسام من أجل الحصول على بورتريه، إلى وميض في مسرحية «فوانيسي يا بحر» التي تظن أن فوانيسها الخمسة ستفتح لها طريقًا في البحر، وصولا إلى السيدة أحلام في مونودراما «مسودات بيضاء»، الكاتبة التي تصارع الموت في غرفة العناية المركزة، وتختار وسيم، نادل المقهى، للإعلان عن وفاتها، بعدما تأكدت أنه أكثر الناس حرصًا على حياتها وعلى الاحتفاظ بمسوداتها». وسيعمل المنظمون، بالمناسبة، على التعريف بالريبرتوار المسرحي للمؤلف والمخرج إدريس كصرى، انطلاقًا من مسرحية «أبو نواس في إجازة»، التي ألفها سنة 1985 بالاشتراك مع الشاعر الراحل عبد الرزاق جبران، ومسرحية «دقيقة صمت (عن يوميات الحجارة)»، اللتين أخرجهما ضمن نادي المسرح التابع لفرع جمعية الشعلة للتربية والثقافة بالحي المحمدي خلال ثمانينيات القرن الماضي، وقدمتهما الفرقة في عدد من الفروع. كما يشمل هذا الرصيد مسرحيات: «مدخل العطش» (عن نص قصصي للقاص أحمد بوزفور)، و«الشال الأصفر» (عن ديوان جراح الصدر العاري للشاعر المناضل صلاح الوديع)، وهما العملان اللذان قدّمهما إدريس كصرى في إطار خميسيات الانطلاقة التي عرفت نجاحًا كبيرًا خلال تسعينيات القرن الماضي، إضافة إلى مسرحية «راجع لبلادي» (عن محكيات عائد من مخيمات العار)، التي أنجزت كعرض تكريمي لمتطوعي المسيرة الخضراء بالحي المحمدي سنة 1998 بشراكة مع جمعية أهل الخلود، ثم مسرحية «نغمة على نغمة»، الفائزة بجائزة مهرجان الجامعة العربية بمراكش. وفي الفترة نفسها، أخرج مسرحية «كويزا دارت لافوت» للراحل محمد مرضي، ومسرحية «صفي تشرب» للمؤلف محمد صلاح الدين كصرى، ضمن جمعية مسرح محترف الحي. ومع تأسيس نادي الأبيض والأسود سنة 2000 بدار الشباب الحي المحمدي، وتحويله لاحقًا إلى جمعية تحمل الاسم نفسه، قدّمت الفرقة، من تأليف وإخراج إدريس كصرى، مسرحيات: «دقة دقة (تقاسيم على مقام الانتظار)»، «ألبوم صور»، «مناحات المتنبي»، و«تمامًا كالريح»، إضافة إلى النصوص التي يضمها كتاب «نقوش على الخواء»، ومجموعة من النصوص بالدارجة المغربية، من بينها: Port d' Amsterdam، والصابوطاج، وعاد عادًا، و33 TOURS. وبعد تجربة مع مسرح الواحة، أخرج عرض «سلطانة بنت الشعب» للمؤلف سعد الله عبد المجيد، ومسرحية «حلم» للمؤلف المسكيني الصغير، كما تولى، ضمن جمعية الواحة، الإدارة الفنية لثلاث دورات من المهرجان المغاربي للمسرح الشعبي. كما أنجز مسرحيات للأطفال واليافعين مع جمعية الأمل 2 بسيدي مومن، من بينها: «دعونا صغار» و«ورود على الرصيف»، وشهدت هذه المرحلة توليه الإدارة الفنية لمهرجان الأمل الوطني للمونودراما، ما فتح المجال للاشتغال المكثف على هذا الجنس المسرحي، سواء مع جمعية الأمل أو ضمن مسرح الأبيض والأسود. وهكذا توالت المونودرامات من «دار الصابون» مع الفنان سعيد مزوار، التي بلغت 83 عرضا، إلى «سبعاتو نسا» مع الفنانة فوزية النجيمي، و«أخطاء مطبعية» مع الفنان عزيز الدهبي، و«واخيي»مع الفنان أحمد بوعودة، وصولا إلى «مونودراما مسودات بيضاء» مع الفنان حميد وهام، ما جعل الفرقة مكونا أساسيا في عدد من الملتقيات والمهرجانات المهتمة بالمونودراما وطنيا وعربيا. كما قدم إدريس كصرى أعمالا مسرحية مع تلاميذ مؤسسة التفتح للتربية والتكوين ثريا جبران بمديونة، التي يشغل بها منصب المدير، من بينها: «ميلاد نجمة»، «أراضين»، HORS ZONE، و«المحطة القادمة». وستشهد هذه اللقاءات أيضا تكريم مجموعة من الأدباء والصحافيين والفنانين والتقنيين الذين اشتغلوا مع الفرقة أو استفادوا من ورشاتها التكوينية، التي شكلت واجهة أساسية في المشروع المسرحي لمسرح الأبيض والأسود.