التعاضدية العامة ومؤسسة الشيخ زايد تعززان الشراكة لتوسيع الخدمات الصحية لفائدة المنخرطين    ألمانيا تلتزم بتفعيل موقفها الداعم للحكم الذاتي في الصحراء على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي    تونس.. نقل زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي من السجن إلى المستشفى بعد تدهور صحته    5 مباريات كانت كافية.. الوداد يُقيل كارتيرون ويُسلّم المفاتيح لبنشريفة    رئيس الحكومة يستقبل نائب وزير الخارجية الأمريكي لتعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين    إصابة في الفخذ تبعد حكيمي عن الملاعب عدة أسابيع    جامعة الرماية تحتفي بإدريس حفاري وصيف بطل العالم    أخبار الساحة    كتابةُ السلطة وبلاغةُ الخوف في «جعاسيس» جمال بندحمان    لماذا يعد علم الآثار المغربي حدثا مفصليا في الأنثروبولوجيا العالمية ؟    الكاتب الأول ادريس لشكر يدعو الطبقة العاملة إلى جعل فاتح ماي مناسبة لمحاكمة شعبية عمالية ضد الحكومة    أن نقولها في حياتنا اليومية، تلك هي المشكلة! قراءة في المجموعة القصصية الجديدة لمحمد صوف : «الحب أصدق أنباء»    الذاكرة الجريحة في رواية «حنين الواحة»    البَنْج    الأم في الدراما المغربية    نجاح باهر لمتحف السيرة    مجتبى خامنئي: "هزيمة مخزية" لأميركا    دعم أوتاوا لمخطط الحكم الذاتي يلقى ترحيبًا واسعًا لدى مغاربة كندا    إغلاق باب الإحصاء للخدمة العسكرية    ماينو يمدد عقده مع مانشستر يونايتد حتى 2031    تطورات مثيرة في اختطاف مواطن جزائري بإكزناية.. سيارة بنظام GPS تقود إلى توقيف مشتبه فيهم ومصير الضحية لا يزال مجهولا            الحكومة تواصل فتح الأوراش الإصلاحية الكبرى من خلال قانونين تنظيميين جديدين.        بورصة الدار البيضاء تفتتح على انخفاض    مناورات «الأسد الإفريقي 2026» بأكادير، تمرين متعدد الجنسيات يعزز تموقع المغرب كفاعل إقليمي.    بطولة إفريقيا للأندية للكرة الطائرة (رواندا 2026).. الفتح الرياضي يهزم الجيش الرواندي (3-1) ويتأهل لدور الربع    فرحة أفغانية بعد السماح بالمشاركة الرسمية في كرة القدم    في تتبع لتداعيات التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط على الاقتصاد الوطني..    تظاهرة بستان القصيد تخلد اليوم العالمي للشعر وتحتفي بالشاعر مراد القادري        صعود الدولار مع ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف من التضخم    منع الناشط عبد الصمد فتحي من السفر للمشاركة في "أسطول الصمود" يثير غضب مناهضي التطبيع    إيران: الحصار البحري يهدد أمن الخليج    تطبيق يواكب الحجاج المغاربة رقمياً    مهنيّو النقل يحذرون من تداعيات تغيير طريقة صرف دعم المحروقات ويدعون لفتح حوار مع الحكومة    1000 متبرع لدعم الأنشطة الرياضية لأطفال ورزازات    كيوسك الخميس | المغرب يضاعف عدد جامعاته من 12 إلى 25 لتعزيز العدالة المجالية    سكان المدينة العتيقة بالدار البيضاء يحتجون ضد قرارات الهدم أمام الوكالة الحضرية    إسرائيل تعترض سفن "أسطول الصمود" قبل وصولها إلى غزة    حرية الصحافة العالمية في أدنى مستوياتها منذ ربع قرن.. وتحذير من استهداف "ممنهج" للصحافيين في أمريكا    القنيطرة.. إلقاء القبض على الشخص الذي ظهر في فيديو يحاول قتل رجل بأداة حادة    سعر النفط يتجاوز 125 دولارا للبرميل    ترامب يدرس توجيه ضربة سريعة لإيران    الأمم المتحدة: الحرب على إيران قد تدفع أكثر من 30 مليون شخص إلى الفقر    شوكي: جميع فرق الأغلبية أقرت تحملها للحصيلة الحكومية في شموليتها ودون أي تجزئة    الأمن يوضح حقيقة اختفاء سائحة إسكتلندية: غادرت الفندق طوعا وهي في وضع عادي    أكاديمية المملكة تستحضر إسهامات الراحل موديمبي في إعادة قراءة إفريقيا    عبد الرحيم العطري يُسَائِلُ "أنثروبولوجيا السوق والتسوق"    تافراوت : أمام رئيس الحكومة…عرض تفاصيل أول خطة ذكية على الصعيد الوطني لمواجهة انتشار الكلاب الضالة.    هذه أسرار اللحظات الأخيرة بعد الموت السريري    المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل تسبب 840 ألف وفاة سنويا في العالم    دراسة: تناول الإفطار يساعد في اكتساب المرونة النفسية    دراسة علمية تحذر من خطورة المكملات الغذائية للأطفال                







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأم في الدراما المغربية
نشر في هسبريس يوم 30 - 04 - 2026

صورة الأم في الدراما المغربية .. قصة تحول مستمر من الثبات إلى التصدع
لا تمثل الأم في الدراما المغربية مجرد وجه يمرّ في خلفية الحكاية، ولا صوتاً خافتاً ينساب بين جدران البيت، بقدر ما هي ذلك القلب الخفي الذي ينبض تحت جلد المجتمع، وتلك الذاكرة التي ترفض أن تُمحى، حتى وهي تتشقق بصمت. إنها الكائن الذي حمل طويلاً عبء القداسة، قبل أن يُجبر على النزول من عليائه، ليواجه نفسه عارياً أمام أسئلة العصر، وأمام قسوة التحولات التي لم تعد ترحم أحداً.
وفي هذه الدراما، لا نرى الأم كما قيل لنا إنها كانت، وإنما كما صارت، وكما تُجبر أن تكون. ونراها تتهاوى من صورة الطهر المطلق إلى إنسانيتها الكاملة، ومن رمز مطمئن إلى كيان قلق، ومن حارسة القيم إلى امرأة تبحث عن معنى وجودها وسط عالم يتفكك. وهنا، لا تعود الأم مجرد حضن، ولكنها تصبح جرحاً مفتوحاً، وذاكرة مثقلة، وصوتاً يصرخ حين يعجز الكلام.
ولا يعتبر هذا التحول تفصيلاً جمالياً عابراً، ولكنه زلزال صامت يعيد كتابة علاقتنا بالأم وبالأسرة وبأنفسنا. إنه انتقال من سردية تمجيد إلى خطاب مساءلة، ومن يقين مطمئن إلى شكّ وجودي عميق. فحين تتغير صورة الأم، يتغير كل شيء، لأننا لا نعيد فقط النظر في شخصية درامية، بقدرما نعيد التفكير في معنى الحماية، وفي معنى الحنان والحب، وفي معنى أن نكون أبناءً لعالم لم يعد كما كان.
الأم .. ذاكرة جماعية وضمير أخلاقي
تتبدى صورة الأم في الدراما المغربية بوصفها مرآة عاكسة لتحولات المجتمع المغربي نفسه، إذ لا يمكن فصل تمثلاتها عن السياقات التاريخية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي أعادت تشكيل مفهوم الأسرة والهوية والسلطة داخل البيت المغربي. لقد انتقلت الأم من كونها رمزًا للحنان المطلق والاستقرار الأسري في ثمانينات القرن الماضي إلى شخصية مركبة، متوترة، ومحمّلة بأسئلة الوجود والسلطة والهوية في الدراما المعاصرة. وهذا التحول لم يكن اعتباطيًا، بقدر ما هو نتاج وعي نقدي وفني متزايد عبّر عنه كتاب ومخرجون عبر أعمالهم وخطاباتهم الجمالية والفكرية.
وفي مرحلة الثمانينات حتى بداية الألفية الثالثة، رسخت الدراما المغربية صورة الأم المثالية، الأم التي تضحي بصمت وتدير المنزل بكفاءة، كما في أعمال تلفزيونية وسينمائية جسدت ما يمكن تسميته "يوتوبيا الأسرة المغربية" حيث هذه الدراما المغربية بنت شخصياتها وفق نموذج الاستقرار، حيث كانت الأم جزءًا من نظام أخلاقي يعيد إنتاج القيم المحافظة. وفي هذا السياق، لم تكن الأم شخصية مستقلة بقدر ما كانت وظيفة سردية تضمن تماسك العائلة. وتحضرني أسماء عديدة: سعاد صابر وثريا جبران، نعيمة المشرقي وحبيبة المذكوري، وأمينة رشيد وفاطمة وشاي... وهن يمثلن الجيل الأول للأمهات في الدراما المغربية.
غير أنه منذ التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ومع صعود الحركات النسوية والتحولات الاجتماعية، بدأت إعادة صياغة هذه الصورة، فبدت الأم لم تعد ذلك الكائن الصامت، فقد أصبحت صوتًا يسائل ذاته والعالم من حوله. وهذا التحول جعل من الأم شخصية تعيش صراعًا بين أدوارها التقليدية وطموحاتها الفردية، وهو ما تجلى في أفلام ومسلسلات كشفت هشاشة هذا التوازن.
وتحتل صورة الأم في الدراما المغربية مكانة مركزية تتجاوز كونها مجرد شخصية ضمن البناء الحكائي، لتغدو رمزاً مركباً يعكس تحولات المجتمع، وتناقضاته، وأحلامه المؤجلة. فالأم في هذه الدراما ليست فقط الحاضنة البيولوجية، ولكنها ذاكرة جماعية، وضمير أخلاقي، وأحياناً ضحية صامتة لمنظومات اجتماعية قاسية. ومن خلال تتبع حضورها في الدراما المغربية، نكتشف أن تمثلاتها تتراوح بين النموذج التقليدي المرتبط بالتضحية والصبر، والنموذج الحديث الذي يلامس أسئلة الاستقلالية والكرامة والتمرد على الأدوار النمطية. ويشكلن الجيل الثاني من الأمهات: السعدية لديب، لطيفة أحرار، فاطمة خير، فاطمة عاطف، خلود البطيوي، ودنيا بوطازوت...
في البدايات، كانت الأم تُقدم في الدراما المغربية بوصفها كائناً مُقدساً، قريباً من صورة الأم في المخيال الشعبي، تلك التي "تحت الجنة أقدامها"، حيث تُختزل في العطاء غير المشروط، وفي القدرة على التحمل. وكانت شخصيات الأمهات في أعمال مثل "لالة فاطمة" أو "دار الورثة"... تنتمي إلى هذا الأفق، حيث تظهر الأم كعمود البيت، تحافظ على تماسكه رغم الفقر أو غياب الأب أو قسوة الأبناء. في أحد المشاهد المؤثرة، تقول الأم لابنها: "أنا ما بغيت منك والو، غير تبقى راجل وتعرف قيمة الدار"، وهي جملة تختزل فلسفة الأم التقليدية التي ترى في الاستمرار الأخلاقي للأسرة هدفاً أسمى من ذاتها.
تخطي الكتابات الاحتفالية إلى عتبات الأم المتسلطة والنرجسية...
وتطورت الدراما المغربية وأساليب البحث فيها من زوايا متعددة في العقود الأخيرة، خصوصًا في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحقوقية، فلم تعد الأم رمزًا أخلاقيًا مطلقًا، فقد أصبحت شخصية رمادية، قادرة على التواطؤ، الكذب، وحتى العنف الرمزي. ولم تعد الدراما المغربية الجديدة تبحث عن الأم المثالية، ولكنها تبحث عن الأم الحقيقية، تلك التي تحمل تناقضاتها بجرأة.
وفي هذا الإطار، برزت الأم بوصفها شخصية مأزومة، تعيش القلق والتوتر، حيث تتحول الأم إلى مركز درامي يكشف هشاشة البنية العائلية، حيث تقول البطلة في لحظة انكسار: "أنا أحاول فقط أن أكون كما يريدونني، لكنني لا أعرف من أكون". وهذا الاعتراف يختزل مأزق الأم الحديثة التي لم تعد قادرة على التوفيق بين ذاتها ومتطلبات المجتمع.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة شخصيات الأم بوصفها مثالًا على الأم التي تجد نفسها في قلب عالم متغير، مضطرة إلى إعادة تعريف أخلاقياتها. ويعكس هذا التحول انهيار اليقينيات التقليدية، حيث لم تعد الأم حارسة القيم بل جزءًا من لعبة معقدة من السلطة والنجاة.
ومن جهة أخرى، تناولت الدراما المغربية الأم من زاوية نفسية عميقة، خاصة في أعمال تستلهم التحليل النفسي حيث تغدو الأم ككائن كوني، يتعرض للاستنزاف والتدمير، في استعارة واضحة عن التضحية المطلقة. وتقول الشخصية في لحظة ذروة: "أعطيتك كل شيء، ولم يبقَ مني شيء". وتكشف هذه العبارة عن رؤية مأساوية للأمومة، حيث تتحول إلى فعل فناء.
كما أن الدراما المغربية لم تتردد في تفكيك صورة الأم من خلال طرح نماذج سلبية أو مضادة، مثل الأم المهملة أو المسيطرة أو النرجسية، بحيث تخطت الكتابة عتبة الكتابة الاحتفالية وكشفت عن الظلال المخبأة خلفها وفي أعمالها، ونجدها أمًا قادرة على التلاعب والخداع، ما يعكس تحررًا من الصور النمطية.
لكن مع تطور الكتابة الدرامية، بدأت صورة الأم تعرف تحولات عميقة، حيث لم تعد فقط تلك المرأة الصابرة، وإنما أصبحت شخصية مركبة تعيش صراعات داخلية. وفي بعض الأعمال الحديثة، نراها تعاني من التهميش، أو من العنف الرمزي، أو حتى من الإقصاء داخل أسرتها. وفي مسلسل "سلمات أبو البنات"، مثلاً، تتجسد الأم في صورة امرأة قوية لكنها مثقلة بمسؤوليات لا تنتهي، حيث تقول في لحظة انكسار: "كنحاول نكون أم مزيانة، ولكن حتى أنا خاصني شي حد يسمع لي"، وهي جملة تعيد الاعتبار لإنسانية الأم، وتكسر صورتها الأسطورية.
لقد لعبت أسماء بارزة في الدراما المغربية أدواراً حاسمة في ترسيخ هذه الصورة، ومن بينها ثريا جبران التي قدمت أدواراً أمومية عميقة تتسم بالقوة والحنان في آن واحد، حيث كانت تجسد الأم التي تقاوم بصمت، وتمنح أبناءها القدرة على الاستمرار رغم الألم. كما برزت لطيفة أحرار في أدوار أمومية حديثة، تعكس تحولات المرأة المغربية، خاصة في علاقتها بذاتها وبأبنائها، حيث لم تعد الأم مجرد مرآة للأسرة، وإنما ذاتاً تبحث عن تحققها الخاص.
ولا يمكن الحديث عن الأم في الدراما المغربية دون استحضار حضور فاطمة خير التي قدمت نماذج متنوعة من الأمهات، من الأم الشعبية البسيطة إلى الأم المثقفة التي تواجه تحديات العصر. في أحد أدوارها، تقول: "ولادي ماشي غير مسؤولية، هما حياتي كاملة"، وهي عبارة تكشف عن التماهي الكلي بين الأم وأبنائها، وهو تماهٍ كثيراً ما يكون مصدر قوة كما يكون مصدر معاناة.
كما نجد حضور سعد موفق وأيوب كريطع وأسامة البسطاوي وعمر لطفى ومريم الزعيمي وساندية تاج الدين... في أدوار أبناء تعكس علاقة جدلية معقدة مع الأم، حيث تتأرجح بين البر والتمرد، وهو ما يمنح شخصية الأم بعداً درامياً إضافياً، إذ لا تُفهم إلا من خلال هذه العلاقة الجدلية.
ولا تتأسس الأم في الدراما المغربية على شخصية ثابتة، ولكنها كيان يتشكل وفق السياق الاجتماعي والثقافي. ففي القرى، تظهر الأم مرتبطة بالأرض والتقاليد، بينما في المدن، تصبح أكثر انخراطاً في التحولات الاقتصادية والاجتماعية. وقد نجحت بعض الأعمال في تقديم هذا التباين بشكل لافت، حيث نرى الأم القروية التي تقول: "الأرض هي اللي كتربينا كاملين"، مقابل الأم الحضرية التي ترى في التعليم والعمل سبيل خلاص لأبنائها.
وقد ساهمت الكتابة الدرامية الجديدة في تعميق هذه الصورة، حيث لم تعد الأم مجرد خلفية للأحداث، بقدر ما أصبحت محوراً للسرد. فبعض الأعمال جعلت من معاناة الأم موضوعاً رئيسياً، خاصة فيما يتعلق بعلاقتها بالمجتمع، وبالسلطة، وبالزمن. في أحد الأعمال، تقول الأم المسنة: "كبرت وأنا كنربي، ودابا كبرت وأنا كنستنى"، وتختزل هذه الجملة مأساة الانتظار التي تعيشها كثير من الأمهات في صمت.
في المقابل، هناك أيضاً اتجاه يعيد الاعتبار للأم بوصفها مصدر قوة وصمود، خاصة في سياقات اجتماعية صعبة، بتقديم الأم كرمز للمقاومة والحب غير المشروط، حيث تقول الشخصية: "سنجد طريقنا للخروج، دائمًا هناك طريق". وهذا النوع من التمثيل يعيد للأم بعدًا إنسانيًا عميقًا، بعيدًا عن المثالية أو التشويه.
قصة تحول مستمر من الثبات إلى التصدع
يعكس هذا التنوع في تمثلات الأم تحولات أعمق في المجتمع المغربي، حيث أن صورة الأم في الثقافة الشعبية هي ساحة صراع بين الإيديولوجيات، حيث تتقاطع قضايا الجندر والعرق والطبقة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية. وهذا الطرح يفتح المجال لقراءة الأم ليس فقط كشخصية درامية، وإنما كرمز ثقافي يعكس تناقضات المجتمع.
وفي السنوات الأخيرة، ومع صعود منصات البث الرقمية، أصبحت الدراما المغربية أكثر جرأة في تناول الأمومة. لم تعد هناك حدود صارمة لما يمكن تمثيله، مما أتاح تقديم شخصيات أكثر تعقيدًا وواقعية، مثل قضايا الأم العازبة والعاهرة وبائعة الهوى وبائعة الرضع والمتمردة وبائعة المخدرات والقاتلة والمتواطئة والمحاربة مع "الجماعات المتطرفة" والسارقة... ويعني ذلك أن الكتابة عن العائلة اليوم تعني الكتابة عن الفوضى، عن العلاقات غير المكتملة، وعن الحب الذي لا يأتي في صورته المثالية. وفي هذا السياق، تصبح الأم جزءًا من هذه الفوضى، لا مركزًا للاستقرار.
إن صورة الأم في الدراما المغربية هي في جوهرها قصة تحول مستمر، من الثبات إلى التصدع، ومن المثالية إلى الواقعية، ومن الصمت إلى التعبير. إنها شخصية تعكس قلق العصر، وتحمل في داخلها أسئلة الهوية والانتماء والمعنى. وبينما تستمر الدراما في إعادة تشكيل هذه الصورة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للأم أن تكون خارج كل هذه التمثلات، أن تكون فقط إنسانًا؟
ربما تكمن قوة الدراما المغربية في أنها لا تقدم إجابات نهائية، ولكنها تترك هذه الأسئلة معلقة، كما تقول إحدى الشخصيات في مسلسل "عش الطمع": "الأمومة ليست ما قيل لنا، إنها ما نكتشفه ونحن نعيشه". وتختزل هذه العبارة رحلة طويلة من التمثيل والتفكيك، حيث تصبح الأم ليس فقط شخصية درامية، وإنما تجربة إنسانية مفتوحة على كل الاحتمالات.
ولا تكتفي الدراما المغربية، من خلال هذه التمثلات، بتقديم صورة الأم، بل تطرح أسئلة عميقة حول مكانتها في المجتمع، وحول التوازن بين دورها الأسري وحقها في الحياة. فالأم ليست فقط من تُربي، ولكن من تحلم، وتفشل، وتنهض من جديد. وهي في ذلك تعكس صورة المجتمع نفسه، بكل تناقضاته وآماله.
ويمكن القول إن الأم في الدراما المغربية هي مرآة للتحول، حيث تنتقل من صورة القداسة إلى إنسانية أكثر تعقيداً، ومن الصمت إلى التعبير، ومن الهامش إلى المركز. إنها ليست فقط شخصية درامية، بقدرما هي نص مفتوح على التأويل، يحمل في داخله تاريخاً من الألم والحب، ويمنح الدراما المغربية عمقها الإنساني والجمالي.
وقد عرفت الدراما المغربية في السنوات الأخيرة تحوّلاً لافتاً جعل من شخصية الأم محوراً سردياً قائماً بذاته، حيث لم تعد مجرد عنصر ثانوي داخل الحكاية، ولكنها أصبحت بطلة تحمل عبء السرد وتوجه مساراته. وقد تنوعت هذه التمثلات بين الأم التقليدية التي تستمد قوتها من الصبر والتضحية، والأم العصرية التي تواجه تحولات المجتمع وتعيد تعريف ذاتها داخل الأسرة وخارجها.
ومن أبرز هذه الأعمال "عش الطمع" و"رحمة" و"سلمات أبو البنات"... فهذا المسلسل الأخير يُعد نموذجاً واضحاً للأم البطلة، حيث تتمحور القصة حول أب وأربع بنات، لكن حضور الأم الغائبة والممتدة رمزياً يظل حاضراً، بينما تتجسد أدوار الأمومة في شخصيات نسائية متعددة، خصوصاً من خلال أداء السعدية لديب التي قدمت صورة الأم الحنون والمقاومة في الآن ذاته.
كما نجد مسلسل "دار الورثة"، الذي يمنح للأم مكانة مركزية داخل الصراعات العائلية، حيث تتحول إلى حارسة الذاكرة العائلية، وإلى سلطة أخلاقية تحاول الحفاظ على تماسك الأسرة رغم الانقسامات. ويعكس هذا النموذج الأم التقليدية المرتبطة بالقيم والأعراف.
وفي سياق مختلف، يبرز مسلسل "بنات العساس"، حيث تتقاطع الأمومة مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وتظهر الأم كشخصية تعاني وتكافح داخل بيئة قاسية، مما يمنحها بعداً واقعياً وإنسانياً عميقاً، بعيداً عن الصورة المثالية.
أما مسلسل "الماضي لا يموت"، فيقدم نموذجاً أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الأمومة مع أسرار الماضي، وتصبح الأم جزءاً من شبكة من العلاقات الغامضة، ما يعكس تحوّل الدراما المغربية نحو تعقيد الشخصية الأمومية وجعلها فاعلاً درامياً مؤثراً.
ولا يمكن إغفال مسلسل "زهر الباتول"، الذي يضع الأم في قلب التحولات الاجتماعية، حيث تعيش صراعاً بين التقاليد والحداثة، وتُجبر على اتخاذ قرارات مصيرية تمس مصير أبنائها، مما يجعلها بطلة تراجيدية بامتياز.
كما برزت أعمال أخرى مثل "حديدان" و"لالة فاطمة"، التي قدمت الأم في قوالب كوميدية أحياناً، لكنها لم تخلُ من عمق إنساني، حيث تتحول الأم إلى شخصية قريبة من الجمهور، تعكس همومه اليومية وتناقضاته.
ختاماً
إن هذه المسلسلات، على اختلاف توجهاتها، تشترك في منح الأم موقع البطولة، سواء كانت أماً تقليدية تحافظ على القيم، أو أماً عصرية تعيد تشكيل دورها داخل مجتمع متغير. وهذا التحول يعكس وعياً درامياً جديداً بأهمية الأم كفاعل أساسي في السرد، وكمرآة لتحولات المجتمع المغربي، حيث لم تعد الأم مجرد خلفية، بقدر ما أصبحت الحكاية نفسها.
وهكذا تنتهي رحلة الأم في الدراما المغربية دون أن تنتهي، إذ تظل مفتوحة على احتمالات لا تُحصى، وعلى أسئلة لا تجد يقينها الأخير. ولم تعد الأم صورة مكتملة ولا حقيقة مستقرة، ولكنها صارت ذلك الكائن الذي يعيد تعريف نفسه كلما ظنّ أنه وصل، بين الانكسار والقوة، بين الصمت والبوح. وتواصل الأم كتابة وجودها داخل عالم يتغير بلا توقف. إنها ليست نهاية حكاية، وإنما بداية وعي جديد، حيث نصغي أخيراً إلى الأم لا كما أردناها، ولكن كما هي، بكل هشاشتها وعمقها وإنسانيتها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.