بينما ترسم التساقطات الثلجية الكثيفة لوحات جمالية تخطف الأنظار في المرتفعات المغربية، يتوارى خلف هذا البياض واقع مرير يكابده آلاف المواطنين الذين يجدون أنفسهم وجها لوجه أمام قساوة الطبيعة وحصار الجليد. فعلى وقع نداءات الاستغاثة المتتالية التي تطلقها الدواوير المعزولة، يبدو أن الجهود المبذولة لإعادة فتح المسالك الطرقية لا تزال عاجزة عن مجاراة حجم التحديات الميدانية، حيث تتحول الثلوج إلى أسوار عالية تفصل الساكنة الجبلية عن العالم الخارجي، وتعمق من جراح هشاشتها البنيوية، حارمة إياها من أبسط مقومات العيش والوصول إلى الخدمات الصحية والتموينية الضرورية. فاستمرار التساقطات المطرية والثلجية لأسابيع متواصلة قد أغرق مناطق شاسعة في عزلة خانقة تجاوزت في بعض الأحيان شهرا كاملا، وهو ما يعني في القاموس اليومي لهؤلاء السكان مواجهة مفتوحة مع الجوع والصقيع في ظل فقر مدقع يسبق أصلا موسم الثلوج. وقد انتقل صدى هذه المعاناة إلى قبة البرلمان، حيث وضع الفريق الاشتراكي وزير التجهيز والنقل أمام مسؤوليته من خلال سؤال كتابي للنائب إسماعيل العالوي، كشف فيه عن الوضع الكارثي للطريق الجهوية رقم 704 الرابطة بين مسمرير وإملشيل، والتي ظلت مقطوعة لأزيد من شهر دون تدخل يذكر؛ وهو ما اعتبره البرلماني تقصيرا صارخا يهدد حياة المواطنين ويشل حركة نقل البضائع، مسبباً شللاً تاماً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة. وتعكس المقاطع المصورة المسربة عبر منصات التواصل الاجتماعي حجم المأساة؛ من صرخات نساء يطالبن بالنجدة لأطفالهن، إلى شباب يوثقون حصار قراهم الذي امتد لعشرة أيام دون انقطاع، وصولا إلى مشاهد سريالية لمواطنين يضطرون لاستخدام أدوات بدائية لاختراق جدران الثلوج التي طوقت أبواب منازلهم واحتجزتهم داخلها. ومع تدفق الأسئلة البرلمانية التي تطالب بالتدخل العاجل في أقاليم أزيلال وبني ملال وصفرو، تبرز المخاطر المحدقة بالمرضى والنساء الحوامل، خاصة مع نفاد المخزون الغذائي للأسر المحاصرة. وفي سياق متصل، لم تكن صرخة إقليم إفرام وضواحيها أقل حدة، إذ نبه محمد والزين، النائب عن الفريق الحركي، إلى التحديات الوجودية التي تواجهها دواوير تيمحضيت وعين اللوح وسيدي المخفي وغيرها، مؤكدا أن حجم الكارثة يكشف عجز الأسطول الحالي لكاسحات الثلوج وحاجته الماسة للتحديث لضمان بقاء الشرايين الطرقية مفتوحة. كما توقف والزين عند "النكبة المزدوجة" التي تعيشها آلاف الأسر بإقليمالحوز، والتي تجد نفسها بين مطرقة جرح الزلزال الذي لم يبرأ بعد، وسندان موجات الصقيع التي لا ترحم، منتقدا التأخر في التدخلات اللوجستيكية التي تعني في الواقع حرمان التلاميذ من مدارسهم، وترك المرضى يواجهون قدرهم في مسالك معزولة بعيدا عن الأسواق والمؤن. وأمام هذا الانسداد، تظل قيم التآزر الشعبي هي الملاذ الأخير لساكنة تضطر للمخاطرة بأرواحها سيرا على الأقدام وسط ثلوج يبلغ علوها أمتارا، بحثا عن لقمة عيش أو دواء، في انتظار استجابة رسمية تنهي حالة الحصار الطبيعي المفروض عليها.