تتخذ رواية «حنين الواحة»، للقاص حسن برما، من الذاكرة مصدرا لصوغ عوالمها السردية والتخييلية، وذلك عبر استرجاع ذكريات الماضي وصوره، إذ ظلت ذاكرة السارد محركا لتحفيز وبعث فيض من الذكريات المؤلمة التي تشكلت، كما تقول ميك بال، من مجموع الأزمات والصدمات التي ظلت موشومة بالذاكرة وغير قابلة للانمحاء أو النسيان. هكذا يضعنا المقطع السردي الافتتاحي ضمن السياق التاريخي والزمني لتلك الذكريات وهو زمن " فترة السبعينات وما تلاها"، زمن ساخن بكل ما حملته أحداثه من صراع وتوتر بين الشعب والسلطة، توتر لم تسلم منه دوائر المخزن إذ أسفر الصراع عن القيام بمحاولات انقلابية . الواضح إذن ذلك الجهد والإجهاد الذي حملته ذاكرة السارد لاستعادة فضاءات الحي المحمدي باعتباره فضاء تاريخيا ورمزيا، واستعادة محكيات تصور أحلام جيل الرواد من أبناء الحي والتي تعرضت لشتى أنواع الإقصاء والتهميش، تتناسل خطوط المحكيات السردية ويستمر معها ضغط السارد في الدفع بها نحو الخلف، على حد تعبير ميشال رايموند. هذا الهروب الانتكاسي نحو الماضي جعل صور ذكريات الماضي إلى مرايا عاكسة لحجم المعاناة والألم والإحساس بالخيبة والتحسر، وتمدنا نظرية للتحليل النفسي لسيغموند فرويد بمفهوم الذكريات المؤلمة لتوصيف ذلك النوع من الذكريات المترسبة داخل اللاوعي الإنساني والتي تشكلت على خلفية المعاناة وأحاسيس الاستلاب السيكولوجي: 1 الذكريات المؤلمة داخل المنجز الروائي: يمنحنا الخطاب السردي نماذج مختلفة من الذكريات المؤلمة التي ظلت تغذي مرارة الحسرة في نفسية السارد ومعها بقية الشخصيات التي عاشت نفس الألم وطالتها شرارة نار المخزن حتى وصلت إلى فضاءات الحي المحمدي، إذ استهدف مخزن السبعينات طمس أهم معالم فضاءات هذا الحي باعتبارها ليست مجرد أمكنة بقدر ما هي أمكنة رحمية، أي تشبه رحم الأم كما يقول غاستون باشلار، تشكل رحما لتكون الأحلام والآمال. في مقدمة تلك الذكريات المؤلمة التي سلطتها الدوائر المخزنية، نذكر واقعة التخطيط لهدم كاريان سانطرال رغم ما حازه هذا الفضاء من رمزية تاريخية وثقافية ووطنية. انطلق هذا التخطيط بهدم الصاكة الصفراء، الحادث الذي ترك شرخا في نفوس الساكنة قاطبة، يقول السارد في الصفحة 173 واصفا أثر هدم الصاكة الصفراء: «لم تكن مجرد بناية إسمنتية عادية، كانت عش حب دافئ وعلامة يقين في طريق الحياة، تاريخ كرامة ، ظلال شيخوخة ضيعت جذورها البعيدة، ولأجيال الشقاء المحتوم بيت حلم تواعد عنده أتعس العشاق، وكتبوا على حيطانها الصفراء عهد الوفاء لعشق الوطن». يعكس الملفوظ السردي أثر الهدم في الوجدان والذي تحول مع الزمن إلى ذكرى ألم جمعي تستعيده الذاكرة بكل حسرة ومرارة. يستعيد السارد تجربة الألم والمعاناة وانتظار الذي يأتي ولن يأتي، حين تقدم بطلب الدعم لمشروع مسرحيته « با صالح»، رغم إصرار رفيقته سعيدة على رفض دعم الجلاد، يأتي رفض الوزارة بمثابة المسمار الأخير الذي يدقه المخزن في نعش أحلام حمادي، وتعميقا لحجم الجراح. يتناسل مخزون ذاكرة السارد وتتناسل معه العديد من الذكريات المختلفة باختلاف قوتها التخييلية. إن استعادة الخطاب السردي لمحكي شهداء «الكوميرا» الحدث الذي وشم ذاكرة المغاربة لحجم دلالته ويختزل في أبعاده الإيحائية والرمزية معاناة جيل بأكمله، لقد تحول محكي الانتفاضة، وما ترتب عنه من قمع وقهر وتقتيل، ليضيء المحكي السردي الكلي لرواية «حنين الواحة» التي تستعيد تاريخا دمويا وزاوية مظلمة من الذاكرة الجمعية كما يصفها المقطع السردي التالي: «يومها أخرج ديديس جميع أجهزة الرصد والصد والقمع، أعطى أوامره الحاقدة لاستعمال الحجارة والزراويط والأسلحة النارية، حتى الدبابات غادرت أوكارها السرية…..لم يبال بدموع الأمهات وهلع الآباء وصراخ الضحايا، وضع عشرات الأطفال والشيوخ في الزنزانة الواحدة، كدسهم في حيز ضيق لا يتحمل أكثر من ستة معتقلين…….وتهاوت أجساد الشيوخ لانعدام منافذ التهوية، واكتفى ديديس اللئيم بحمل الجثث ودفنها سرا بثكنة رجال المطافئ «(ص129 130). يستعيد المقطع السردي أعلاه، تجربة أليمة تعكس وضعا مأساويا، ويأتي هذا المقطع السردي ليقوم بلعبة تضعيف المحكي، على حد تعبير لوسيان دالنباخ، إذ رغم البون الزمني الفاصل بين لحظتين متباعدتين، إلا أن الذات لاتزال قادرة على استرجاع صور من ذاكرتها الجريحة، لدرجة تحول بعض الفضاء إلى علامة باعثة لصور ألم الماضي يقول السارد عن حمادي: « وكلما مر من شارع الفداء عادت إليه صور الهلع والقتل العمد والجثث المكدسة والقبور المحفورة تحت جنح الظلام» (ص130). هذا التماهي بين الفضاءات والأحاسيس البشرية هو ما يسميه «جان لاكان» التماهي المكاني، التماهي الذي يترجم تلك العلاقة السرية والأثر العميق للمكان في تشكيل ذاكرة الإنسان. لم تكن انتفاضة الكوميرا إلا صورة من صور القمع والقهر والإذلال والمهانة خاصة عندما اختزل المخزن المطالب الشعبية الحالمة بالتغيير في المطلب البيولوجي، نقرأ على لسان الذات الساردة: «…مع كأس القهوة السوداء، اعترف حمادي ل «الصعراني» بعجزه عن نسيان تلك الأحداث الأليمة، ظلت موشومة بذاكرته المشتعلة. رغم مرور عقود من الزمن فشلت في محو همجية «ديديس» (ص130). إن أهم ما يميز البرنامج السردي لرواية « حنين الواحة « استثمار لعبة التضعيف السردي حيث تأخذ العديد من المحكيات الصغرى شكل محكيات ميتا سردية. منها محكي «با صالح» المحكي الذي تضمنه المحكي الإطار، ويأتي هذا المحكي بمثابة مرآة عاكسة للدلالة الكلية، أنه حسب تعبير ميشال رايموند، بمثابة ملخص عام للحكاية، حيث تتقاطع تجربة «باصالح» وتجربة حمادي على مستويات مختلفة، إذ تعكس تجربة «با صالح» مرارة الاسترقاق الذي عاشه زمن العبودية، وتتحول رغبته الجامحة في التحرر إلى لوثة وضرب من الجنون الذي يصفه السارد في المقطع السردي التالي: «تغيرت حاله، غرق في نوبات شرود، اعتزل الناس، أدمن على الجلوس بمقبرة العشيرة، متكئا على السور الطيني … وكما لو أنه مضروب في دماغه، كان يكلم نفسه مرارا ويحاور أرواحا غير مرئية….في لحظات هدوء وصفاء فاجأ سيده بطلب عجيب قبل يده واقترح عليه أن يهديه حريته ويعتقه من قيد العبودية ….» (93 94). لم تكن حرية «با صالح» لتمنحه فرصة الانفلات من إسار الماضي وحنينه لرائحة تراب الواحة ولصوت الحب المتردد بين الجوانح وتذكيه صور وظلال الماضي المترسب بثنايا الذاكرة. لقد تحولت تجربة حياة «حمادي» إلى صور مماثلة إن لم نقل انعكاسا لشخصية «با صالح» . فقد دفعها الحلم بالحرية والرغبة في التغيير إلى إصابتها بما يشبه المس الشيطاني، ولم تستطع هي الأخرى التخلص من رواسب ذاكرتها الجريحة بكل ما اختزنته من صور الألم والمرارة وخيبة الأمل. ما يمكن استخلاصه: لم تكن تقنية التذكر داخل المشروع السردي لرواية «حنين الواحة» معبرا لتجاوز ألم الماضي، كما لم يكن الاسترجاع وسيلة للتطهير والتطهر من رواسب وحمم المعاناة ، لم يكن التذكر، إذن، إلا آلية لمحاكمة الماضي وإدانة رموز السلطة وخونة الالتزام، من باعوا المبادئ وتحولوا إلى مجرد دمى لا تتحرك إلا بأمر من أولي نعمتها. (*) ناقد مغربي