بقلم : على طالب في مشهد سياسي مغربي أصابه الإنهاك من زعامات معمرة لا تغادر منصات القرار إلا قسرا أو بغضبة فوقية، يبرز احتمال عدم ترشح عزيز أخنوش لرئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار كحدث يتجاوز سياقه التنظيمي الضيق ليطرح سؤالا محرجا وجوهريا وهو، هل ما زالت السياسة شأنا جماعيا مؤسساتيا، أم تحولت أحزابنا إلى ملكيات شخصية مغلقة تدار بمنطق المقاولة العائلية؟ إن الإشكال الحقيقي الذي يعري واقعنا الحزبي لا يكمن في ضعف البرامج أو هشاشة قنوات الوساطة فحسب، بل في تغول الزعيم الذي يحتكر الواجهة والشرعية والقرار، حتى بات الحزب يختزل في شخصه، وباتت الهياكل مجرد ديكور لتأثيث مسرحية الولاء. ومن هنا، فإن مجرد تداول فكرة مغادرة أخنوش للقيادة في مؤتمر 7 فبراير بمدينة الجديدة، وهو في ذروة قوته الانتخابية وعلى رأس حكومة تدبر شؤون البلاد، يضرب في الصميم ثقافة الزعيم الأبدي التي ظلت لعقود عنوانا للفشل السياسي وجدارا سميكا يمنع تجديد النخب. ولعل المفارقة الصارخة تكمن في ردود الفعل التي تعتبر خطوة كهذه غير مبررة أو عبثية ما دام الحزب لم يُهزم انتخابيا. هذا المنطق بالذات هو الذي يفضح اختلال الوعي الديمقراطي؛ ففي الأنظمة السليمة، التداول على السلطة هو سلوك صحي وقيمة مضافة، وليس عقوبة تلي الهزيمة. إن حصر البقاء في القيادة بشرط الفوز الانتخابي يحول الأحزاب إلى أدوات بلا روح، ويغذي القناعة بأن الحزب وجد لخدمة طموح الزعيم لا العكس. والسؤال الحارق الذي يفرضه هذا التطور ليس لماذا قد ينسحب أخنوش؟، بل لماذا لا ينسحب غيره؟. لماذا نرى وجوها جاثمة فوق صدور تنظيماتها لثلاث وأربع ولايات، دون أن يرف لها جفن وهي تشاهد اتساع رقعة العزوف وتآكل الثقة في العمل السياسي؟. إن هؤلاء الزعماء الذين يرفعون شعارات الدفاع عن الديمقراطية أمام الكاميرات، هم أنفسهم من يغتالونها داخل بيوتهم الحزبية عبر مؤتمرات معلبة وانتخابات داخلية شكلية تحول المجالس الوطنية إلى جوقة تبارك قرارات الزعيم الملهم. إن انسحاب أخنوش، إن تم، لن يكون مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل سيكون ضربة رمزية موجعة لكل الزعامات التي شيدت وجودها على قاعدة أنا أو الطوفان. هي رسالة بليغة مفادها أن السياسة ليست رهينة بالأشخاص، وأن جاذبية العمل الحزبي لا تستقيم بخلود الوجوه، بل بقدرة المؤسسة على إنتاج بدائل لا تقل كفاءة عن السلف. ففي زمن يسأل فيه الشباب بمرارة عن جدوى المشاركة في انتخابات لا تغير الوجوه ولا المناهج، يصبح التداول الفعلي هو الرد الوحيد الممكن لاستعادة الروح لمشهد سياسي بات يلفظه المواطنون بسبب الرتابة والجمود. في نهاية المطاف، إن الديمقراطية الحقيقية لا تبدأ من صناديق الاقتراع العامة، بل من داخل المطابخ الحزبية. وإذا كان "الأحرار" سيخوضون مغامرة التغيير وهم في قمة هرم السلطة، فإنهم بذلك يضعون باقي الفرقاء أمام مرآة الحقيقة، فإما الانخراط في ثقافة التداول الطوعي، أو الاعتراف بأن أحزابنا لم تعد سوى ملكيات خاصة تخشى التغيير أكثر مما تخشى الفشل.