لقد ارتقت العلاقات بين فرنسا والمغرب إلى مستوى شراكة استثنائية معززة بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها رئيس الجمهورية الفرنسية إلى المغرب في أكتوبر 2024، بدعوة من جلالة الملك محمد السادس. في هذا الحوار مع جريدة «الاتحاد الاشتراكي»، تتحدث إيفا نغوين بين، المسؤولة عن سياسة الدبلوماسية الثقافية لفرنسا منذ سنة 2021، عن العلاقات الاستثنائية بين الرباطوباريس في المجال الثقافي.
n تقوم العلاقات الفرنسية المغربية على شراكة قوية في المجالات السياسية والاقتصادية، هل ترون أن التعاون الثقافي يرقى إلى مستوى هذه العلاقة الاستراتيجية بين البلدين؟ pp لقد ارتقت العلاقات بين فرنسا والمغرب إلى مستوى شراكة استثنائية معززة، خلال زيارة الدولة التي قام بها رئيس الجمهورية الفرنسية إلى المغرب في أكتوبر 2024 بدعوة من جلالة الملك محمد السادس. وتُعد الثقافة قطاعاً أساسياً في التعاون بين البلدين. فقد أكدت خارطة الطريق الخاصة بالتعاون الثقافي، التي تم توقيعها خلال تلك الزيارة، الطموحات المشتركة في مجالات الصناعات الثقافية والإبداعية، وخاصة صناعة ألعاب الفيديو، والكتاب، وتنقل الفنانين والتبادلات الثقافية، والتراث والمتاحف، والحرف الفنية، وريادة الأعمال الثقافية بين أوروبا وإفريقيا. كما ساهمت زيارة وزيرة الثقافة الفرنسية إلى المغرب في فبراير 2025 في تعزيز هذا التعاون، خصوصاً من خلال توقيع اتفاقيات بين مؤسسات فرنسية مثل المكتبة الوطنية الفرنسية والمركز الوطني للسينما ومركز المعالم الوطنية ونظيراتها المغربية. ويتميز التعاون بين البلدين في مجال تنمية الرأسمال البشري بكثافة كبيرة؛ إذ توجد في المغرب 44 مؤسسة تعليمية فرنسية معتمدة تستقبل 48,820 تلميذاً، منهم 69٪ مغاربة. كما توجد أليانس في آسفي وورزازات يعملان إلى جانب 12 موقعاً للمعهد الفرنسي بالمغرب. وتعد فرنسا الوجهة الأولى للطلبة المغاربة (47 ألف طالب سنة 2024)، كما توجد اتفاقيات عديدة للتعاون الجامعي بين الجامعات الفرنسية والمغربية، فضلاً عن كون فرنسا الشريك العلمي الأول للمغرب. وبالإضافة إلى أهمية هذه الروابط، فإن التنفيذ العملي لهذه الاتفاقيات يغذي اليوم تعاوناً ثقافياً طموحاً وموجهاً أساساً نحو شباب بلدينا. ويشكل موسم المتوسط 2026 فرصة لإبراز هذا التعاون الغني بشكل أوضح وأكثر تنظيماً، وهو امتداد للعديد من المبادلات القائمة بالفعل، مثل المهرجانات والإقامات الفنية والإنتاجات المشتركة والتنقلات الطلابية، والتي تشهد على حيوية كبيرة. n ينظم المعهد الفرنسي، بشراكة مع عدد من الفاعلين، موسم المتوسط 2026، وهو تظاهرة ثقافية كبرى مخصصة لإبراز غنى وتنوع الثقافات المتوسطية، وستقام في فرنسا من 15 ماي إلى 31 أكتوبر. لماذا وقع الاختيار على موسم المتوسط لجعله فضاءً للحوار والتعاون؟ pp لقد وُلد موسم المتوسط 2026 من طموح سياسي واضح أعلن عنه رئيس الجمهورية سنة 2023، ويتمثل في تعزيز مجتمع المصير المشترك بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وقد تم تصميمه من أجل تحفيز الإبداع والابتكار والتعاون بين المجتمعات المدنية والشباب والفنانين في ضفتي المتوسط. وسيتم إيلاء اهتمام خاص للتعاون مع المغرب خلال هذا الموسم، إلى جانب الجزائر وتونس ومصر ولبنان. يشكل البحر الأبيض المتوسط فضاءً لحركية إنسانية وثقافية واقتصادية مكثفة، لكنه في الوقت نفسه فضاء للتصدعات. وجعل هذا الموسم لحظةً لتجديد الحوار يعني الاعتراف بهذه التعقيدات واختيار مواجهتها بشكل جماعي. وقد أردنا أن يتجاوز هذا الحدث مجرد برنامج ثقافي، ليتيح الاستماع إلى تعددية الأصوات، من خلال دعوة ومشاركة فنانين ومفكرين وباحثين وفاعلين جمعويين، على سبيل المثال. n في مثل هذا المشروع، كيف تتصورون التنسيق بين المؤسسات العمومية وفاعلي المجتمع المدني لضمان تعاون فعال ومستدام؟ pp يقوم هذا الموسم أساساً على هذا التكامل. فهو يُنظم بدعم من وزارة أوروبا والشؤون الخارجية ووزارة الثقافة، وبالتنسيق مع المندوبية الوزارية المكلفة بالمتوسط، ويتم تنفيذه من طرف المعهد الفرنسي. لكن هذا المشروع تم بناؤه منذ البداية مع الفاعلين الميدانيين، بفضل العمل الكبير لمفوضة الموسم التي تحظى بخبرة ومعرفة واسعة بهؤلاء الفاعلين. ويجمع الموسم تنوعاً كبيراً من الفاعلين الثقافيين، من مهرجانات كبرى، ومتاحف، ومؤسسات، وجمعيات، وجماعات ترابية، وجامعات، إضافة إلى فاعلين اقتصاديين. ويشكل هذا التنوع نقطة قوة لقد اخترنا اعتماد مقاربة البناء المشترك للمشاريع، وربط الشبكات بين الفاعلين، مع إيلاء اهتمام خاص للسياقات المحلية والترابية. ففي مرسيليا عند الافتتاح، كما في أكثر من 60 مدينة فرنسية وفي عدة بلدان شريكة، يعمل الموسم كمحفّز للديناميات القائمة، بدل أن يكون برنامجاً يُفرض من الأعلى. n تعدّ شبكة المعاهد الفرنسية في المغرب من بين الأكبر في العالم. هل سيتم تعبئتها لهذا الحدث، وما الدور الذي ستلعبه في تنفيذه؟ نعم، بشكل كامل. فالموسم سيقام أساساً في فرنسا، لكنه سيجد صداه أيضاً خارجها، خاصة بفضل الشبكة الدبلوماسية والثقافية الفرنسية. وفي المغرب، حيث تُعد شبكة المعاهد الفرنسية من بين الأكثر تنظيماً ونشاطاً في العالم، ستلعب دوراً أساسياً في تنقل الفنانين وربط العلاقات مع الساحة الفنية المغربية طوال فترة الموسم. كما سينظم المعهد الفرنسي بالمغرب إحدى أبرز محطات اختتام الموسم في شهر أكتوبر. وسيخصص هذا الحدث للاحتفاء بالإبداع والتعاون في مجالات التصميم والحرف الفنية، بمناسبة تنظيم الدورة التاسعة للمنتدى الأورو-متوسطي لقادة الشباب في الصويرة، الذي يجمع سنوياً حوالي مائة شاب من بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، منخرطين في مبادرات مواطِنة قوية. وللتذكير، يضم المعهد الفرنسي بالمغرب 12 مؤسسة: أكادير، الدارالبيضاء، فاس، مراكش، مكناس، وجدة، الرباط، القنيطرة، طنجة، تطوان، الجديدة، والصويرة. وهي فضاءات حيوية للتعاون الفرنسي المغربي موزعة على مختلف أنحاء المملكة. ويعكس هذا الحضور الروابط التي تجمع بين مجتمعاتنا المدنية وشبابنا ومبدعينا، كما يعكس الرغبة المتجددة في تقاسم مشاريع جديدة.